من رحم الثورة الإسلامية تجربة في العمل الإسلامي الدولي
من رحم الثورة الإسلامية تجربة في العمل الإسلامي الدولي
بمشاركة: العلامة المجاهد الشيخ محمد حسن أختري
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
شهادة على مسيرة المقاومة: ذكريات ودور في تأسيس حزب الله
لا نزال في رحاب ذكرى انتصار الثورة الإسلامية في إيران المباركة، بقيادة الإمام الخميني قدس سره. وعندما بلغني حضور الأخ العزيز سماحة الشيخ أختري ، وجدت لزامًا عليّ أن أبيّن -ولو بإيجاز- دور سماحته، مضافًا إلى الأدوار الأخرى التي نوّه بها الأخ العريف.
فقد كان لسماحة الشيخ، إضافة إلى الأدوار التي ذُكر بعضها وأعرف كثيرًا منها قبل الثورة وأثناءها وبعدها، دور كبير في مشروع تحقيق «تمام نهج البلاغة». وفي بدايات الأمر، لم يكن أحد يتصور مآل هذا العمل التحقيقي، ولكن سماحة الشيخ كان هو المبادر والحريص والداعم لهذه المسيرة التحقيقية التي أفضت إلى هذه الغاية العظيمة. وعليه، وجدت من واجبي أن أقف إلى جانبه لأبيّن دوره المهم في المرحلة التأسيسية لهذا العمل التحقيقي.
بارئ الخلائق أجمعين، باعث الأنبياء والمرسلين، ثم الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا وحبيب قلوبنا وطبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفى محمد، وعلى أولاده الطيبين الطاهرين، الهداة المعصومين، وأصحابه الخيرين المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والشهداء والصديقين.
﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الأنفال: 26].
أهنئ نفسي وإياكم جميعًا بذكرى انتصار الثورة الإسلامية المباركة المجيدة، ومرور سبع وأربعين سنة على هذه الثورة المباركة، كما أهنئ الأمة الإسلامية قاطبة، وجميع الموالين للجمهورية الإسلامية والإمام الخميني، وكل المستضعفين والأحرار في أنحاء العالم.
لقد وافق انتصار الثورة الإسلامية أيام ربيع المولد، ربيع ولادة الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فقد انتصرت الجمهورية الإسلامية في الثالث عشر أو الرابع عشر من شهر ربيع الأول. والمشهور أن ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وولادة الإمام الصادق عليه السلام كانتا في السابع عشر من ربيع الأول. وكان وصول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في هجرته المباركة إلى المدينة المنورة في الثاني من شهر ربيع الأول، ولعل إعلان الدولة الإسلامية على يد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان في تلك الأيام عينها. كما أن بداية إمامة وولاية الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف كانت في ربيع الأول، وتحديدًا قبل منتصفه. وانتصار الثورة الإسلامية جاء كذلك في تلك الآونة.
وهذه التوافقات لها أسبابها وغاياتها؛ فالقضية مسيرة متصلة بإرادة الله تبارك وتعالى، تمتد من بعثة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى ظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف. فكل ما جرى في هذا المسار، ومنه انتصار هذه الثورة، إنما كان بعون الله ومشيئته في تلك الأيام المباركة.
وأنتم تعلمون ما نُقل في كتب السيرة والتاريخ من أنه عند ولادة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، تصدّع إيوان كسرى بالمدائن وسقطت منه شرفات. وقد زرتُ هذا الإيوان الأثري في أيام إقامتي بالنجف الأشرف، وشاهدت ما بقي من آثاره بعد مضي أربعة عشر قرنًا على بزوغ فجر الإسلام. إن في هذه المعاني دلالات شتى مترابطة، ولذلك أعتقد أن هذه المسيرة متصلة بظهور الإمام الحجة عجل الله تعالى فرجه الشريف.
