أمهات الذنوب
أمهات الذنوب
بمشاركة: سماحة الشيخ عبدالله الدقاق.
التغطية المصورة:
التغطية المكتوبة:
-
محاضرة علمية بعنوان “أمهات الذنوب”
-
مع سماحة الشيخ عبدالله الدقاق.
-
التاريخ: الخميس 26 فبراير 2026 الموافق 8 رمضان 1447 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين. اللهم كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه وعلى آبائه، في هذه الساعة وفي كل ساعة، ولياً وحافظاً وقائداً وناصراً ودليلاً وعيناً حتى تسكنه أرضك طوعاً وتمتعه فيها طويلاً، برحمتك يا أرحم الراحين.
الحديث عن أمهات الذنوب والشهوات. إنَّ الذنوب كثيرة، والشهوات كثيرة، ولكن بعض الشهوات بمثابة الأم التي تتفرع عليها الشهوات الأخرى، وبعض الذنوب بمثابة الأم التي تلد وتنتج الأجيال، فكذلك بعض الذنوب تولّد ذنوباً أخرى، فهي ذنوب أصلية، وأصول للذنوب والشهوات.
أمهات الشهوات: المال والنساء والجاه
فما هي الشهوات الأم؟ وما هي الذنوب الأم؟ نقتصر على بيان ثلاثة من كل قسم، فيكون المجموع ستة: ثلاثة ذنوب تشكل أمهات الذنوب، وثلاث شهوات تشكل أمهات الشهوات.
أما أمهات الشهوات فهي ثلاثة: حب المال، وحب النساء، وحب الجاه. إنَّ أكثر شهوات الإنسان، وأكثر مشاكله وخلافاته، تدور حول المال الذي يغيّر النفوس، أو الجاه والمقام، أو النساء.
أذكر يوماً من الأيام دُعينا إلى طعام في بيروت، بجوار المطار، والطائرات تقلع وتهبط. تأملت فيمن كان معي على المائدة، وكانوا ثلاثة، انتقل اثنان منهم إلى رحمة الله وبقي واحد، فتأملت في وجوههم وكدت أن أضحك، لكنني أمسكت ضحكتي فظهرت على هيئة بسمة. هؤلاء الثلاثة، قد رزق الله كل واحد منهم شيئاً؛ فأحدهم كان الله قد رزقه النساء، فما يذهب مكاناً إلا وتُعرض عليه، وأي بلد يذهب إليه تخطبه النساء، فقلت: هذا رزقه نساء. والثاني، تأملت في وجهه وهو يأكل، (رحمه الله)، فكان الله قد رزقه مالاً، فأي بلد يسافر إليه يُعطى فيه الأموال، ويُقال له: هذه قطعة الأرض هدية إليك، فرزقه الله مالاً وفيراً. أما الثالث، فقد رزقه الله المناصب، ينام ويستيقظ صباحاً فيجد في هاتفه رسالة: “تم تعيينك في المنصب الفلاني، وفي المقام الفلاني”.
فهذه أرزاق؛ واحد رُزق مالاً، وآخر رُزق منصباً، وثالث رُزق نساءً.
والسؤال: أيهما أخطر وأقوى؟ إنَّ من كان عنده مال ليس بالضرورة يستطيع أن يجلب جاهًا، ومن كان عنده نساء ليس بالضرورة يستطيع أن يجلب جاهًا ومقاماً، لكن من كان عنده منصب فإنه يأتي بالأموال والنساء.
إذًا أمهات الشهوات ثلاثة: – أولاً: حب المال. وقد قيل: رأيتُ الناسَ قد مالوا إلى مَن عندَهُ مالُ ومَن لا عندَهُ مالٌ فعنهُ الناسُ قد مالوا وسُمي المال مالاً لميل القلوب إليه. – ثانياً: حب النساء. وهذه الغريزة التي ينبغي أن توضع ضمن حد الاعتدال من دون إفراط ولا تفريط. – ثالثاً: المقام والجاه.
وقد صدرنا الكلمة بالآية الكريمة: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (آل عمران: 14)، فأول شهوة ذكرها هي شهوة النساء، ثم قال: ﴿وَالْبَنِينَ﴾ (آل عمران: 14) أي حب الأولاد، وهذا من شهوات الدنيا، فأكثر ما يغري الناس أموالهم وأولادهم. ثم قال تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (آل عمران: 14)، والقناطير جمع قنطار، وهو مقياس في المال.
