المعرفة الإجمالية للدين (1)
المعرفة الإجمالية للدين (1)
بمشاركة:سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق “حفظه الله”.
التغطية المصورة:
التغطية المكتوبة:
-
محاضرة علمية بعنوان”المعرفة الإجمالية بالدين (1)”
-
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق “حفظه الله”
-
التاريخ: الخميس 21فبراير2026 الموافق 3 رمضان 1447 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
أبدأ في طرح هذا الموضوع من خلال عرض بعض المسائل المفتاحية، التي يقتضي بعضها استكمال البحث فيها لاحقاً.
تعريف الدين: بين المنهاج الشامل والعلاقة بالمقدس
ومبتدأ القول يكون بتعريف الدين، ولا نريد أن ندخل في بحث لفظي؛ لأن تعريف الدين قد كثر فيه الجدل، فله تعريفات كثيرة، بعضها صحيح وبعضها خاطئ، مع وضوح المفهوم في نفسه. فمفهوم الحرية اليوم، على سبيل المثال، مفهوم واضح، لكن عادة لا يوجد نقاش علمي دقيق حوله. والسبب في ذلك أن لمصطلح “الحرية” ثلاث إطلاقات بنحو الاشتراك اللفظي، فقد يقصد المتكلم الإطلاق الأول بينما يقصد الآخر الإطلاق الثاني، فيكون الحوار دائراً حول موضوعين متعددين لا موضوع واحد. فالحرية لها إطلاقات ثلاثة: – المعنى الأول: الحرية القانونية، أي حق الاختيار. ومقتضى ذلك أن للإنسان حق الاختيار أو ليس له، وهذا ما نسميه حرية. فالحرية القانونية حكم وضعي من الأحكام الوضعية عند العقلاء، ومعناها أنه يحق له الاختيار. – المعنى الثاني: الحرية المادية، أي التحرر من القيود والأغلال. فالتخلص من القيود والأغلال يسمى حرية، وعدم وجود القيد والغُل هو الحرية. – المعنى الثالث: الحرية الروحية، وهي أن يكون الإنسان غير مستعبَد لأحد.
وبسبب هذا الخلط في المفاهيم، قد يصبح النقاش غير موضوعي، لأنه يُشترط في صحة النقاش وحدة الموضوع.
والدين كذلك، ولست بصدد استعراض كل ما قيل في تعريفه، بل سأركز على المعنى المتعارف عليه الآن في المدارس المادية، حيث يوجد اتجاهان: الاتجاه الأول: يرى أن الدين هو علاقة الإنسان بالمقدَّس مع بعض الآثار المترتبة على تلك العلاقة. وهذا التعريف مبني على تصور لا يلحظ وجود الله عز وجل. فهناك شخص يقدِّس شيئاً ما، والتقديس هو غاية الاحترام، فتكون علاقة الإنسان بما يحترمه بأعلى مراتب الاعتبار، وما يترتب على تلك العلاقة من أمور يسمونها طقوساً، كعقد الزواج، هو الدين. وهم لا يرون في الدين شيئاً ينظم الحياة بأكملها. وهناك رأي أكثر تطرفاً يقول: لا، الدين هو فقط علاقة الفرد بما يقدسه. أما الأمور الأخرى فهي إضافات أُلحقت بالدين، فالعلاقة مع المقدَّس هي جوهر الدين.
وفي كتبنا تعريفات كثيرة، بعضها غير صحيح، ولا أريد الآن أن أخوض فيها بحثاً يطول. وحتى لا يكون البحث لفظياً، يمكن القول إن الاتجاه الآخر في تعريف الدين هو أن الدين هو المنهاج الذي يستوعب جميع شؤون الحياة. فالنهج الذي يستوعب كل الحياة هو الدين، وله ألفاظ متعددة في القرآن الكريم؛ فتارة يعبر عنه بالدين، وأخرى يعبر عنه بالملة، وثالثة بالصراط، ورابعة بالطريقة، وخامسة بالشرعة أو الشريعة، ومن ثم يعبر عنه بالوِجهة في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة البقرة: 148].
فمنهاج الحياة الذي يستوعب شؤون الإنسان هو الدين، سواء كان هذا المنهاج حقاً أم ضلالاً أم باطلاً. ولذا يعتبر الله عز وجل نهج الكفار ديناً، فيقول: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [سورة الكافرون: 6]، فيعتبرهم أصحاب دين. دينهم عبادة الطاغوت، وعبادة الأصنام، وما يتبع ذلك من تنظيم لسائر أمور حياتهم. هذا هو الدين.
والحاصل أن الدين هو منهج الإنسان الذي يسير عليه في بناء وتكوين شخصيته الفردية وفي تكوين مجتمعه. فالمنهاج الذي يُكَوِّن الفرد والمجتمع ويصنعهما هو الدين. أما القول بأن العلاقة بالمقدَّس تقتصر على أمور معينة، وأن لشؤون الحياة الأخرى مساراً آخر، فهو دين مركب من هذه المفاهيم.