وعليه، أجدد التهنئة لنفسي ولكم وللمسلمين جميعًا، ونسأل الله تبارك وتعالى أن يرينا نصرة الإسلام وعزته بالمسلمين في هذا العصر، وبإزالة إسرائيل، وهيمنة أمريكا وسيطرتها على الدول الإسلامية والعربية بصورة خاصة.
بناءً على طلب الإخوة، أتحدث في هذه النقاط، وإن لم تكن لي رغبة كبيرة في الخوض فيها. فأقول: أولًا، لقد كنا منذ البداية في صميم الحركة الإسلامية، حركة الثورة الإسلامية بقيادة الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية. كنتُ آنذاك طالبًا في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري، وقد بدأت دراستي في قم. وكانت الحركة تخطو يومًا بعد يوم خطوات جديدة، وكنا -على صغر سننا- نواكب هذه الحركة.
وقد عاصرنا الأحداث التي مرت بالشعب الإيراني، لا سيما في قم يوم الخامس عشر من خرداد ، الذي وافق الثاني عشر من المحرم الحرام. وكما هو معلوم، فإن سبب اعتقال الإمام آنذاك يعود إلى خطابه البليغ الذي ألقاه يوم عاشوراء من تلك السنة في المدرسة الفيضية بقم، حيث هاجم فيه الشاه وأعوانه هجومًا صريحًا. على أنني لم أكن في قم خلال شهر محرم من تلك السنة، بل كنت في مدينة سمنان لقضاء عطلة الدروس.
وكذلك شهدنا استقبال الجماهير للإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية في قم، بعد إطلاق سراحه من السجن ورفع الإقامة الجبرية عنه، وكنتُ ضمن لجان الاستقبال في المدرسة الفيضية، وفي ذلك حديث آخر.
وفي عام 1343 الشمسي، الموافق لعام 1964 الميلادي، ألقى الإمام خطابه الشهير الذي هاجم فيه أمريكا بوضوح وبلاغة. وقد قال الإمام ما مضمونه: «ليعلم رئيس جمهورية أمريكا أنه أبغض شخص لدى الشعب الإيراني». وأنتم تشاهدون اليوم كيف أن رئيس جمهورية أمريكا هو من أكثر الشخصيات نبذًا في العالم لدى الأمة الإسلامية وغيرها.
وفي تلك السنة، طلب مني علماء سمنان البقاء فيها للمساهمة في تأسيس حوزة علمية، والتدريس فيها للطلبة المستجدين. وعقب اعتقال الإمام ونفيه من إيران إلى تركيا، قمنا -ونحن طلبة- بإصدار بيان وتوزيعه في سمنان، فكان ذلك سببًا في اعتقالي وسجني لنحو نصف سنة، انتقلت بعدها إلى النجف الأشرف. وقد صادف يوم وصولي تزامنًا مع ورود الإمام إلى بغداد، فكانت مصادفة عجيبة.
وقد بقينا هناك في خدمة الإمام، ولا مجال للتفصيل في هذا المبحث، ولكن من جملة ما قمنا به نشر بيانات الإمام ورسائله إلى مختلف الجهات. فعلى سبيل المثال، حملتُ كمية كبيرة من نسخ كتاب «الحكومة الإسلامية» للإمام قبل ترجمته إلى العربية، وذهبت بها إلى البصرة ومناطق أخرى لتوزيعها. وكذلك البيان الذي أصدره الإمام عقب حرب عام 1967م، فقد توليتُ نشره في بغداد ومناطق مختلفة.
وفي تلك الأيام أيضًا، كانت منظمة فتح قد تأسست، وكانت تسعى للحصول على دعم العلماء والمشايخ للقضية الفلسطينية ولما كانت تسميه «الثورة الفلسطينية». وقد أرسلوا استفتاءات إلى كبار العلماء يطلبون فيها رأيهم في حكم مساعدة الفلسطينيين، فوجهوا رسائل إلى اثني عشر من كبار علماء أهل السنة، منهم مفتي الأزهر، وإلى عالمين من علماء الشيعة، هما الإمام الخميني وسماحة المرجع السيد محسن الحكيم رحمه الله.