والسؤال: أيهما أخطر هذه الشهوات؟ المال أم الجاه أم النساء؟ جوابنا بلا تردد، إنَّ أقوى هذه الشهوات الثلاث هو حب الجاه. يقول سماحة آية الله المجاهد الشيخ محمد مهدي الآصفي[1] (رحمه الله) في كتابه في رحاب أهل البيت (عليهم السلام) ما مضمونه: أعرف أحد عباد الله الصالحين، وكان يقول: أمهات الشهوات ثلاث: المال والنساء والجاه. أما المال فقد روّضت نفسي من صغري على عدم حبه، فلم يعد يجذبني. وأما النساء فقد بلغت من الكبر عتيّاً، فلم تعد تغريني.
فإن قيل: إنَّ هذه قصة أو خاطرة لا تشكل دليلاً. قلنا: خذ الدليل من معدن الحقيقة، عن سيدنا ومولانا الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: «آخِرُ مَا يَخْرُجُ مِنْ قُلُوبِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الرِّئَاسَةِ».[2] فالصديقون هم في درجة رفيعة من الإيمان، وآخر ما يخرج من قلوبهم هو حب الرئاسة، فحب الرئاسة والجاه خطير جداً.
وقد خرج أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات يوم، فمشى خلفه جماعة، فالتفت إليهم وقال: «أَلَكُمْ حَاجَةٌ؟» قالوا: لا، قال: «فَانْصَرِفُوا، فَإِنَّ مَشْيَ الْمَاشِي خَلْفَ الرَّاكِبِ مَفْسَدَةٌ لِلرَّاكِبِ وَمَذَلَّةٌ لِلْمَاشِي».[3]
أمهات الذنوب: الحرص والكبر والحسد
إلى هنا انتهينا من المقطع الأول وهو بيان أمهات الشهوات الثلاث: حب المال، وحب النساء، وحب الجاه، واتضح أن أقواها على الإطلاق هو حب الجاه. وإذا اتضح هذا، ننطلق إلى النقطة الثانية.
النقطة الثانية: في بيان أمهات الذنوب. هناك ثلاثة ذنوب تتفرع عنها أكثر ذنوب الناس، وهي أقدم الآفات التي حصلت للإنسان منذ أن خلق الله آدم (عليه السلام).
والجواب: هي ثلاثة حسب الترتيب: – الحرص. – الكبر. – الحسد.
فأول من حرص هو آدم (عليه السلام)، إذ حرص هو وحواء على أن يأكلا من الشجرة. وأول من تكبر هو إبليس، إذ قال مقارناً نفسه بأبينا آدم (عليه السلام): ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ (الأعراف: 12). وأول من حسد هو قابيل، إذ حسد أخاه هابيل فقتله.
والسؤال الآن: ما هو منشأ حرص آدم؟ وما هو منشأ كبر إبليس؟ وما هو منشأ حسد قابيل؟ لنتأمل فيها واحدة واحدة: – أولاً: لماذا حرص آدم (عليه السلام) على الأكل من الشجرة؟ لأن إبليس أغواه وقال له إن من يأكل من هذه الشجرة يخلد ولا يخرج من الجنة. فالمنشأ هو حب الخلود والبقاء في ذلك المقام. – ثانياً: لماذا تكبر إبليس على آدم؟ لأن الله أعطى آدم مقاماً سامياً بحيث أمر الملائكة أن يسجدوا له، فقال إبليس: كيف أسجد له وأنا مقامي أرفع من مقامه؟ فمنشأ كبر إبليس هو الجاه والمقام. – ثالثاً: لماذا حسد قابيل هابيل فقتله؟ لأنهما قدّما قرباناً ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ (المائدة: 27). فمنشأ القتل والحسد هو تفضيل مقام أحدهما على الآخر.
والحاصل: أننا انتهينا من بيان أمهات الشهوات الثلاث وهي حب المال والنساء والجاه، واتضح أن أقواها هو حب الجاه. واتضح في النقطة الثانية أن أمهات الذنوب ثلاث، وهي الحرص والكبر والحسد. وأن منشأ هذه الذنوب الثلاثة واحد، وهو حب الدنيا، الذي هو كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ».[4] فالتعلق بالدنيا يوجب التكبر، والتعلق بالدنيا يوجب الحسد، والتعلق بالدنيا يوجب الحرص.
