کیف تحیا شهيداً؟ – الشيخ حسين حريري
کیف تحیا شهيداً؟ –
بمشاركة: الشيخ حسين حريري
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
استضاف منتدى السيدة المعصومة الثقافي بمدينة قم المقدسةضمن برنامجه “الملتقى الأسبوعي” وبتاريخ 29 أكتوبر 2025 استقبل منتدى السيدة المعصومة الثقافي شخصيةً تقدم شهادةً حيّة على وعي وبصيرة أهل الحق وجبهة الممانعة في الحرب الأخيرة، فهو جريح حرب وأخ شهيد ووالد شهيد قدمهم في سبيل الله وعلى طريق القدس، فهو الشاهد والشهيد الحي على التضحية والمقاومة، مقدمًا نموذجًا متكاملًا للرجل الذي صدق ما عاهد الله عليه علمًا وعملًا وتضحية، ومتحدثا تحت عنوان “كيف أحيا شهيدا”هو سماحة الشيخ حسين حريري ووالد الشيخ مجتبى حريري.
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على محمدٍ وآله الطاهرين.
هوية الانتماء
بدأ سماحة الشيخ بالتركيز على محورية القدوة المعصومة المتمثلة في رسول الله محمد وآله الطاهرين، فهم قادة هذه المسيرة والانموذج الأعلى لنا والقدوة الأسمى في طريقنا، وما عظمة أمثال الإمام الخميني الراحل والإمام القائد الخامنئي والسيد الشهيد الأسمى والسيد الهاشمي إلا باعتبارهم نماذج قيادية من تربية مدرسة آل البيت الكرام عليهم السلام، ولذا نجد صفة التواضع من أبرز صفاتهم كما كانت صفة الأئمة الأطهار الذين تجسدوا قيم السماء والدين الإلهي في كل حياتهم.
حديث ذكريات التحصيل
ثم توقف مع بعض الذكريات الخاصة به وهو طالب في أروقة مدينة قم المقدسة قائلا: (بين الحرم والحوزة تتقاطع الدروب التي مشيناها مع وجوه عرفناها يومًا ووجوه فرقتنا عنها الحياة لكن جمعتنا أواصر أواصر لا تفك بالعمر ولا بالبعد اللقاء بهم يشبه عودة الربيع إلى بستان طال انتظاره المعطر، يعيدك إلى زمن صاف من الشباب إلى المشيب من البدايات التي كانت حالمة إلى اللحظات التي ترى أو نرى فيها مرور الأيام بوضوح مؤلم وجميل في آن واحد في آن واحد نضحك و ونحن نعدد نعدد التغيرات نضحك ونحن نعدد التغيرات فينا ونتصالح سرًا مع المرآة التي تستوضحنا فقد تركت الأيام على وجوهنا وشومًا من حكاياتها وصرنا نرى في كل تجعيدة سطرًا من قصة طويلة وفي كل خفقة من القلب بقايا شوق لا يذبل ثم نستند ثم تستند الروح إلى سنديانة العمر تستظل بظلها وتروي الحكاية كاملة، نضحك هنا على موقف قديم، ونبكي هناك على غائب لا يعود لكنك في النهاية تشعر أن السلسلة لم تنقطع فما بدأناه نحن سيكمله الأبناء ويحمله الأحفاد من بعيد).
ضرورة الاستفادة من علماء قم المقدسة
ثم خاطب المشتغلين بالتحصيل العلمي في هذه البلدة الطيبة بالقول: (في قم أوتاد وهم من طينة الراسخين في العلم، تجلس إليهم فإذا نظرت إليهم زادوك تفكرًا من غير حرف، وإن نطقوا فاضوا معرفة وعلمًا، وأعجب ما فيهم ذلك السكون الذي يوحي بالطمأنينة كأنك تعاين النفوس المطمئنة، لا يكثرون الكلام ولكن أثر كلماتهم في القلوب كالصعق وأنت الواقف عند أعتابهم تنتظر جذبة قول أو فعل لتتمسك بها عسى أن تقترب من الكمالات، لا يقيمون وزنًا لحيثياتهم في صخب التنافس العلمي، ففي العبارات التي تنساب منهم كنز ثمين يغتني من ظفر بجملة واحدة من أحدهم.
