المعرفة الإجمالية للدين (3)
المعرفة الإجمالية للدين (3)
بمشاركة: سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق”حفظه الله”.
التغطية المكتوبة:
-
محاضرة علمية بعنوان “المعرفة الإجمالية للدين (3)”
-
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
-
التاريخ: الخميس 25 فبراير 2026 الموافق 7 رمضان 1447 هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
دوائر الخطاب الديني ومنهجية فهم النص
من ينظر في حقيقة الحياة الدنيا، يعلم أن مآلها يعود إلى ما أشارت إليه الآية الكريمة. وهذا خطاب إنساني، ليس موجهاً فقط لمن يؤمن بالله، وليس موجهاً لمن يعتقد بالأنبياء فقط، وليس موجهاً فقط لمن يعتقد بالإمام علي (عليه السلام)، بل هو موجه للإنسان بما هو إنسان؛ فالله عز وجل يخاطب الإنسان. ومما يؤسف له أننا نجد في كتاباتنا وأبحاثنا ضعفاً في هذا الخطاب الإنساني، وسنعود إلى هذه النقطة.
وهذا الخطاب الإنساني هو خطاب للجميع، لا يختص بغير المؤمنين، بل يُخاطَب به المؤمن وغير المؤمن على حد سواء؛ فهو خطاب للإنسان. فحتى لو انتفى اعتقاد هذا الإنسان بالله تبارك وتعالى، يظل مخاطباً به، كما في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ دِينٌ وَ كُنْتُمْ لَا تَخَافُونَ الْمَعَادَ فَكُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ»[1]. فهذا خطاب للإنسان: «كُونُوا أَحْرَاراً فِي دُنْيَاكُمْ»، وهو ليس خطاباً موجهاً للمتدين حصراً، وإنْ كان يتأكد في حقه، لكنه خطاب للجميع.
الدوائر الخمس للخطاب الديني
الدائرة الثانية: هي دائرة الخطاب الديني، أي الدائرة التي يُخاطَب بها من له دين معين، ولا سيما الذين ينتمون إلى الأديان الإلهية، سواء كان انتماؤهم تاماً أم غير تام. وإنما يُميَّز الخطاب الديني لأن البشر عموماً قد لا يتفقون على كل الأمور، لكن أصحاب الأديان يتفقون على قيم وأخلاق وغايات معينة تتعلق بالإنسان وكرامته وشرفه. فهذا الخطاب ينشأ من مساحة الالتقاء هذه، فإن الذين لا دين لهم تكون دائرة الالتقاء معهم أضيق من الذين لهم دين. فالدائرة الإنسانية الأوسع، وإنْ كانت تشمل أموراً كثيرة، إلا أنها أضيق من حيث مساحات الاتفاق من الدائرة الدينية التي يتسع فيها الخطاب، وهذا يُخاطَب به كل من له دين.
الدائرة الثالثة: هي دائرة الخطاب الإسلامي، أي الخطاب الذي يوجه للمسلمين على اختلاف مذاهبهم. وهذا خطاب يشمل أصحاب المذاهب الإسلامية كافة، بما فيهم المذهب الشيعي، فهو خطاب عام دائرته أوسع من خصوص الشيعة، ليشمل المسلمين بجميع اتجاهاتهم.
الدائرة الرابعة: هي دائرة الخطاب الشيعي العام. وإنما نسميه بالعام لأن النظر هنا ليس إلى تيار أو جهة معينة، بل إلى وجود تفاوت في الفهم والاستيعاب. وقد ورد في الحديث: «مَا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ) الْعِبَادَ بِكُنْهِ عَقْلِهِ قَطُّ»[2]. فلا يستطيع كل إنسان أن يستوعب مذهب أهل البيت عليهم السلام بكل خصوصياته، بل يستطيع أن يستوعبه بحدود معينة. وعلى هذا الأساس، يُخاطَب كل فرد بمقدار وعيه وفهمه واستيعابه ومعرفته، ولا يصح أن يُخاطَب بالمقدار الذي لا يلتفت إليه ولا يمكنه إدراكه.
ومثال ذلك: بعض الأمور ذات الصلة بالخطاب العرفاني، فهذه تقع في دائرة الخواص. يقول الإمام الخميني[3] قدس سره في خاتمة كتابه “مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية” ما يقرب من هذه العبارة: “اعلم أيها الصديق الروحاني، إياك ثم إياك أن تقول هذه الأسرار لغير أهلها، أو تظنّ بها على غير محلها. فإن علم باطن الشريعة من الأسرار الإلهية والنواميس الربوبية… فإن مجرد اطلاعك على هذه الأوراق لا يزيدك إلا كفراناً وخسراناً”[4]. ولذلك فإن صاحب “القبسات”[5] عندما سُئل عن سبب صعوبة كتابه، أجاب بأن المختص يفهمه، وأما غير المختص فلا ينبغي له أن يفهمه، لأنه إذا اطلع على هذه المعرفة كفر.