فذلكة مهمة: أكثر الناس مبتلون بذنبين: إما الكبر وإما الحسد. – فالكبر يبتلى به من أنعم الله عليه؛ فهذه فتاة جميلة يصيبها الغرور والاعتداد بالنفس والخيلاء. وهذا رجل عنده مال وفير يمشي رافعاً أنفه ورأسه. وذاك صاحب منصب يترفّع على الناس. فراقب نفسك كل لحظة لئلا يصيبك غرور واعتداد بالنفس وخيلاء وكبر وعُجْب. – والحسد يبتلى به من حُرم النعمة؛ فهذا فقير يرى غنيّاً يتقلب في النعيم فيحسده ويتمنى زوال نعمته. وذاك بلغ من العمر عتيّاً ولم يتزوج، فيرى من تزوج بأربع نساء فيتألم ويتمنى له السوء. وآخر لم يرزق ولداً، فيرى من رزقه الله قبيلة من الأولاد، فيقع في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النساء: 54).
لذلك، فليلتفت المؤمن إلى نعم الله عليه، فلا توجب له غروراً وتكبراً، وإلى ما حُرم منه، فلا يوجب له حسداً للآخرين وتمني زوال نعمتهم.
**
توصيات عملية: كيف تحمي نفسك وغيرك؟
ونختم بهذه التوصية: – أولاً:** بالنسبة إلى نفسك، التفت إلى مناشئ التكبر والحسد فاجتنبها. – ثانياً: بالنسبة إلى غيرك، حافظ عليه ولا تثر في قلبه مناشئ التكبر والحسد.
ومثال ذلك: قد يكون الرجل متواضعاً لا يرى لنفسه فضلاً، مع ما عنده من أموال وعقارات ومناصب، لكن الحاشية التي حوله تبالغ في مدحه والنفخ فيه، فيوقعونه في العُجْب والتكبر والأنانية والخيلاء.
وأحياناً قد تكون سبباً في إيقاع غيرك في الحسد. كأن تكون طالباً ذكيّاً، وصديقك أقل منك ذكاءً، فتتعمد أن تطرح أمامه مسائل علمية دقيقة لتحرجه أمام الآخرين، أو تتحدث دائماً بالنعم التي أنعم الله بها عليك، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى: 11). صحيح أن الآية تأمر بالتحديث بالنعمة، لكنها لم تأمر بإغاظة الغير. فتأتي وتتكلم عن مناصبك وأموالك وإمكاناتك، فيقول السامع في نفسه: “كيف يحصل هو على هذا وأنا لا أحصل؟” فيقع في الحسد.
أحياناً تلوم الناس على حسدهم، ولكن قد يكون لك حصة في إيقاعهم فيه. أنت الذي أوقعتهم في الحسد بإظهار نعمك أمام ضعفاء الإيمان، وهذا غير صحيح.
مثلاً: هذا رجل من السابقين والمجاهدين قدم تضحيات، ثم جار عليه الدهر، فأصبح لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، يعيش في غربة وتشتت. وأنت تتكلم أمامه بكل أريحية: “الحمد لله، لقد منَّ الله علينا بالمناصب والأموال والنفوذ، بحيث إننا نشير إشارة فينفذ ما نقول”. لماذا تقول هذا الكلام أمامه؟ إنك بذلك تغيظ صدره.
وأمام الناس، احذر أن تظهر كل ما عندك حتى لا يصيبونك بالعين. فقد جاء في الرواية عن سيدنا ونبينا أبي القاسم محمد (صلى الله عليه وآله): «إِنَّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرَّجُلَ الْقَبْرَ، وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ».[5]
تنبيه: هناك فرق بين العين والحسد؛ فالعين قد تكون من مُحب، بينما الحسد لا يكون إلا من مُبغض. كانت هناك فتاة جميلة جداً، وقيل لها إنها لن تتزوج إلا بعد موت…
بعد مدة ماتت أمها، ولما ماتت الأم تزوجت، فاتضح أن الأم ضربتها عيناً، فالأم تقول: ابنتي حلوة، حرام ألا تستحق الزواج، وهذه عين محب.