قال أحدهم كلمة حفرت في وجداني عميقًا حيث كنا في محضره فقلت له: ادع لي.
فقال: أنا من رأسي إلى أخمص قدمي أحوج لدعائكم!)
فعندما تستمع لهؤلاء العلماء بهذا التواضع تطمئن إلى أن التشيع بخير بوجودهم رغم الخسارات التي تعترض مسيرته إلا أن حركته لا تتوقف.
أما كيف تحيا شهيدًا وأنا في هذا المقام أب لشهيد ليس من أجل التفاخر ولا من أجل التملق ولا من أجل أن آخذ شطرًا من المديح والثناء وإنما لأوصل رسالة لأمتنا الإسلامية جميعًا التي عاشت معنا التضحيات الجسام بكت معنا أحزاننا وتألمت معنا آلامنا وبكت على سيدنا ذلك البكاء المرير، الذي يصدق عليه بكاء الأوفياء الذين فقدوا أعز ما كان لديهم من قوة من تمثيل لمدرسة النبوة والإمامة في زماننا.
عندما ترى مدرسة الاستكبار العالمي التي يمثلها ترامب وأقرانه وأتباعه في هذا العالم، فيكون التوحيد العملي محل تشكيك عند كثير من أهل التوحيد، عندما ترى أن ترامب يضع العالم بين قوته الشخصية أو قواه وما يملك من قدرة وقوة وبينما نعتقد بأن الله على كل شيء قدير.
عندما يساور الإنسان الشك أو التردد في هذه المسألة عليه أن يراجع قضية التوحيد العملي، فأنه عندما يسلم أمره لله سبحانه وتعالى وتكون النتيجة شهادة حمراء ويكون الرضا بها، يكون الجلوس على هذا المنبر هو في مقام إيصال الرسالة أو أنك في مقام كونك أمين على وصية لا بد أن توصلها للأمة.
“الشهيد مجتبى” هو واحد أو فرد من أفراد هذه الأمة التي استطاع بشهادته أن يلفت انتباهنا إلى مقولة قالها الإمام الخميني يومًا: نحن نفخر بأن الإسلام هو الذي صنع هؤلاء الشهداء.
صحيح أنهم ينتسبون إلى إلينا نسبًا ولكن هذه الصناعة الإلهية – أن تصنع على عين الله سبحانه وتعالى – عندما تنهج نهجًا في الحياة الدنيا تستطيع من خلالها أن من خلال أن تبني بيتًا وأن تبني أسرة وفق المنهج الإلهي لتكون متمثلًا ومتأسيًا بالنبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم وبالأئمة عليهم السلام تستطيع يستطيع أي واحد منا أن يكون لديه مجتباه الذي بالنسبة لي لم يكن مجرد ابن بل هو نموذج لشباب هذه الأمة.
طبعًا هون بمعزل عن الارتباط النسبي الذي يجمعني به يعني كابني يعني ما أراه فيه من حزن لم أخبئه ولم أسره بل بكيت كثيرًا وسأبكي كثيرًا وسأبكي كثيرًا ولا أخشى وإنما أشكو بثي وحزني إلى الله ولكن هذه الدمعة هي دليل إنسانية الإنسان.
سر البكاء على الشهداء
ولكن ما يقف عنده الإنسان ما هو سر البكاء على هؤلاء الشهداء الأعزاء؟
السر يكمن في أنك ترى من خلال هذه الأعمار الخضراء أن يعيش فتى من عمره الصغير إلى عمره الـ الذي أنهاه شهادة 22 سنة أن يكون ما بينهما أعمال وعبر صادقة وصالحة تنفع في أنك تقف عندها مليًا وتفكر لتجد أن المنشأ لهذه التعاليم وهذه الأخلاق وهذه السيرة هو قيم الإسلام العظيمة التي تحدث بها الأنبياء وكان خاتمهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
تحيا شهيدًا يعني أن تعيش وفق المنهج الإلهي وفق المنهج ما يريده الله سبحانه وتعالى من الإنسان كخليفة له في هذه الأرض يعني كيف يستطيع الإنسان أن يشذب وأن يهذب نفسه وأن يتكامل.