فأجاب الإمام بوجوب المساعدة من أموال الزكاة وسهم الإمام وغيرهما من التبرعات، لمن يمتلك القدرة على ذلك. وقد جمعوا هذه الفتاوى في كراس، ومن اللافت أنهم عنونوا اسم مفتي مصر، شيخ الأزهر، بلقب «الإمام الأكبر»، وكذلك عنونوا اسم الإمام الخميني بلقب «الإمام الأكبر».
كان الانطباع السائد لدينا أن حوزة النجف منعزلة عن الناس والمجتمع العراقي، إلا ما شذ وندر، على عكس حوزة قم التي كانت تعطل دروسها في شهري المحرم ورمضان، وينتشر طلابها في القرى والأرياف والمدن للتبليغ. فتداولنا في ضرورة إطلاق مبادرات لكسر هذا الواقع، وبدأنا بالذهاب إلى القرى الواقعة في أطراف النجف الأشرف للتبليغ.
ثم من بعد ذلك، توجهت للتبليغ إلى سوريا، وفي أول رحلة لي إليها، وبعد تنقلات عدة، وصلت إلى حمص، ومكثت شهرًا في قرية من قراها تدعى «تل أبوز». ولا حاجة لوصف حال تلك القرية آنذاك. ولكن بعد شهر رمضان، أتيت إلى دمشق، والتقيت بالمرحوم السيد حسين مكي، وهو والد السيد علي مكي رحمه الله الذي كان معروفًا في سوريا. وكنت قد اتصلت به في شهر رمضان، ثم زرته بعد العيد، وكان عنده جمع من الشباب السوريين للتهنئة، فقال لهم مشيرًا إليّ: إن هذا الشيخ ذهب هذه السنة إلى تلك القرية في حمص، وهي قرية لو دُفع لكم مئة ألف ليرة سورية في ذلك الزمن لتبيتوا فيها ليلة واحدة لما قبلتم، لافتقارها إلى أبسط الخدمات من ماء وكهرباء وغير ذلك.
وكان هذا دافعًا لي للعودة إلى القرية نفسها في رمضان من السنة التالية، ثم انتقلت بعدها إلى لبنان. بقيت في لبنان نحو سنتين ونصف، أمارس النشاط التبليغي، وكان لي تواصل مع الإمام موسى الصدر . وهكذا كان انخراطي في العمل التبليغي منذ البدايات، ولا أريد الإطالة في هذا الشأن.
إدارة ملف المقاومة وتأسيس شورى حزب الله
كانت مهمتي تتعلق بشؤون فلسطين ولبنان والعراق، أما سوريا فلم تكن ضمن نطاق مسؤولياتي المباشرة. وحتى يومنا هذا، لا يزال الدكتور ولايتي يذكر أنه لم يكن سفيرًا واحدًا، بل أربعة سفراء في واحد، لكثرة الملفات التي كنت أتابعها.
وكان الدكتور ولايتي يذكر على الدوام أنه كان بمثابة أربعة سفراء، لا سفيراً واحداً، إذ كان يعمل في هذه الأمور مجتمعة. وفي عام 1986م تقريباً، ذهبت إلى سوريا، ولم يكن لنا في ذلك الوقت سفير في لبنان لوجود بعض الموانع. وفي تلك الفترة، أُخرج سفيرنا من لبنان، فكان القائم بالأعمال هو من يتابع شؤون السفارة، بيد أن الأمور الجهادية والسياسية كانت كلها موكولة إلي وكنت مكلفاً بها. وكنت أيضاً ممثل الإمام قدس الله نفسه الزكية في شورى حزب الله.