توصية: يتحصل مما سبق التوصية بأمرين: أولاً: أن يجتنب الإنسان بواعث الكبر والحسد؛ فإذا أنعم الله عليه بنعمة فهو عُرضة للغرور والعجب والخيلاء والاعتداد بالنفس، وإذا حرمه الله من نعمة فهو عُرضة للحسد. وللحسود علامات كثيرة، منها أنه يثني عليك في وجهك ويغتابك في غيابك، وإذا ذُكرت أمامه بخير تغير وجهه، فالحسود لا يسود. ثانياً: ألا يوقع غيره في مناشئ الكبر والحسد.
ومما يجدر التنبيه عليه أمور خفيّة هي الأهم، وتحتاج إلى محاضرة مستقلة، وهي مكامن النفس ودسائسها. فقد يتوهم الإنسان أنه متواضع وهو لم يختبر نفسه بعد، فيأتيه خبر أن فلاناً عمل كذا وكذا، فيقول في نفسه: أنا لو كنت مكانه لما فعلتها، مستحيل أن أفعلها، أمجنون أنا لأفعلها؟ ومن أين لك أن تضمن أنك لو كنت في موضعه لما فعلت مثل فعله؟ إن منشأ هذا القول هو حب النفس والاعتداد بها والغرور.
والصواب أن يقول: أسأل الله ألا يبتليني بهذا الموقف، وإذا ابتلاني فأسأله العصمة والثبات. ومن علامات حب النفس والغرور أيضاً أن يقول الإنسان: لماذا يؤذيني الناس؟ وأنا لا أتذكر في حياتي يوماً آذيت أحداً، وما ظلمت أحداً. يا هذا، كم عمرك الآن؟ وهل تستطيع أن تسترجع شريط أيام حياتك كلها؟ وهل تضمن أنك طوال عمرك منذ بلوغك إلى الآن ما آذيت أحداً ولو من غير قصد؟ وهل لك أن تضمن أنك لم تؤذِ أحداً؟ أصلح نفسك أولاً.
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمُ تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيمُ ابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ فهناك يُسمع ما تقول ويُشتفى بالقول منك وينفع التعليمُ[6]
والصحيح هو ما أرشد إليه القرآن الكريم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [النجم: 32]. فلا تقل: أنا ما ظلمت، ولا تقل: أنا ما أسأت، ولا تقل: أنا ما آذيت؛ بل قل: أسأل الله أن يغفر لي زلاتي، وأسأل الله أن يتجاوز عن ذنوبي، وأسأل الله أن يلطف بي، وأسأل الله أن يحرسني وألا يوقعني في المعصية والخطأ.
فإذا اختلفت مع شخص أو جهة، إياك أن تقول: أنا ما آذيتهم، أنا ما ظلمتهم؛ فلعلك فعلت ذلك حقاً، ولكن هذا القول يصير مدخلاً من مداخل إبليس والشيطان. فيأتيك ليقول: هم ظلموك، هم آذوك، هم اعتدوا عليك، وأنت لم تؤذِ أحداً ولم تظلم أحداً. فلو صح أنهم ظلموك، فذنبهم على أنفسهم، ولكن هنا يكمن مدخل إبليس ليخدعك، ويجعلك تردد: أنا ما ظلمت أحداً. ومن قال إنك لم تظلم أحداً؟ أنّى لك أن تجزم بذلك؟ لو أُعيد إليك شريط حياتك بالكامل، هل تستطيع أن تجزم وتقسم على القرآن أنك طوال حياتك ما ظلمت أحداً وما آذيت أحداً ولو عن غير قصد؟ إنك لا تستطيع. فإذا أردت أن تربي نفسك، فقل: الله يغفر لهم إن آذوني.
وهذا هو مسلك الشيخ الأنصاري[7] (رحمه الله)، وهو الشيخ الأعظم الذي لم يجتمع العلم والورع في رجل كما اجتمعا فيه، حيث قال في نهاية بحث الغيبة من كتابه: “اللهم اغفر لمن اغتابنا، واغفر لمن اغتبناه”[8]. فلتكن تربية النفس على هذا المنوال، فتقول: الله يغفر لهم ويغفر لنا.