رؤيتان للحياة: الحياة كهدف والحياة كطريق
وجميع الأديان تنتمي إلى رؤيتين اثنتين لا ثالث لهما: – الرؤية الأولى: أن تكون الحياة هي الهدف والغاية. فهناك مدارس تتبنى أن الهدف هو الحياة، وأنه لا يوجد شيء وراء هذه الحياة، فغاية الإنسان وهدفه هي الحياة الدنيا. – الاتجاه الآخر: يتبنى أن الحياة طريق وليست هدفاً.
ولذلك، هناك رؤيتان متناقضتان: رؤية يقوم المنهج فيها على أن الحياة هدف، ورؤية تقوم على أساس أن الحياة طريق. والفرق بينهما شاسع، وسنتحدث عنه بالتفصيل الذي يسمح به الوقت إن شاء الله.
والنتيجة أن خلاصة الدين هي أنه منهج صناعة الفرد والمجتمع. وهنا أيضاً من المسائل المفتاحية التي أشير إليها سريعاً، أنه لا بد من ملاحظة شخصيتين عند النظر في أي منهج: شخصية الفرد، وشخصية المجتمع. فلكل مجتمع شخصية اجتماعية، كما أن لكل فرد شخصيته الخاصة.
أسس صناعة الإنسان: العقل كبنية تحتية
الآن، نريد أن نعرف كيف تتم صناعة الإنسان من خلال الدين، سواء كانت الصناعة صحيحة أم فاسدة. إن صناعة الإنسان تمر بمرحلتين: – المرحلة الأولى: يمكن أن نسميها مرحلة التأسيس، أو ما يعبر عنه بالبنية التحتية، أو بتعبير الإيرانيين (زير بناء)، أي ما تحت البناء. – المرحلة الثانية: هي مرحلة البناء.
والأمور التأسيسية لا تتأسس دفعة واحدة ثم ننتقل إلى البناء، بل هي عملية تدريجية تتكامل مع كل مرحلة من مراحل البناء؛ أي أنك تبدأ بتأسيس نفسك، ثم تقوم بالبناء، ثم تستمر في التأسيس لأجل البناء المستقبلي. فهي مرحلة تدريجية غير محدودة، ومرحلة البناء أيضاً مرحلة تدريجية غير محدودة.
ويقوم التأسيس على ثلاثة عناصر، العنصر الأول منها هو العقل. وحتى أبيّن دور العقل، يجب أولاً أن أشرح مقصودنا من العقل. إن لفظ “العقل” في كلمات البشر، وفي القرآن والحديث، هو مشترك لفظي يطلق على أمور ثلاثة: – الأمر الأول: القوة العاقلة، أي صفة الاقتدار على التعقل، والقدرة على الاستيعاب والفهم. وهذه القدرة هي أيضاً قدرة تدريجية أو قابلية تدريجية في الإنسان. فالعاقل هو من يستطيع أن يعقل، أو من شأنه أن يعقل. وبالنظر إلى القوة العاقلة، فإن من لديه هذه القوة لا يكون عاقلاً بالفعل، وإنما لديه القدرة على التعقل. فيطلق “العاقل” على القدرة على التعقل، لا على التعقل نفسه. – الأمر الثاني: الفهم والاستيعاب. عَقَل الشيء أي فهمه واستوعبه. فعندما تستوعب الشيء بشكل كامل يقال إنك عقلته وتمكنت منه. وهذا مأخوذ من العِقال، كما يقال: عَقَل الناقة، أي ضبطها. فالعقل بهذا المعنى هو فهم الواقع، ومن يفهم الواقع يقال إنه ذو عقل. – الأمر الثالث: النفس الناطقة أو النفس العاقلة، أي الذات التي تعقل وتستوعب، وهو المعنى المراد في بعض الأحاديث، كهذه الصحيحة المروية عن محمد بن مسلم عن مولانا الباقر عليه السلام: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْعَقْلَ اسْتَنْطَقَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقْبِلْ فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَدْبِرْ فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَلَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِي مَنْ أُحِبُّ، أَمَا إِنِّي إِيَّاكَ آمُرُ وَإِيَّاكَ أَنْهَى وَإِيَّاكَ أُعَاقِبُ وَإِيَّاكَ أُثِيبُ»[1]. فلا معنى لمخاطبة الصفة، وإنما المخاطَب هو الموصوف، أي النفس العاقلة؛ فالصفة أمر عرضي، ولا معنى لأن يخاطَب العَرَض. فالذي يخاطَب بقوله: «مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ» هو النفس العاقلة، النفس الناطقة.