وقد كانت لي علاقة دائمة بست عشرة مجموعة وفصيلاً جهادياً وحركياً في لبنان من السنة والشيعة والمسيحيين، فكنت في سوريا أستقبل الوفود والشخصيات، ومنهم الأمناء العامون، كجماعة التحرير وغيرها من الفصائل المختلفة، ومنها حزب الله. كان لحزب الله آنذاك شورى، ولكن أعضاءها كانوا يُنتخبون تقريباً بموافقة إخواننا في طهران، ولا سيما الإخوة في الحرس الثوري، وقد انطوى هذا الأمر على بعض السلبيات، حتى انتهينا إلى ضرورة توسعة الشورى، وكان من أبرز المؤيدين لذلك سماحة السيد الشهيد عباس الموسوي .
فإن قيل: كيف تم التعامل مع هذا الوضع؟ قلنا: بعثت برسالة إلى إيران، إلى سماحة القائد، مقترحاً أن الطريقة الفضلى في تعاملنا مع حزب الله تكمن في أن تُنتخب الشورى من قِبَلهم هم، فيتولوا انتخاب شورى حزب الله، ونحن نترك الأمر لهم في هذا المجال، بل ويختارون الأمين العام للحزب بأنفسهم. وقد وافق سماحة القائد على هذا المقترح، حتى إن بعض إخواننا عاتبوني قائلين: “لِمَ طرحت هذا الطرح؟ وفيه ما فيه”. فقلت: “إن هذا رأيي، وهي أحسن طريقة للتعامل”.
فقد كان حزب الله آنذاك مجموعة قليلة العدد، لا يتجاوز قوامها مئتين وخمسين إلى ثلاثمئة شخص، مع مجموعة من الخَدَمات من جهات مختلفة، ولكنها كانت محدودة جداً. بدأنا بالحركة، وكان القرار أن تتوسع دائرة المقاومة. وكان لسماحة السيد حسن نصر الله دور خاص في هذا المجال، في توسيع دائرة حزب الله والمقاومة الإسلامية، وتوسيع نطاقها لتشمل غير الشيعة. ومن المعلوم أن الأعضاء الرئيسيين لحزب الله والشورى، بل جميع أعضاء الشورى تقريباً ما عدا واحداً أو اثنين، كانوا جميعاً في حركة أمل ، ثم انشقوا عنها وشكلوا انشعاباً جديداً وخرجوا منها، وطلبوا من الإمام آنذاك تأسيس حزب الله، فوافق الإمام على ذلك.
وقد أفضى ذلك إلى نوع من النزاع، على الأقل على الصعيدين الاجتماعي والسياسي أو في الجلسات الخاصة، بين حركة أمل وحزب الله. وكان النزاع قائماً على الدوام، حتى اندلعت الحرب بينهما. ولكن علاقتنا مع حركة أمل كانت متواصلة، فكان الأستاذ نبيه بري يأتي إلى السفارة، وكنت أزوره عندما آتي إلى بيروت، وكان أعضاء من حركة أمل يلتقون به دائماً.
قيادة السيد عباس الموسوي والسيد حسن نصر الله
أما السيد عباس الموسوي فقد كان متواضعاً جداً وعارفاً بالله تبارك وتعالى، وكان هذا ديدنه دائماً حتى نهاية حياته قدس الله روحه، إذ كان يلتقي ليلاً بمن يريد اللقاء به، حتى الساعة الثانية أو الثالثة فجراً أحياناً، ثم يبقى مستيقظاً حتى الصباح يتابع أموره بينه وبين ربه. وكانت علاقته بمجموع العسكريين والأمنيين علاقة مميزة، فكانت كل المجموعات الحركية من العسكريين والأمنيين تنظر إليه نظرة القيادة، حتى قبل توليه الأمانة العامة. لذلك كانوا يسمعون له، وكان رأيه مطاعاً. ويمكن القول إن الجميع كانوا يعدونه من أبرز الكوادر الرئيسية لحزب الله. فعلى سبيل المثال، عندما كانت تُجرى انتخابات أعضاء الشورى، كان الجميع ينظرون إليه ليرشدهم إلى من يصوتون له، وكانوا جميعاً يسمعون منه. وكان يدير تعامله مع جميع الإخوة بالمحبة واللطف والصدق، ويلتقي بهم. وفي فترة من الفترات كان مسؤولاً عن الجانب العسكري، فكان كل العسكريين يتبعونه، وكان يتردد دائماً على الخنادق والمناطق المختلفة والمقرات، ليلتقي بالإخوة المجاهدين والمقاومين، ويسأل عن أحوالهم ويتحدث معهم. لذلك كانت علاقته بهؤلاء جميعاً مميزة، حتى أصبح الأمين العام.