السؤال: ما هي موقعية الدعاء في مثل هذا الأمر بأكمله؟ الجواب: أن الدعاء يوجب السداد، ويوجب الالتفات إلى مكامن النفس ومكائد إبليس، كما يوجب القرب من الله والبعد عن الشياطين. فكلما واظب الإنسان على الدعاء بإقبال، أقبل الله عليه وهداه وأنار له الدرب والطريق؛ لأن في الدعاء ذكراً لله وتنبيهاً للنفس الأمّارة بالسوء إلى مكامن الشيطان. فبالإكثار من الدعاء والإقبال على الله، يلتفت الإنسان إلى الكثير من مكائد إبليس. لذلك، يُنصح بالمواظبة على الأدعية والزيارات وقراءة الكتب الأخلاقية التي تشير إلى مكامن النفس.
وكما يقول الإمام الخميني[9] (رحمه الله) في الحديث الأول من كتابه “الأربعون حديثاً”: إن مكامن النفس بالغة الدقة[10]. فالأمور التي توقع الإنسان في حبائل نفسه دقيقة جداً. مثال ذلك: أن يطالع المرء صوراً لجماعة من العلماء، فيبحث عن صورته قائلاً: أين صورتي؟ هل هي موجودة؟ وأين وضعوها؟ في الأعلى أم في الأسفل؟ يميناً أم يساراً؟ فليعلم أن إبليس قد خدعه.
ومن مكامن النفس أيضاً أن يتحدث المرء عن نفسه بالخير وعن الآخرين بالسوء، فيكون هو البطل دائماً في كل حكاية يرويها. فإن تحدث عن مناظرة، فهو الغالب؛ وإن تحدث عن مشروع، فهو الفائز. ودائماً حينما يتحدث عن نفسه ويذكر الآخرين، يذكر أنهم أشادوا به، وأشاروا إليه، وقدّموا كلامه ورأيه، وخضعوا له. مع أنه قد يكون في مقام العمل متواضعاً يحمل النعال ويقدمها لك، وفي مقام التعامل متواضعاً جداً، لكنه في قرارة نفسه يرى نفسه شيئاً كبيراً، فيتحدث عن نفسه دائماً بصفته المنتصر.
فإن قيل: إن أي ملك أو شخص يحتاج إلى صاحب المال، فالمال يأتي بالسلطة والنساء، ولكن الجاه له سطوة لا تضاهيها سطوة. الجواب النقضي الإسكاتي: إن شخصية مثل “ترامب”، وهو تاجر، لماذا رشح نفسه للرئاسة؟ وشخصية مثل “إيلون ماسك”، وهو من أغنى رجال العالم، لماذا يهتم بالشأن السياسي والرئاسي؟ إذن، الرئاسة أعظم.
صحيح أن هناك قاعدة في التاريخ تقول: “قلّ أن يسود فقير”، مع أنه قد ساد أبو طالب وهو فقير. فالمال والوجاهة يوجبان السيادة، لكنهما لا يجلبان السيادة المطلقة، وتبقى للجاه خصوصيته. ومثال ذلك: رؤساء البلد وتجارها، لماذا ينحنون لعالم فقير، لكن هذا العالم له كلمة مسموعة عند الجماهير؟ هذا العالم لا يملك مالاً، لكن عنده جاه وسلطة وكلمة مسموعة. ومن هنا ورد: “الملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على الملوك”. فالملوك عندهم الخزائن والأموال، لكن هذا العالم بوجاهته المعنوية تفوق وجاهته وجاهة صاحب المال.
ومن لطائف علم الإدارة، أن كثيراً من الناس يعتقدون أن الأموال هي التي تجلب الخيل والرجال، ولكن الصحيح أن الرجال هم الذين يجلبون الخيل والمال. جئني برجال أجلب لك المال والخيل والإمكانات؛ لأنه إذا قويت إرادة الرجال، استخرجوا الأموال والإمكانات. ولكن مع ضعف الإرادة، تتبدد الأموال. واليوم، أمريكا تواجه الجمهورية الإسلامية في إيران، فأيهما أكثر مالاً وأقوى سلاحاً؟ أمريكا. لكن إيران أقوى إرادةً، لأن إرادتهم متصلة بالله ومتصلة بالإمام الحجة (عليه السلام)، فيصيرون أقوى وجاهةً، وإن كانت أمريكا أقوى مالاً وسلاحاً. فإيران أقوى جاهاً؛ لأن عندها جاه المادة وجاه المعنى.