فهذه ثلاثة إطلاقات للعقل، ومقصودنا من العقل هنا هو المعنى الثاني، أي الفهم والاستيعاب. ولذلك نجد ثقة الإسلام الكليني[2] في كتابه الكافي يعقد باباً بعنوان “كتاب العقل والجهل”، فالعقل عنده هو الاستيعاب، أي العلم الحقيقي. فالعقل والعلم لفظان مترادفان، وليس العلم شيئاً مغايراً للعقل، بل العقل يعني انكشاف الواقع واستيعابه، وانكشاف الواقع على ما هو عليه هو العقل.
أنواع الإدراك الأربعة وتأثيرها
ولتوضيح هذا المطلب المهم، أقول: لو أردنا أن نجري دراسة لأفضل مجتمع متقدم في الفهم، وقمنا بما يشبه الأشعة المقطعية لعقول أفراده، فسوف نكتشف أن مدركاتنا ومعقولاتنا تنقسم إلى أربعة أنواع. – القسم الأول: الإدراك الاستيعابي، وهو الذي يكون عن وعي. وفي تقديري القاصر، إن نسبة الإدراك الاستيعابي في أفضل المجتمعات لا تصل إلى عشرة بالمئة. ولا أتحدث هنا عن أفراد استثنائيين كالشهيد مطهري[3]، أو الشهيد الصدر[4]، أو الإمام الخميني[5]، أو العلامة الطباطبائي[6]، بل أتحدث عن المجتمع ككل. – القسم الثاني: الإدراك التلقيني. هناك مساحة كبيرة من الإدراك يمكن أن نعبر عنها بالإدراك التلقيني. فمثلاً، يأتي عالم نثق به فيقول إن الظهور بعد كذا سنة، فنتبنى قوله، ثم يذهب للبحث فيغير رأيه، فنغير نحن رأينا تبعاً له. فإذا تكلم فلان، وهو الشخصية المؤثرة، تبنينا كلامه. – القسم الثالث: الإدراك الانفعالي. وهناك مساحة قد تصل إلى عشرين بالمئة عند البعض، وثلاثين أو خمسين عند آخرين، يمكن أن نسميها مساحة الإدراك الانفعالي. والإدراك الانفعالي هو ما ينشأ عن الانفعالات. فمثلاً، إذا كنتَ ضد جماعة معينة، فكل ما يقولونه باطل، وعكسه هو الصحيح. وهذا عشناه في مراحل من المراحل؛ شخص لا نتقبله، أو جماعة لا نتقبلها، يقولون كلاماً، فنرفضه بالانفعال. وهذا ما نسميه التصادم الفكري، الذي يؤدي إلى قناعات انفعالية غير مبنية على الاستيعاب. وأحياناً يكون الدافع هو العصبية، فأنا متعصب لجماعتي، أو لنفسي، أو لشخص معين، فأنحاز للرأي من خلال عصبيتي له، وأبتعد عن الرأي الآخر من خلال عصبيتي ضده. وأحياناً يكون الدافع هو الإعجاب بالعمل، فأستكثر عملي ولا أرضى أن ينتقدني أحد، وقد يكون عملي مليئاً بالعيوب، لكن إعجابي به يجعلني أراه مميزاً. وعادةً ما يميل الناس عند إنجاز شيء إلى تمجيده، ولا ينتبهون إلى عيوبه. أو يكون الدافع هو الإعجاب بالنفس، أو التكبر الذي يولد استعلاءً فكرياً. والأمثلة على هذا كثيرة، ولا يتسع المجال للتوسع فيها. – القسم الرابع: الإدراك الانطباعي. ونقصد بالانطباع أن تفسر أمراً لا دلالة فيه على شيء بذاته، ولكنك تفسره كذلك بسبب خلفية معينة.
وذلك بسبب خلفية معينة لدى المفسِّر. ولتقريب المطلب نذكر مثالاً قبل تقسيم الانطباعات: فلو أن شخصاً عُرف بالتملق في فترة ما، ثم بدأ يشيد بأمر معين، فقد يُقال عنه: “اقرأ ما بين السطور”، ويُحمل كلامه على التملق بسبب ذلك الانطباع المسبق، مع أن كلامه في ذاته قد لا يتضمن دلالة على ذلك. ومثال آخر: من يتعامل مع عدد من المقاولين فيجد منهم كذباً، فيتكون لديه انطباع بأن جميع المقاولين كاذبون. وهذا الانطباع ينقسم إلى أربعة أقسام: – القسم الأول: الانطباع النفسي. ومقتضاه أن يفهم الإنسانُ البشرَ من خلال نفسه، فيتصور أن عقليات الناس وروحيّاتهم تماثل عقليته وروحيّته؛ فإن كان طيباً فسّر كلامهم بطيبة، وإن كان خبيثاً فسّر الأمور بخبث. – القسم الثاني: الانطباع التلقيني. وهو أن يُلقَّن الإنسانُ شيئاً معيناً عن شخص ما، فيفهم كل ما يصدر عنه وفقاً لما لُقِّن. – القسم الثالث: الانطباع التجريبي. ومثاله ما سبق ذكره فيمن يعمم حكمه على فئة بأكملها بناءً على تجربة سلبية مع أفراد منها، كصاحب سيارة الأجرة أو المقاول. – القسم الرابع: الانطباع الشكلي. وهو التأثر بالهيئة الظاهرية، كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ ۖ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون – 4]. فكمن يأتيه شخص بهيئة أهل العرفان، فيتكلم بهدوء وبطء، فيُسلّم السامع لكلامه تسليماً مطلقاً وكأنه نُقش بمسمار على لوح، دون أن يتفكر في صدقه من كذبه. أو كمن يتأثر بالغرب، فيرى شخصاً حسن الملبس والكلام والهيئة، فيقبل قوله بناءً على هيئته فحسب.