فننتقل إلى الدائرة الخامسة والأخيرة، وهي دائرة الخواص. فالخطاب الديني يتكامل في إطار هذه الدوائر الخمس؛ فالخواص يُخاطَبون بالدوائر الخمس جميعها، والشيعة يُخاطَبون بأربع دوائر، وأصحاب المذاهب الإسلامية يُخاطَبون بثلاث دوائر، وأصحاب الأديان يُخاطَبون بدائرتين، والذي لا يؤمن بدين يُخاطَب بدائرة واحدة، أي توجد مساحة خطاب معه. وهذا التقسيم يحدد مساحات الخطاب الديني. ونجد أن هذه المساحات الخمس موجودة في القرآن الكريم نفسه، وفي أحاديث أهل البيت عليهم الصلاة والسلام التي لم يكونوا يوجهونها للجميع. ومن ذلك الحديث المعروف: «إِنَّ حَدِيثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ»[6].
والملفت هنا، وبغض النظر عن التبني أو الدفاع، أن هذه وجهة نظر موجودة في المدرسة الإسلامية. فالحافظ جلال الدين السيوطي[7] له كتاب بعنوان “تنبيه الغبي بتبرئة ابن عربي”. وهو وغيره، كابن خلدون[8] في كتابه “شفاء السائل لتهذيب المسائل” الذي يُعنى بالعرفان النظري، وهو كتاب أنصح بقراءته لفائدته الجمة، بغض النظر عن موقفنا من ابن خلدون. ففي الوقت الذي دافع فيه السيوطي عن كتب ابن عربي، أفتى بحرمة قراءتها، مع أنه يتبنى أفكار ابن عربي. وتلميذه عبد الوهاب الشعراني[9]، صاحب أشهر كتاب في تلخيص “الفتوحات المكية” وهو “اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر”، يقول ما حاصله: إن العرفاء الذين يتكلمون بمنهج الكشف[10] يتحدثون عن معانٍ تنقسم إلى قسمين؛ فإما هي من المعاني المتداولة عند البشر التي وُضعت بإزائها ألفاظ، وإما أنها معانٍ انكشفت للعارف. وهذا الذي حصل له الكشف هو أمر وجداني، فكيف ينقله للآخرين الذين لم يروه لا بالعين ولا استطاعوا أن يحسوا به؟ إنه لا يستطيع أن يعبر عنه. وإنما هذه التعبيرات هي تعبيرات خاصة لمن كان في ذلك المقام، أو لمن يشرف عليه مرشده في السير والسلوك فيوصله إلى حيث يعرف المقصود. أما قبل الوصول، فلا يمكنه معرفة المقصود. وهذا الكلام ذكره عدد كبير، منهم جلال الدين السيوطي في كتابه المذكور، وابن خلدون في “شفاء السائل”، وعلماؤنا، ومنهم الإمام الخميني قدس سره في حديثه عن المعاني التي تحصل بالكشف.
يقول آية الله مصباح اليزدي[11]: إذا طهرت النفس فقد تصل إلى مرتبة تنكشف لها الأمور؛ لأنك بالعين ترى ما يُرى بالعين، لكن ليست العين هي التي ترى، بل القلب يرى بواسطة العين، فالذي يرى حقيقةً هو القلب. والقلب يرى بواسطة العين ما يمكن رؤيته بالعين، لكن ما يمكن رؤيته بالقلب أوسع من العين، وهو يرى على الحقيقة لا على المجاز والمسامحة. ويقول أيضاً: إذا طهّر الإنسان قلبه فقد يرى تسبيح السماوات والأرض، يرى تسبيح الكائنات، ولكنه لا يمكن أن يُفقِّه غيره بذلك، كما قال تعالى: ﴿… وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ…﴾ [الإسراء: 44]. فهذا لا يفقهه إلا من رآه، ومن لم يره لا يفقهه. إذن، هذه دائرة الخواص، وهي دائرة مشككة، إذ إن هناك تفاوتاً وشدة وضعفاً بين أهلها.
والخلاصة: أن أهل البيت عليهم السلام قالوا: «إِنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلُوا فِيهِ بِرِفْقٍ»[12].
والكلام عن الباطن يأتي في هذا السياق، وهذا الباطن ليس شيئاً مناقضاً للظاهر. ولذلك يقول صدر المتألهين[13] (رحمه الله) في “مفاتيح الغيب”: إن الباطن الذي يتنافى مع الظاهر هو باطل، ودليل بطلانه هو هذا التنافي. وإنما يجب أن يكون الأمر الباطن إكمالاً لما يراه الإنسان بالظاهر، أي يجب أن يكون منسجماً معه، أما إذا لم يكن منسجماً معه فهذا ليس بصحيح.