وهذا المعنى حاضر في المناظرة المروية بين الإمام الكاظم (عليه السلام) والخليفة هارون الرشيد، حيث قال له: “أنت إمام الأبدان وأنا إمام الأرواح”. ومع ذلك، يجب أن نلحظ أن نفسيات الإنسان متغيرة، فليس هناك سلطان مطلق لأحد هذه الثلاثة (المال والنساء والجاه) كمفهوم محايد، وإنما يتجلى سلطان أحدها في النفس بحسب ما يستشعر فيه الإنسان كماله. فإذا شعر بكماله في النساء، تجده ينغمس في هذا الباب.
ويتفرع على ذلك أن أكثر الناس لا يختلفون في القواعد العامة الكلية، وإنما يقع اختلافهم في التفاصيل والتطبيقات الجزئية. فأكثر الناس يذمون الكبر والحرص والحسد كمبادئ كلية، لكنهم يختلفون في الصغريات والتطبيقات. فيقال له: هذا الفعل كبر، فيجيب: ليس هذا كبراً، بل هو من باب إظهار العزة. ويقال له: هذا حسد، فيقول: ليس بحسد، بل هو غبطة وتمني الوصول إلى مقام الغير.
والحاصل: أن كل الناس يسعون نحو الكمال، فهذه قاعدة كلية مسلمة عند الجميع. ولكنهم يختلفون في مصداق الكمال. فما هو الكمال؟ هل هو النساء؟ أم المال؟ أم الجاه والسلطان؟ أم القرب إلى الله تبارك وتعالى؟ النتيجة: أن الناس يتفقون على الكبرى، وهي “حب الكمال”، ويختلفون في الصغرى، وهي “مصاديق الكمال وتطبيقاته”. فأنت ترى كمالك في التديّن، وغيرك يرى هذا تحجراً وتخلفاً وليس بكمال. وهو يرى كماله في الملذات والنساء والخمور، قائلاً: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [المؤمنون: 37]، وهذا هو كمالي. فإذا قلت له: خسئت، هذا ليس بكمال. إذن، الناس يتفقون في الكبرى والقاعدة العامة، ويختلفون في الصغريات، وفي هذه الصغريات يحتاجون إلى الهادي والنبي والإمام والفقيه الجامع للشرائط، لكي يهديهم ويأخذ بأيديهم.
فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: 14]، من هو فاعل “زيّن”؟ قلنا: لم يذكر الفاعل في الآية، ولعل السر في ذلك هو تعدد الفاعل وتعدد المُغريات، كما ورد في الشعر: > إبليس والدنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلهم أعدائي فحب النساء والأموال والبنين قد يكون منشؤه إبليس، وقد يكون منشؤه هوى النفس، وقد يكون منشؤه حب الدنيا.
وهذا جواب على إشكال معروف وهو: إذا كانت الشياطين مغلولة في شهر رمضان، فلماذا نرى المعاصي تكثر فيه، من حانات الخمور والملاهي الليلية وحفلات الرقص والغناء، مع أن الشياطين مغلولة كما ورد في خطبة النبي (صلى الله عليه وآله) في استقبال شهر رمضان؟ والجواب: أن المغلول هو شيطان الجن (إبليس وأعوانه) فقط، لكن لم ينتفِ إغراء الدنيا، ولم ينتفِ إغراء النفس الأمّارة بالسوء.
في خطبة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) وسلم.[11]
والجواب: إنَّ الشياطين فقط مغلولة، فانتفى إغراء إبليس وأعوانه، لكن لم ينتفِ إغراء الدنيا، ولم ينتفِ إغراء النفس. وقد قيل في ذلك: إبليسُ والدنيا ونفسي والهوى ** ** كيف الخلاصُ وكلُّهم أعدائي[12]. ولم يُذكر نائب الفاعل في هذه الآية المباركة، ولعل تعمّد الإبهام فيها إشارة إلى تعدد هذه المناشئ التي توجب الوقوع في حب المال والنساء وغير ذلك.