وعندما يُسأل أحدهم عن وجه اقتناعه، قد يجيب: “لقد أقنعني، فالأمر بَيِّنٌ عليه”، وهو في حقيقته لم يأخذ إلا بانطباع. وحين ندرس العقل في واقعنا، سنجد أن هذا هو حال الإدراك لدى أفضل الجماعات في أوساطنا وغيرها؛ فهم لا يفكرون دائماً على نحو استيعابي، بل ينظرون إلى الأمور تارة برؤية استيعابية، وتارة برؤية تلقينية، وأخرى برؤية انفعالية، ورابعة برؤية انطباعية.
فإذا بُنيت المعارف على مثل هذا العقل، لكان البناء كهماً كناطحة سحاب يمكن أن تهدمها أهون ريح. ولذا ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف أصناف طالبي العلم قوله: “أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ”[7]. والسبب في ذلك هو غياب الاستيعاب الحقيقي. قد نصل إلى الحق عن طريق التلقين أو الانطباع أو الانفعال، ولكنها طرائق خاطئة في الوصول إلى الحق.
بذلك تصير الأرضية الفكرية والأخلاقية أرضاً رخوة، أشبه ما تكون بمنطقة زلازل، فيصبح القلب والعقل في مهبّ الشبهات. ولذا نجد الآيات والروايات تؤكد على أن أول مطلب يُبنى عليه دين الإنسان هو العقل، فـ”مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ دِينٌ لَا عَقْلَ لَهُ“[8]، وأنه”لَا يُعْبَأُ بِأَهْلِ الدِّينِ مِمَّنْ لَا عَقْلَ لَهُ“[9]. وتشهد على ذلك الرواية الصحيحة عن الإمام الرضا (عليه السلام):”إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ“[10].
وهذا هو منطق القرآن الكريم في آيات عديدة، كقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس – 100]، وقوله حكايةً عن أهل النار: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك – 10]. فمسألة العقل محورية، إذ ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد – 19]، وهم أصحاب العقول والوعي والفهم.
لذلك، كان حديث القرآن من أوله إلى آخره عن العقل، ولعل إحدى فلسفات هذا التكرار هي التأكيد على هذه الفكرة وترسيخها في المجتمع. فالقرآن يريد ترسيخ فكرة بناء العقل، مضافاً إلى الروايات الكثيرة التي تشكل بمجموعها تواتراً إجمالياً في هذا الموضوع. فأول ما يجب على الإنسان هو بناء عقله، وهو بناء تدريجي مستمر إلى اللحد، ففي كل مرحلة من مراحل البناء يحتاج إلى مرحلة إضافية من مراحل التأسيس العقلي. والكلام في هذا المجال واسع جداً، ولكننا نجمله هنا.
**
العناصر المكملة للبناء: قرار التغيير والبيئة الصالحة
العنصر الثاني: قرار التغيير إن الدين الإلهي الحق يقوم على أربعة إجراءات أساسية في عالمي العقل والقلب، وهي: – أولاً: إيجاد الصفات الصالحة المفقودة في النفس.** إذ لا بد من قرار حاسم بإيجاد هذه الصفات، وإلا فلن يحدث تغيير، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد – 11]. فالتغيير يبدأ من الذات. فإذا لم يكن المرء يمتلك صفة الحكمة على المستوى العقلي، وجب عليه اكتسابها. وإذا لم يكن يمتلك صفة الصبر الملازمة للإيمان، وجب عليه إيجادها، فقد ورد في الحديث: “الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ”[11]. وهكذا يجب على المرء أن يتفقد قلبه ليرى ما ينقصه من صفات صالحة، ثم يعمل على إيجادها. – ثانياً: تقوية الصفات الصالحة الموجودة في النفس. فالصفات في حالة تزاحم دائم بين الصالح والطالح، ولا بد للصفة الصالحة من أن تبلغ درجة من القوة تُمكّنها من التأثير، وهذه التقوية عملية مستمرة. فلو فرضنا أن شخصاً يمتلك صفة الحكمة لكنها ضعيفة، أو لديه صبر لكنه محدود، فلن يصمد. فأهل الكوفة مثلاً كان لديهم مقدار من الصبر، ولكنهم لم يعملوا على تقوية هذه الصفة، فغلبتهم الدنيا في نهاية المطاف. وعندما لا تُقوّى الصفة الصالحة، يحدث تزاحم بينها وبين الصفات الأخرى، فتمنع الصفةُ الأقوى تأثيرَ الصفة الأضعف. – ثالثاً: توجيه الصفات نحو الصلاح. والمراد بذلك أن لكل إنسان بصمته الخاصة من الصفات التي تختلف عن غيره؛ فهذا هادئ، وذاك عصبي، وآخر متسرع، ورابع متردد. وعليه، لا توجد طريقة بناء موحدة للجميع، بل إن عملية البناء تتبع هذه الصفات، فيجب على الإنسان أن يبني نفسه وفق صفاته الخاصة وقابلياته واستعداداته، لا وفق صفات غيره. – رابعاً: اقتلاع الصفات السيئة الموجودة في النفس.