وعندما أصبح السيد حسن نصر الله أميناً عاماً، شهد حزب الله تحولات جديدة، واستطاع والحمد لله أن يخطو هذه الخطوة. فعلى سبيل المثال، كان سماحة الشيخ سعيد شعبان في طرابلس، وكانت لهم حركة التوحيد، وكان مرتبطاً بهم. وكذلك جماعات أخرى، مثل جورج حبش وغيره، وأولئك من المسيحيين، كانت لهم علاقة بهم. كان حزب الله في بداياته مجموعة عسكرية، وكانت جميع الأطراف تنظر إليه على أنه مجموعة مسلحة معارضة تحارب إسرائيل في المناطق الحدودية، وفقاً للنظام القائم لديهم. ولم يكن حزب الله حينها منخرطاً بين الناس ومعهم.
تحويل حزب الله إلى مؤسسة اجتماعية وخدمية
ثم شرع حزب الله في أعمال جديدة، وهنا يمكن القول إن لي كان الدور الأبرز والأثر الأول فيما سأذكره. لقد فكرنا في الأمر، وذلك أني كنت في إيران منضوياً في جهاد البناء ، وكنت مسؤولاً عنه في محافظتنا، ولذلك كانت لدي خبرة في هذه الأمور. قلت لهم: إنه يجب أن نعمل مع الناس وللناس. وبناءً على ذلك، أسسنا عدة مؤسسات داخل حزب الله: – مؤسسة القرض الحسن. – مؤسسة الشهيد. – مؤسسة الجرحى. – مؤسسة 15 خرداد . – مؤسسة جهاد البناء.
شرعت هذه المؤسسات في العمل مع الناس عبر إقامة دورات ثقافية وقرآنية ودينية، ودورات عملية وجهادية، وشق الطرق، وتمديد أنابيب المياه والكهرباء وغيرها في كثير من قرى وأرياف لبنان. وبذلك، تحول حزب الله من مجرد مجموعة عسكرية إلى كيان له شؤون اجتماعية وإدارية تخدم عامة الناس. وكان هذا سبباً في نشوء تواصل وعلاقات جديدة وارتباطات وثيقة بين الشعب وحزب الله.
وقد كان لدينا لجنة الإمداد ومؤسسة الشهيد، وأنشأنا كذلك جهاد البناء، وكان لجهاد البناء الإيراني مكتب في لبنان. وخصصنا سنوياً ثمانين مقعداً دراسياً في جامعات الجمهورية الإسلامية لحزب الله، وكنا نختار إخواننا من أعضاء الحزب ليأتوا إلى الجمهورية الإسلامية للدراسة. ولعل هذا الأمر، الذي يرجع إلى ما قبل عشر سنوات، أثمر أن أول أخصائي في طب العيون في بيروت كان متخرجاً من جامعات إيران، وكان له تأثير كبير.
وكذلك في مجال بناء المدارس، بدأنا ببناء مدارس المهدي عليه السلام. نحن بدأنا عبر لجنة الإمداد، التي بنت وأسست ما يقرب من خمس عشرة مدرسة، أما نحن في حزب الله، وكل ما أقوله يتعلق بالأيام التي كنت فيها هناك، فقد بلغ عدد المدارس ثلاثين مدرسة حتى عام 2015م. وهذه المدارس حالياً فعالة ونشيطة تحت عنوان “سلسلة مدارس المهدي عليه السلام” في أنحاء لبنان. وكان لهذا دور كبير في تلبية حاجات الناس، وكذلك في بناء المساجد والحسينيات، وهذا والحمد لله كان إلى ما شاء الله.