المراقبة: وصية العارفين وسبيل النجاة
نعم، لأنه صُرِّح به لكن لم يُذكر. وبعد تفصيله في البحث التفسيري، سُئل السيد محمد حسين الطباطبائي[13] (رحمه الله) في أواخر عمره، وهي وصية مسجلة، فقيل له: ما هي نصيحتك؟ نصيحة من كلمة واحدة تكون فيها النجاة؟ فأجاب: “المراقبات، المراقبات”. أي أن تراقب نفسك، وتراقب كلامك، وتراقب تصرفك وسلوكك ونظراتك، هل هي لله أم لغير الله؟
فعندما أتحدث معكم، هل أريد أن أجذبكم لله أم للنفس؟ أنا أُبصر بنفسي ذلك، فقد يتحدث المرء وفي قرارة نفسه يبتغي أن يقول الناس: “هذا عالم، محاضرته قيمة، فلنستمع إليه”. هنا يأتي إبليس ويعمل عليك ويُشغلك. أنت في البداية تكون نيتك لله، وأول ما بدأت إن شاء الله يكون لله، ولكن في الأثناء يدخل إبليس فيُغريك.
لذلك نحتاج إلى ملاحظة حيثية الابتداء والاستمرار، أي الحدوث والبقاء. فأنت في البداية أول ما قرأت القرآن كان لله، فلما أثنى عليك الناس تغيرت نيتك، وصرت تقرأ حتى يُثنوا عليك. ولو أنشأت صندوقاً خيرياً، أو حوزة، أو مؤسسة، أو عملت على تغيير حال الفقراء، فأول ما تبدأ يكون لله، ولكن بعد أن تشتهر، قد تصبح تعمل للشهرة.
فلا بد من ملاحظة العلة المُحدِثة والعلة المُبقِية، [14] أي علة الابتداء وعلة الاستمرار. وهذا صراع بين الإنسان ونفسه وإبليس حتى آخر رمق.
وقد سُئل أحد المراجع مرة: هل أنت على خير؟ فأجاب: “ومن قال؟ ما دامت هذه -وأشار إلى قلبه- لم تخرج من هنا، فأنا لا أضمن أنني على خير”. هذا الأمر يحتاج إلى رقابة دائمة، ومراقبة دائمة.
الآن، أنت تنظر إلى المؤمن، هل تنظر إليه لتُخيفه أم لتسرّه؟ وهل تسرّه لله أم تسرّه لنفسك؟ هذا أمر مهم. يجب أن يلتفت كل واحد إلى نفسه جيداً في كل سكناته وحركاته. أنت أعرضت عن فلان، فهل كان إعراضك عنه لله أم للنفس؟ فبدوام المراقبة يحصل الخلاص.
ويُروى أنَّ الشيخ عباس القمي[15] (رحمه الله) كان يصلي صلاة الظهر جماعة في مسجد “گوهرشاد” في حرم الإمام الرضا (عليه السلام)، فجاء يوماً متأخراً، وسمع الصوت من بعيد، فعرف أن صلاة الجماعة قد امتدت صفوفها إلى آخر المسجد، فترك الصلاة ونفض عباءته وجمعها ومشى. فقيل له: يا شيخنا، أكمل صلاة العصر. فقال: “ما أضمن نفسي، أذهب لأصلي في البيت لله، فهو أحسن لي، لا أرضى أن أصلي هنا”.
إنَّ نفسك ليست صديقك دائماً، فقد ورد: «أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ».[16] ونحن نتعامل مع النفس معاملة المُدلَّل، معاملة الحبيب، معاملة الطبيب، وهذا ما يوقعنا في الأخطاء.
لكن لو افترضنا أنك الآن مطلوب، ومحكوم عليك بالإعدام، وهارب من بلدك، ثم رجعت إلى البلد تهريباً، أو كما يقال بالفارسية والعراقية “قاچاق”. إذا كنت تمشي في السوق، ورأيت شخصاً يخرج، ستقول: “لعل هذا جاسوس منهم، يريدون اعتقالي”. كيف ينظر هذا الشخص؟ إنه ينظر إلى كل النظرات على أنها نظرات عدو، أليس كذلك؟ وإذا أتى أحد لينصحك، قد تقول في نفسك: “ربما هذا منهم، هذا من الاستخبارات، يريدون إيقاعي”. فهل نحن نتعامل مع النفس بهذه الحيطة؟
ويُروى أنَّ أحد العرفاء (رحمه الله) خرج من حرم السيدة المعصومة (عليها السلام) في يوم شديد الحر، فرأى بطيخة فلمعت في عينه، فاشتاق أن يأكل بطيخاً بارداً يُبرِّد على قلبه حرارة الجو، فأقسم ألّا يأكل البطيخ. طبعاً هو حلال وليس بحرام، ولكنه قال: “أنا أريد أن أعاقب نفسي، فليس كل ما تريده نفسي أفعله”.