وهذه الإجراءات كلها مسبوقة بقرار حاسم بالتغيير، فإذا لم يتخذ الإنسان هذا القرار، فلن يتغير، ولن يجديه نفعاً قراءة القرآن أو غيرها. وفي نهاية المطاف، إن لم يُقدِم على تغيير نفسه، فإن صفاته هي التي ستصنعه، ذلك أن أفعال الإنسان وسلوكياته معلولة لصفاته.
العنصر الثالث: البيئة الصالحة إن الإنسان كائن مؤثر ومتأثر، فمهما حاول أن يغير نفسه، فإن التغيير لا يكتمل بجهد فردي محض إذا لم يكن موجوداً في بيئة صالحة. ذلك أن عملية التغيير لا بد أن يلاحظ فيها البعدان الفردي والاجتماعي معاً، فالمجتمع مؤثر في شخصية الفرد، كما أن الفرد مؤثر في شخصية المجتمع، وهناك تأثير تبادلي بينهما. وهذه هي خلاصة البنية التحتية التي يتوقف عليها البناء.
العصبية العرقية، والعصبية للفرد، والعصبية للذات، والعصبية للجماعة، كلها عوامل هدم للعقل. ولذلك حارب الإسلام العصبية، فقد ورد في الحديث: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِيَّةٍ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ»[12]، وهذا تشدد شديد يبين أنها من موانع العقل.
وعلى هذا، فإن العقل الذي نتحدث عنه، إذا بُني بشكل صحيح، هو منشأ الفضائل، فلا يمكن للإنسان أن يكون تدينه أكبر من عقله، وهذا هو خطاب القرآن وأهل البيت عليهم السلام. قال تعالى: ﴿…إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ…﴾ [فاطر: 28]، أي إن الخشية من الله تترتب على قدر علم الإنسان به.
وهنا يظهر التلازم بين العلم والعقل، فالعلم هو العقل، والعقل هو العلم فعلًا، ولذا لم يُعمل على هذا العقل، بل على العكس، فقد شُكِّل العقل طوال التاريخ على أساس الظلم والمصالح والواقع الذي عاشته البشرية. ولذلك لم يكن بناء عقل المجتمعات سهلًا على الأنبياء، وإنما استطاعوا بناء عقل بعض المؤمنين، ونحن اليوم من بركات هذا البناء.
لكن البناء الذي حدث، حتى البناء الديني، كان من خلال الطواغيت داخل المجتمع الديني، حيث كانت هناك حركة طاغوتية تحكمت في المجتمع الديني، وصاغت الفكر الديني برؤية طاغوتية. بالتالي، لا يمكن للأمة أن تنهض إلا بمقدار تحررها من هذا النمط من التفكير، فإذا لم تتحرر، فلن تستطيع.