وفي سوريا، تحدثت في الخطاب الذي ألقيته في حفل توديعي، فقلت في ذلك اللقاء: إنني، بالإضافة إلى ما كنت مكلفاً به في المجال السياسي وتعزيز العلاقات بيننا وبين السوريين، والمهام الملقاة على عاتقي في هذا الصدد، فقد عملت في كل مجال رأيت فيه صلاحاً في سوريا، من بناء المساجد والحسينيات، ونشر الكتب، وإقامة الاحتفالات، وغير ذلك. وكثير من العلماء والمشايخ السوريين الذين أقاموا في قراهم ومدنهم، كلفتهم بهذا وكنت أدعمهم وأساعدهم ليبقوا في تلك المدن.
منهم الشيخ أبو جابر، الذي كان في ريف دمشق، وقد تحدثت معه في السنة الأولى أو الثانية لوجودي هناك، فقلت له: لماذا أنت هنا؟ فقال: لنذهب إلى الحفر. فأخذته إلى حمص، واستقر في منطقة هناك اسمها البياضة والأباسية، وشرع في بناء مسجد جامع كبير، أما جامعة المصطفى فلا أدري هل هُجم عليها أو هُدمت. وكذلك عملنا في إدلب، وحلب، ونبل، والزهراء، وكفريا، ومناطق أخرى مختلفة.
وقد علمت من بعض الجهات أن بعض الوزراء السوريين لديهم ملاحظات عليّ، فبدأوا يشوشون عليّ. فقلت في نفسي: لعل هذا الأمر يصل إلى الرئيس حافظ الأسد، فيسبب مشكلة. وفي لقائي به، قلت له: “أنا في سوريا أساعد العلماء، وأبني المساجد والحسينيات، وأوزع الكتب، وأقيم المؤتمرات، وأدعو العلماء وآخذهم إلى إيران، وأؤسس مدارس قرآنية”. فقال: “أنت الشيء الذي تريد أن تعمله، اعمله”. وأعطاني ورقة خاصة، وقال لي: “الذي تريده أن تفعله، افعله”.
وفي إحدى السنوات، كنت قد شكلت مجموعة من العلماء، فكنا في كل أسبوع، يوم الخميس، نُسيّر موكباً من المشايخ من الحوزات العلمية لدينا في سوريا، ونرسلهم إلى القرى. يذهبون يوم الخميس ويرجعون قبل يوم الجمعة، وقد وجهتهم للعمل في هذا المجال. وكذلك في شهر رمضان من أوله إلى آخره، وفي محرم كذلك. كان ديدني دائماً أن أبدأ بموضوع التبليغ، وهناك أيضاً كنت أعمل على تنفيذه.
ثم قال المشايخ إن التبليغ قد مُنع، وإنه لا يذهب أحد من الحوزات العلمية للتبليغ. وكان لي صديق يمثل حلقة وصل بيني وبين الرئيس حافظ الأسد، وكان مسؤولاً أمنياً، فسألته: ما هذا؟ لماذا منعتم؟ قال: “إن هناك جهات مختلفة من السعودية وغيرها يأتون ويرسلون مبلغين إلى البلاد، فرأينا أنه لا طريق إلا أن نمنع الجميع، لذلك أبلغنا وعممنا بمنع التبليغ”. قلت له: “أيها الإخوة، أنا أريد أن أرسل هؤلاء، فماذا أفعل؟”. قال: “أنت أعطهم رسالة، وليذهبوا إلى المناطق”. فكانوا يسمحون لي بذلك دائماً، وقد استفدت من كل هذه الفرص، وعلى حسب ما أذكر، لم أقصر في هذا الموضوع.