ويقول أحد تلامذته: “دعوتُه على الطعام، فقدمتُ له البطيخ، فلم يأكل. فأصررتُ عليه، فلم يأكل، فقال: أنا لا أريد أن أحنث بقسمي، أنا أريد أن أُربّي نفسي، لقد منعت نفسي من البطيخ، والبطيخ حلال، لكن ليس الغرض خصوصية في البطيخ. أنا لا أريد أن تحدثني نفسي اليوم بالبطيخ، فتكون الرئاسة غداً بطيخة كبيرة تحدثني نفسي بها”.
والعبرة بالعمل لا بالكلام، فحتى المتكلم قد يتكلم ولا يطبق شيئاً. العبرة بالتطبيق، قال تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، ولم يقل: “أحسن قولاً”. ونحن نتمتم بهذا القول، رزقنا الله وإياكم حسن القول والعمل.
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ¤ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ¤ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: 180-182]، وصلَّى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطيبين الطاهرين.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
[1] هو الشيخ محمد مهدي الآصفي (1939-2015م)، من مفكري الإسلام وقيادات العمل الإسلامي في العراق، له مؤلفات عديدة في الفكر والتفسير والأخلاق.
[2] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1983م، ج 70، ص 143.
[3] الحراني، ابن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول (ص). تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404هـ، ص 207. والقول ورد بمعانٍ متقاربة في مصادر أخرى.
[4] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 2، ص 315، باب “حب الدنيا”، ح 1.
[5] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1983م، ج 60، ص 26.
[6] الأبيات منسوبة لأبي الأسود الدؤلي، وقد وردت في مصادر أدبية وتاريخية متعددة. انظر: ابن عبد ربه. العقد الفريد. ط1، دار الكتب العلمية، 1404هـ، ج 2، ص 273.
[7] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (ت 1281هـ)، الملقب بـ”الشيخ الأعظم”، من كبار فقهاء الإمامية ومجدد علم الأصول في القرن الثالث عشر الهجري.
[8] الأنصاري، مرتضى. المكاسب. تحقيق لجنة تراث الشيخ الأعظم، ط1، مجمع الفكر الإسلامي، 1415هـ، ج 1، ص 418.
[9] هو السيد روح الله بن مصطفى الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤلف كتب فقهية وأصولية وعرفانية عديدة.
[10] الخميني، روح الله. الأربعون حديثاً. ط1، دار التعارف للمطبوعات، 1411هـ، ص 5-15 (في شرح الحديث الأول).
[11] يراجع: الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام). تحقيق مهدي اللاجوردي، ط1، نشر جهان، 1378 هـ، ج 1، ص 295، باب “ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من الأخبار في شهر شعبان وفضل شهر رمضان”.
[12] بيت شعر منسوب لعدة شعراء، وشاع في كتب الأخلاق والسلوك من دون عزو محدد، وهو يجمع أصول الأعداء الباطنة والظاهرة للإنسان.
[13] هو العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402هـ)، من كبار فلاسفة ومفسري الشيعة في القرن العشرين، وصاحب التفسير الشهير الميزان في تفسير القرآن.
[14] مصطلحان في الفلسفة وعلم الكلام؛ فالعلة المحدثة هي التي توجد المعلول، والعلة المبقية هي التي تضمن استمراره وبقاءه. والمقصود هنا ضرورة أن تكون النية لله في بداية العمل وفي استمراريته على السواء.
[15] هو الشيخ عباس بن محمد رضا القمي (ت 1359هـ)، من كبار المحدثين في القرن الرابع عشر الهجري، اشتهر بكتابه مفاتيح الجنان الذي يُعد من أكثر الكتب انتشاراً في العالم الشيعي.
[16] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 67، ص 64، باب “مجاهدة النفس وما يناسبه”.