إن الذين يعملون على بناء الإدراكات الخارجية، أو بناء العقول والسلوكيات، يعتمدون على المحفزات، بالنظام التقطيري الإعلامي وغيره، في الأفلام والمسلسلات والسلوكيات الخارجية وغيرها. فلدينا مؤسسات عملاقة تدرس الإنسان بما هو إنسان بكل هندسياته، بالهندسة الاجتماعية وغيرها، من أجل خلق المنبهات، لتوليد إدراك معين لقضايا حساسة مخلوطة بالمغالطات، ويبدعون فيها من أجل خلق سلوك خارجي. كمثال على ذلك، مقولة: «المزعزع للاستقرار في المنطقة هي إيران وليست إسرائيل». من الذي زرع هذا الإدراك؟ من الذي اعتدى؟ من المذنب؟
والإشكال الذي يُطرح هنا أنه إذا كانت مسألة التغيير كذلك، فهل يمكن أن يكون التغيير فرديًا؟ مع أن التغيير الصحيح يبدأ من قوله تعالى: ﴿…إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ…﴾ [الرعد: 11]. ولكن كما يمكن استهداف الإدراك بشكل جماعي مؤسساتي، يجب أن يكون تعديل الإدراك أيضًا على شكل مؤسساتي. فكيف يمكن أن يُقاد الإنسان بإدراك حقيقي، بالتفصيل الذي ذكرتموه، بحيث لا يكون ملقنًا ولا عصبيًا، بل إدراكًا واعيًا، وأن يبني أعماله بشكل واعٍ، ولكن ليس على نحو الفردية، لأنه إذا كان على نحو الفردية، فإنه سيسقط بتأثير المنبهات الأخرى. فكيف يمكن أن نعمل على شكل مؤسساتي لخلق تنبيهات تقود الإدراك إلى الصواب، من أجل سلوك ومعتقد صحيح؟
والجواب، أن الإدراك ليس فقط وظيفة القوة العاقلة، كما ورد في بعض الحواشي على كتاب الكفاية[13]، بل لدينا ثلاثة أقسام من الإدراك: – إدراك القوة العاقلة. – إدراك القوة الشهوية. – إدراك القوة الغضبية.
والقوة العاقلة لها تحريك تكويني اقتضائي، والمانع منه إحدى القوتين الغضبية أو الشهوية أو كلتاهما. والقوة الشهوية لها إدراك وتحريك تكويني اقتضائي، يمنع منه القوتان الأخريان. والقوة الغضبية كذلك لها تحريك تكويني. وهنا، نتيجة الصراع داخل النفس وعدم اكتمال الإنسان، يحدث هذا الأمر. أي لا بد أن نبدأ بتطوير شخصية الإنسان.
مفتاح التغيير: القيادة الواعية والقدوة المؤثرة
وأما تغيير المجتمع، فالذي يظهر أن هناك مفتاحًا واحدًا لتغيير المجتمع، وهو التغيير الممكن. يجب أن نتكلم عن التغيير الممكن أولًا، لماذا؟ لأن هناك أفرادًا في المجتمع لن يتغيروا مهما فعلت؛ لا تغيرهم الدولة الإسلامية، ولا يغيرهم الأنبياء، ولا يغيرهم أحد. لكن من لهم قابلية التغيير؟ هناك شيء واحد: القدوة الصالحة التي تحرك المجتمع، وقيادات واعية تستطيع هي أن توعي المجتمع. وعملية التوعية ليست عملية تلقينية بل عملية تفهيمية. نحن حتى في دراساتنا في الحوزة، وفي الجامعة، وفي المدرسة، نعتمد أسلوب التلقين في بناء الفرد من الناحية العلمية. أما أسلوب التفهيم فمتعب، وشروطه تختلف عن التلقين. ولكن الآن كثير من الامتحانات، حتى امتحانات الحوزة، هي دراسة حفظ؛ حفظ أسئلة وحفظ أجوبة، فإذا سألت عن المطلب، لا يستوعبه الطالب. خصوصًا الآن في الحوزة لدينا من يدرس يوميًا سبعة دروس، فأنى له الاستيعاب؟ إنه يحفظ من الناحية الواقعية.
إذًا، لا بد من وجود قيادات، فالتأثير الحقيقي يتوقف على وجودها. ولا أقصد بالقائد عنوانًا كبيرًا، فأحيانًا يكون هذا القائد شخصًا في الشارع، قد يكون طبيبًا، أو بقالًا، أو حدادًا. في علوم التواصل يسمونهم “قادة الرأي”، وهم المؤثرون، إما أن يقودوا الناس إلى الهدى أو يقودوهم إلى الضلال. إذًا، أنت بحاجة إلى قائد عاقل، لأن القائد قد يكون مؤثرًا لكنه غير عاقل. أنت تحتاج إلى بناء قادة عقلاء. فإذا بنينا في المجتمع قائدًا عاقلًا، صار كالإمام الخميني[14]، وصار كسيد القائد[15].
طبعًا، بناء المجتمع عقليًا هو أيضًا عملية تدريجية. فلو لاحظنا خوزستان مثلًا، لقد ذهبت إليها قبل خمس وثلاثين سنة، وفي هذه السنوات ذهبت إليها مرة أخرى، ورأيت النقلة النوعية التي حدثت بعد الثورة الإسلامية. بل هنا في قم، المجتمع القمي في عقله، في وعيه، في سلوكياته، انتقل بالتدريج، أي إنه يتجه بالاتجاه الإيجابي. هذا كله يحتاج أولًا إلى بناء قادة، وهذا ما كان يشكو منه أمير المؤمنين عليه السلام، إذ قال: «إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً -وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ- لَوْ أَصَبْتُ لَهُ حَمَلَةً!». ثم ذكر أصناف الناس الذين لا يصلحون لحمل العلم، إلى أن قال في وصف من يصلح له: «أُولَئِكَ… هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَبَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَاسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَأَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ… أُولَئِكَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ، وَالدُّعَاةُ إِلَى دِينِهِ. آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ!»[16].