وفي لبنان كذلك، كنت والحمد لله مبسوط اليد في هذا الأمر من قِبَل سماحة القائد وسماحة الإمام، لأن علاقتي بالإمام قدس الله نفسه الزكية كان لها مكان خاص في بيته وخارجه، وعلاقتي بسماحة القائد كذلك أتاحت لي هذه السماحة والفسحة لأتحرك في هذه الأمور.
لقد استطاع سماحة السيد حسن نصر الله بهذه الحركة، وبتقديم الخَدَمات المدنية والاجتماعية للبنانيين بصورة عامة، أن يكسب قلوبهم، لأنهم في كل قرية كانوا يدخلونها، كان فيها مسيحي وسني، ولم يكونوا يميزون بينهم. لذلك، وكما قلت في جلسة سابقة، ترون مثلاً أنه في تشييع الجثمان المبارك للسيد الشهيد، حضر أكثر من مليوني شخص، أي ما يعادل 24% من الشعب اللبناني. ولم يقتصر هذا الحضور على التشييع، بل تكرر في الذكرى السنوية في تلك السنة.
وهذا دليل على علاقة الناس وعلاقة الشعب اللبناني، سُنَّةً ومسيحيين وشيعة، بسماحة السيد. ومردُّ ذلك إلى حُسْن تعامله وأخلاقه وحركاته ومحبته للناس وتقديمه الخدمات لهم.
وقد امتد أثر هذه المقاومة ليصل إلى أمريكا اللاتينية، حيث بدأت هناك نشاطات جديدة وأُسست مقرات وجماعات خاصة؛ إذ كانت هناك مجموعات من العلماء والمبلغين يُرسلون من لبنان من قِبَل حزب الله إلى مناطق مختلفة في أوروبا وأمريكا الشمالية واللاتينية وإفريقيا. والحمد لله، لا يزال هناك رجال وعلماء وشخصيات مرتبطون بهذا الخط إلى يومنا هذا.
ومن العراق، فإن بعض الشخصيات العراقية التي كان لها دور وما زال، مع وجود بعض الملاحظات طبعًا، كان يأتي أحيانًا إلى لبنان. وقد نقل لي سماحة السيد أن فلانًا جاء إلى هنا ومكث شهرًا في بيته، وقد قدمتُ له كذا وكذا، وهو يعمل هنا ثم يرجع. فكانوا يأتون عنده الواحد تلو الآخر، يسمعون منه ويسترشدون به، وإن كان بعض الناس لا يسترشدون بإشارات علمائهم أو نصائحهم في هذا الموضوع.
ومن اليمن، جاءت إليه مجموعات وقالوا: «نريد أن نبايعك، ألستَ أنت الإمام القائم بالسيف؟»؛ لاعتقادهم بأن الإمام يجب أن يكون قائمًا بالسيف. فقالوا له: «نريد أن نبايعك». فأجاب سماحة السيد: «أنا جندي، وأنتم إن أردتم البيعة فيجب أن تبايعوا الإمام. أنا جندي للإمام الخامنئي، فيجب عليكم أن تبايعوا الإمام الخامنئي». وبهذا استطاع سماحة السيد أن يحول مجموعة المقاومة من منظومة صغيرة ومحدودة في دائرة خاصة في لبنان، ثم وسعها ونشرها إلى جميع أنحاء العالم، وكان ذلك بركة من الله تبارك وتعالى على يديه المباركتين.