أن تكون شهيدًا يعني عندما يصل الإنسان في حياته أن يتأسس بالمنهج الإلهي لا بد أن يختم الله سبحانه وتعالى له بمرتبة عظيمة وليس من مرتبة أعلى من مرتبة الشهادة.
بداية الحكاية من مشهد الرضا “عليه السلام”
القصة تبدأ مع مجتبى هي أنه في عندما كنا في قم المقدسة في تلك السنوات كان لدي ثلاث أولاد يعني كان عندي ثلاث أولاد بنتان وصبي وخمس سنوات لم يرزقنا الله تعالى ولدًا، ذهبت إلى حرم الإمام الرضا عليه السلام ووقفت عند ضريح الإمام الرضا عليه السلام وقلت: “يا إمام رضا أريد ولدًا صالحًا وإذا مش صالح ما بدي إياه بالتعبير اللبناني إذا مش صالح هذا الولد ما بدي إياه”.
بعدها منّ الله سبحانه وتعالى علينا بولدي مجتبى.
ومن سنواته الأولى من نعومة أظافره كنت أنا آخذه معي إلى الدرس.
وقضى أيامه بين المسجد والحسينية والجبانة روضة الشهداء، فقد كان مثلًا في دعاء الندبة أول الحاضرين بالمنطقة.
عادة أنت بتقدم ابنك على المنهج الإلهي وتطلقه في الحياة من أجل أن يتخذ الموقف المناسب مع القيم التي ينتمي إليها، وقد نجح في هذه المهمة بحمد الله.
من الشواهد المؤثرة في حياة الشهيد مجتبى والتي تعكس تربية إسلامية صالحة هو تعامله مع عامل النظافة ومساعدته في تسديد أجارات منزله، ومع الموظف بنغالي الجنسية عنده في محل الخضار الذي افتتحه للارتزاق منه حتى أن هذا العامل بكى على فقد الشهيد كما بكينا ما يعكس مستوى الاحترام الذي كان يعامله به الشهيد.
ومنها علاقته بأمه في البيت وتقبيله يدها بشكل يومي، وعلاقاته مع باقي أفراد الأسرة بحيث بمجرد عودته إلى البيت تعم أجواء من الفرح والمرح والنشاط في أرجاء بيتنا، وهذا ما يجعل التعلق بهذه الشخصية قويا مني كأب ومن بقية أفراد العائلة.
من الشعور الجميل أن يكون لديك أسرة مؤمنة وأن يكون لديك ولد صالح، الولد الصالح هو من النعم الإلهية الكبيرة التي يستطيع أي فرد منا أن يدركها بحيث يشعر بأنه السند الذي يرتكز عليه وتعتمد عليه، وإذا غبت عنه يؤدي ما أوكلته إليه على أكمل وجه وبأمانة بالغة.
قصة الشهادة
المدرسة الفكرية التي ننتمي إليها أو التكليف الأول للإنسان في هذه الحياة الدنيا هو عمارة الأرض عمارة الأرض، هو الشيء الأساسي الشهادة ليست هدفا بحد ذاتها، وإنما الشهادة هي اجتباء إلهي واصطفاء إلهي نتيجة الأعمال أو مراتب القرب التي يرتقي إليها الإنسان بالأعمال التي يقوم بها سواء بالأعمال العبادية أو بالصدقات أو ببر الوالدين يعني أثر من الآثار التي يترتب عليها هذا المقام الإلهي هي هذه الأعمال العبادية.