كان أمير المؤمنين عليه السلام إذا فقد واحدًا عاقلًا واعيًا مؤثرًا مثل مالك الأشتر، ينكسر ظهره، لماذا؟ لأنه لا يحصل على مثل مالك الأشتر بسهولة، فالناس لا يستوعبون، ولا يملكون هذا الوعي، ولا يملكون هذا العقل. لذلك أعتقد أن هناك خطين متوازيين: – الخط الأول: الاستمرار في البناء العام وفي الخطاب العام. – الخط الثاني: بناء الأفراد.
المؤسسات تتحول إلى حالة بروتوكولية مع المدة، فلا تؤثر. الذي يؤثر هو التأثير المباشر الذي يتوقف على بناء الأفراد، والحركة باتجاه الحركة الفردية نحو المجتمع. أي يكون هناك فرد، انظروا هنا في العراق مثلًا إلى السيد محمد باقر الصدر[17]، من طفولته كان قائدًا، فجاء أناس أكبر منه سنًا وتأثروا به. السيد نور الدين الإشكوري قدس الله نفسه أصر على السيد كاظم الحائري قائلًا: “تعال، انظر إلى درس سيد الشهيد”، لكن السيد كاظم لم يكن يريد، وبسبب الحرج وإصرار السيد نور الدين، ذهب إلى درس سيد الشهيد، وبعد فترة لم يخرج منه. وقد قال له سيد الشهيد: “أنا أريدك أن تصبح مجتهدًا، ليس على الطريقة المتعارفة، بل أريدك أن تصبح مجتهدًا على طريقتي”. لذلك، عندما حضر درس الشهيد الصدر، كان لديه إجازة اجتهاد، وكان مجتهدًا قبل أن يحضر درسه، ثم بعد أن أخذ إجازة اجتهاد، صار تلميذًا له، ومقررًا لأفكاره ودروسه رضوان الله تعالى عليه.
نحن نحتاج هكذا شخصًا أو أشخاصًا، هؤلاء هم الذين يغيرون. ولذلك عندما نطالع روايات أهل البيت عليهم الصلاة والسلام في التأكيد على هذا الأمر، نجد فيها تأكيدًا بالغًا على عنصر القدوة. فإذا وُجدت القدوة في المجتمع، انظروا، وإن كان هذا تقريبًا، إلى صبر وصمود سماحة القائد، وماذا فعل في المجتمع الإيراني. جزء من هذا التأثير هو صبر السيد القائد وشجاعته، فالكل ممن يتكلم منبهر بهذه الشجاعة. لقد غيّر الشعب الإيراني، وهناك شعوب لم تكن هكذا، جاءت منبهرة بهذا الرجل. حتى إن بعضهم ممن لم يكن يذعن له، يقول: “لو دار الأمر بين السيد الخامنئي وإسرائيل لاخترت السيد الخامنئي”. فهو يأتي في إطار التغيير. هذا الجذب وهذا التأثير، جذب ماذا؟ في عقيدتي، جذب عقول هؤلاء، وليس فقط قلوبهم. هذا التصرف جعله يفكر، وجعله يعيد النظر في مفهوم الكرامة، ومفهوم الشرف. ولذلك تغير كثيرون عقليًا، وعاشوا الفكرة من داخلهم، لأن العقل لا يمكن فصله عن الإحساس.
العقل ليس مجرد إدراك، ففي مرحلة من المراحل يكون العقل إدراكًا، ولكن العقل هو عين الإحساس، فالإحساس والإدراك متحدان في الوجود مختلفان في العنوان. عالم الدين الذي لا يفهم الحياة، لا يفهم الدين.
فإن قيل: ولكن ماذا عن المؤسسات؟ قلنا: المؤسسات لا تفعل هذا. لقد جربنا المؤسسات. أنا مع المؤسسات، ولكني أتصور أننا بعيدون عنها. أعتقد أننا الآن نعمل على الأفراد. فإذا كثر الأفراد، هل يُصنع منهم شيء؟ نعم، سيتكون منهم مجتمع، لكن هل يصنعون فارقًا؟ لا، لا يصنعون فارقًا بمفردهم. انظر إلى الأفراد، اليوم لديك شخص كان اسمه روح الله الموسوي الخميني، ومعه مجموعة مستوعبة لمشروعه، كأفراد. أما أحيانًا تأتي المؤسسات، فماذا تُحدث عمليًا؟ بروتوكولات، ومدير، وحتى تخرج بالقرار وبالرؤية، تخرج روحك. أنا في عقيدتي، لا بد من أفراد مؤثرين يخلقون جوًا اجتماعيًا، نعم في ذلك الوقت نرى كيفية بناء المؤسسات. الآن كثير من المؤسسات العلمية لدينا، والمدارس الحوزوية، والتشكيلات، تجد فيها مسؤولًا ونائب رئيس، وعناوين فارغة كثرت إلى ما شاء الله، ومن ثم ترى أن «تمخض الجبل فولد فأرًا».