العلاقة مع فصائل المقاومة الفلسطينية
وأما في قضية المقاومة الفلسطينية، فإنه منذ انطلاق منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة فتح تقريبًا في عام 1966 أو 1967م، كان لهم علاقة مع الإمام الخميني في قُم وفي النجف الأشرف، وقد أصدر الإمام بيانات كثيرة دعمًا للقضية الفلسطينية. ثم إن المنظمات الفلسطينية انشق بعضها عن بعض شيئًا فشيئًا حتى وصل عددها إلى أحد عشر فصيلًا، وكانت علاقات هذه الفصائل الأحد عشر كلها معي في سوريا، بمعنى أنهم لم يكونوا يشترطون فيمن ينتمي إليهم أن يكون مسلمًا، فقد يكون مسيحيًا، أو غير مسلم، ملتزمًا أو غير ملتزم، لم يكن ذلك يفرق عندهم.
وعلى إثر نجاح حزب الله والمقاومة الإسلامية، نشأت المقاومة الإسلامية في فلسطين. وكانت المجموعة الأولى التي جاءت إلى لبنان وسوريا تتألف من الدكتور فتحي الشقاقي والشيخ عبد العزيز عودة والشيخ البركة، كانوا يأتون إلي. وكنت قد التقيت ببعضهم في باكستان لفتح مجال لعلاقتهم مع الجمهورية الإسلامية.
بعد ذلك جاء إلي الدكتور فتحي الشقاقي رحمه الله وقال: إن جماعة حماس يريدون الاتصال معك. وأشير هنا إلى أنه كانت لدينا ملاحظات على الإخوان المسلمين، وهي ملاحظات نتبناها وكان أساسها من الإمام، ولكن علاقتنا معهم كانت قائمة دائمًا. قلت لهم: لا أظن أن جماعة الإخوان لديهم نية للجهاد، فهم أصلًا لا يجيزونه ولا يرونه، ولذلك يتعاملون في مصر وفي كل المناطق بطريقة معينة، فالجهاد عندهم مرهون بالسلطة. فقالوا: لا، ليس الأمر كذلك. ثم جاءت أول مجموعة منهم، وهم موسى أبو مرزوق، وإبراهيم غوشة، وخالد مشعل، فجاءوا إلي في سوريا والتقيت بهم، وكانت كل هذه اللقاءات بتنسيق مع حزب الله.
وفي أيام سماحة الشهيد السيد عباس الموسوي ، كانت علاقته مع الفلسطينيين عميقة، وكانوا على تواصل معنا. وبعد ذلك أرسلتُ رسالة إلى إيران، فنشأت علاقتهم مع الجمهورية الإسلامية، ولكن كان المحور الأساسي هو حزب الله. وقد سألت الشيخ عبد العزيز عودة: «كيف ومن أين فكرتم في تأسيس وتنظيم منظمة بعنوان الجهاد؟». فقال: «كنا نأخذ كلمات الإمام الخميني قدس الله نفسه الزكية وبياناته، ونأتي بها على أشرطة الكاسيت ونستمع إليها في المسجد، ومن أفكار الإمام الخميني بدأنا ننشأ، ثم أسسنا منظمة الجهاد».
فكان للمقاومة الإسلامية تأثيرها، وببركتها قامت الحركة الإسلامية الموجودة حاليًا، وهي من بركات المقاومة الإسلامية في إيران، والجمهورية الإسلامية، والمقاومة الإسلامية في لبنان. وهذا كان دورًا من أدوار سماحة السيد حسن نصر الله. وتبعًا لذلك، كانت هناك قضايا بين حركة أمل وحزب الله، وقد حاولنا بمساعدة الإخوة، والحمد لله، أن نصل إلى صلح دائم ومستمر، وإن تم ذلك شيئًا فشيئًا.
لقد استطاع سماحة السيد حسن نصر الله بحكمته وإدارته أن يتعامل مع حركة أمل بشكل أصبحت معه الطائفة الشيعية في لبنان اليوم أقوى مجموعة وأكثرها انسجامًا واتحادًا، بحيث لم يعد هناك أي موجب للخوف على شيعة لبنان. فقد أعطى سماحة السيد حسن القيادة السياسية لنبيه بري، وأبقى القيادة الميدانية للمقاومة لنفسه، وبهذا استطاع أن يرضي جميع الأطراف ويجمعهم.