قبل الحرب بأيام طلب مجتبى مني استخارة فكانت جيدة، وإذا به يقول أريد زيارة الإمام الرضا “عليه السلام” وقررنا أنا ووالدته وأخته الذهاب معا، وفعلا توجهنا لزيارة الإمام الضامن وفي أول ليلة بقي بالحرم من المغرب إلى بعد صلاة الصبح وفي الليلة الثانية قد تقدمت قبله للحرم، وفي الحرم التقيت معه حاملا كيسا فسألته ماذا تحمل فقال: “ولا شيء” ثم تبين أنه كان قد اشترى كفناً وهناك طلب من الإمام الرضا التوفيق للشهادة وبعد رجوعنا تحققت أمنيته في يوم الجمعة بعد أن أصر على الاغتسال يوم الجمعة، وقد كانت شهادته أمام ناظري حيث أصبنا بصاروخ قد وقع بيننا نحن الاثنين وتسبب بإعاقتي في رجلي، وبشهادته حيث استقرت شظية الصاروخ في نحر مجتبى فأطبق جفنيه عن هذه الدنيا وهو في حالة ذكره وورده ” يا لطيف ويا رؤوف”.
وكان آخر ما كتبه الشهيد على إثر وصول خبر شهادة أحد أصدقائه الأعزاء هو “الله يختم لنا بخير” وكان الخير الكثير قد رزقه الله إذ رزقه الشهادة بعدها.
هكذا تكون الشهادة بين الغبار والدماء هكذا ألقى ربي كما قال سيد الشهداء عليه السلام مدرجا بدمي.
هذه مسيرة ولد صالح جاء إلى الدنيا ببركة الإمام الرضا وخرج منها بأعلى وسام وهو الشهادة ببركة الإمام الرضا أيضا، وما بينهما كان مجموعة كبيرة من الصفات التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الثابتين في هذا المقام وأن نكمل هذا المسير إن شاء الله تعالى.
بيان النعي والفخر
أما بيان النعي فقد كان رسالة عيد ميلاده العشرين وقد قلت فيه مخاطبا ولدي:
(أنا يتيمك يا بني ولا ينقضي حزني عليك وإن مضى عمري، أنا الآن عاشق الموت لألقاك فلا يكون بيننا فراق، أتذكر يا حبيبي كيف كنت تتبعني في كل شيء، ولا تسبقني تأدبا، وكم لثمت كفي بحب حتى ملكتُ الكون لأنك عضدي، وكم سجدت لله شكرا على برك بنا جميعا، وكأنك الوالدين معا كتبت لك وأنت تودع العشرين أن تبدع في رسم المشهد الأخير، ولكن لم أطلب أن تسرع بالمسير، نبكي ولا ننكسر ولو قتلنا جميعا.
مجتبى 20 ربيعا وأنت ربيعنا الذي لا ينقطع بالفصول، شمسك مشرقة تستيقظ معها الحياة بصلاتك وصوتك وصدى ضحكتك يسبقك لأرى وجهك الباسم فأبتسم.
يا بني لا تزال طفلي المدلل وصغيري الذي أخشى عليه من نسمة بيننا، بيننا العمر يا أبي فيه من الحب الكثير ومن الدمع الوفير وهو علامة المتراحين، ربيتك صغيرا وأفخر بك كبيرا بأدبك وبرّك وأعلم أن دروب الكمالات محفوفة بالبلاء، وأعلم أننا سنعبر يوما فلا تغفل لتكون من الذاكرين.
هو عام جديد عليك أن ترسمه عليك أن ترسمه بريشة المبدعين لتبقى جميلا بروحك كصورتك الجميلة، هنيئا هذه الشهادة الحمراء).
ثم وجدنا في وصيته وبخط يده أن يلف بعلم حزب الله ويرفرف علم الجمهورية الإسلامية في موكب تشييعه؛ لأن الجمهورية الإسلامية المباركة كما وصفها الإمام وكما وصفها الحاج قاسم سليماني هي معسكر الإمام الحسين عليه السلام، ليؤكد في لحظظة مصيرية بصيرة الانقياد ووضوح الرؤية في الوقت الذي صار يكرر العالم كل العالم أن إيران باعتنا وإيران عملت وتخلت عنا، بينما كان هو يراها هي معسكر الإمام الحسين سواء استشهدنا نحن أو استشهد من في الجمهورية الإسلامية، فنحن والجمهورية الإسلامية في طريق واحد هو معسكر الإمام الحسين عليه السلام وسنبقى إن شاء الله بحق محمد وآل محمد.