تصبح الإشكالية عملية، أما إذا اتخذت أفراداً واعين، فسيحدث هناك نقلة نوعية. وقد ذكر الشيخ مصباح اليزدي[18] قدس سره أنه قال له بشأن إحدى المؤسسات التي اقترح إصلاحها، فنظر إليه وقال: “فكر بالممكن، لا تفكر بالمستحيل”. وكان هذا هو منهجه.
وكلما زاد عدد الأفراد الذين يتبنون المشروع، تسهل المهمة فيما بعد. وحينئذٍ، بعد الوصول إلى مرحلة النصر الأولي، يمكن الانتقال إلى مرحلة البناء التالية. وأما أولئك، فلا توجد لديهم مؤسسات بهذا المعنى؛ فمؤسساتهم، كعلم النفس الحديث، ليست علماً لبناء الإنسان، بل هي علم لتوظيف الإنسان لمصالحهم، فهم يبحثون عن كيفية توظيفه لتحقيق مآربهم. إنهم لا يؤمنون بالقيم ولا بالنفس المرتبطة بعالم الغيب. ويظهر ذلك في فكر شخص مثل سارتر[19] الذي بنى رؤيته الوجودية على الهجوم على الله عز وجل، فكانت نظريته سبباً في فتح بوابات الإباحية بوصفها تمرداً على الله. فهذه حرب شديدة جداً.
وبالتالي، فلهم عملهم ولنا عملنا. والواقع أني كنت أستاء سابقاً لقلة العمل في أوساطنا، لكني اليوم أرى قابلية لدى طلبة الحوزة والشباب المؤمن لا سابقة لها في تاريخ البشر. إذ توجد اليوم أرضية للوعي، ونحن أمام قوة قريبة من الفعل.
[1] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 26، كتاب العقل والجهل، ح 21.
[2] هو محمد بن يعقوب الكليني (ت 329هـ)، من أعاظم محدثي الشيعة، وصاحب كتاب الكافي، أحد الكتب الأربعة.
[3] الشهيد مرتضى مطهري (ت 1399هـ)، فيلسوف ومفكر إسلامي إيراني، ومن أبرز منظري الثورة الإسلامية.
[4] الشهيد السيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ)، مرجع دين وفيلسوف ومفكر إسلامي عراقي، ويعتبر من أبرز مفكري القرن العشرين.
[5] السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[6] السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402هـ)، فيلسوف ومفسر كبير، وصاحب تفسير الميزان.
[7] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، 1414 هـ، ص 496، الحكمة 147.
[8] لم يُعثر على الرواية بهذا اللفظ في المصادر المعتبرة، ولكن معناها مستفاد من روايات كثيرة، منها ما ورد عن الإمام الصادق (ع): ”دِعَامَةُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ… وَمَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ”. الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 25، كتاب العقل والجهل، ح 22.
[9] البرقي، أحمد بن محمد بن خالد. المحاسن. تحقيق جلال الدين الحسيني الأرموي، ط2، دار الكتب الإسلامية، 1371 هـ، ج 1، ص 195، كتاب مصابيح الظلم، ح 17.
[10] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 26، كتاب العقل والجهل، ح 23.
[11] المصدر نفسه، ج 2، ص 89، كتاب الإيمان والكفر، باب الصبر، ح 2.
[12] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 308، باب العصبية، ح 1.
[13] هو كتاب كفاية الأصول للشيخ محمد كاظم الخراساني (ت 1329هـ)، المعروف بالآخوند، ويُعد من أهم المتون الدراسية في علم أصول الفقه في الحوزات العلمية. ولم يحدد المحاضر صاحب الحاشية، ولكن يُراجع في هذا الباب شروح وحواشي الكتاب، لا سيما مباحث القوى النفسانية في مقدمات علم الأصول.
[14] السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[15] إشارة إلى قائد الثورة الإسلامية في إيران، السيد علي الخامنئي.
[16] الشريف الرضي. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، (د.ت)، ص 497-498، الحكمة 147.
[17] السيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ)، من أبرز فلاسفة ومفكري وفقهاء الشيعة في القرن العشرين، ويُلقب بـ”الشهيد الصدر”.
[18] هو الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (ت 1442هـ)، فيلسوف وفقيه إيراني، ومن أبرز منظري الفكر الإسلامي المعاصر.
[19] هو جان بول سارتر (ت 1980م)، فيلسوف وروائي فرنسي، من أبرز رواد التيار الوجودي الملحد.