إذن، هذه هي دوائر الخطاب الديني، وهي نفسها دوائر المعرفة. ونحن معنيون بأن نخاطب البشر بالإسلام بغض النظر عن دينهم، وأن نخاطب الإنسان بالمفاهيم الإلهية، وأن نخاطب أصحاب الأديان بالمفاهيم الإلهية، وأن نخاطب أصحاب المذاهب الإسلامية بالمفاهيم الإلهية، وأن نخاطب الشيعة بالمفاهيم الإلهية، وأن نخاطب الخواص بالمفاهيم الإلهية، فالخطاب يتكامل في دائرة هذه الدوائر الخمس. هذا هو الأمر الأول.
أقسام الخطاب في النص الديني
الأمر الثاني: وهو ما يكاد يكون متسالماً عليه بين فقهائنا، ويتعلق بكيفية فهم القرآن الكريم. فالقرآن الكريم ليس له طريقة واحدة في الفهم، بل يمكن أن نقسم الخطاب الديني في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: الخطاب التأسيسي، ويسمى أيضاً بالخطاب التوقيفي أو التعبدي، والمقصود واحد. والخطاب التأسيسي هو الخطاب الذي لا يمكن للإنسان أن يدرك ضوابطه وملاكاته لأن العقل لا يدركها. والسبب أننا لا نُطَّلع على علم الله، فالله وحده يعلم ذلك. نظير ذلك، أننا لولا أن الله أمر بالوضوء، لما أدركنا أنه لا بد من الوضوء قبل الصلاة. هذا خطاب تأسيسي. وكونه تأسيسياً لا يعني أنه بلا خلفية، فنحن نؤمن بأن الحكم الشرعي بمختلف دوائره تابع للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقه[14]، أي في الفعل أو ما يقوم مقام الفعل، ولا نريد الدخول في بحث أصولي هنا. فقوله: “أقم الصلاة”، يجعل الصلاة واجبة أو مستحبة بالنظر إلى الأثر المترتب عليها، وهذا الأثر المترتب على الصلاة قد لا يدركه العقل أحياناً، فيصير الخطاب تأسيسياً توقيفياً. فالمصلحة الملزمة التي ترتب عليها الوجوب لا يدركها العقل، ولذلك يجب أن نتوقف في مثله عند حدود النص، ولا يمكن أن نزيد عليه.
مثال ذلك: الدم الذي يُعفى عنه في الصلاة هو ما كان أقل من الدرهم. فالإمام قال: “أقل”، وهذا يعني أن مقدار الدرهم لا يُعفى عنه في الصلاة، بل يجب أن يكون أقل منه. هذا خطاب توقيفي.
ومثال آخر: عالم البرزخ، فهو مسألة توقيفية. لا يوجد لدينا دليل عقلي يمكنه أن يستكشف عالم البرزخ وما يجري للإنسان بعد الموت. نعم، العقل يدرك إمكان المعاد ويثبته، لكن تفاصيل عالم البرزخ موضوع توقيفي وعقيدة توقيفية.
وكذلك العقيدة في الرجعة، هي أمر توقيفي. نحن في بحث الرجعة نذهب إلى الكلام في مقام الثبوت، أي هل هي ممكنة أم ممتنعة؟ ولو كان لدى أحد دليل على الامتناع لقدمه. أما مقام الوقوع، فلا يُثبت بالدليل العقلي، بل يُثبت وقوعها بالدليل النقلي على نحو التعبد. وهذا مما لا يمكن للعقل إدراكه، وهذا هو الخطاب التوقيفي، والأحكام فيه تكون تأسيسية أو توقيفية.
القسم الثاني: الخطاب الإرشادي. ومثاله…
القسم الثاني: الخطاب الإرشادي. ومثاله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، وقوله سبحانه: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. فإنَّ فقهاءنا غالباً، والمشهور بينهم، يرون أنَّ وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عقليٌّ، وأنَّ الخطاب الوارد فيه إنَّما هو خطابٌ إرشاديٌّ إلى حكم العقل. ولذلك نجد أنَّ الإمام الخميني[15] قدّس سرّه في كتابه تحرير الوسيلة، وهو من أوسع الكتب الفتوائية في هذا الباب، يرجع إلى الضوابط العقلية، فكثيرٌ من أحكامه لا يستند إلى النصوص. وحتى فتوى الفقهاء بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند احتمال التأثير ومع عدم وقوع المفسدة، فإنَّ الموازنة بين المصلحة والمفسدة كلّها إرشادٌ إلى حكم العقل. وأمَّا ما هي حدود وضوابط الحكم الإرشادي والخطاب الإرشادي، فهذا مبحوثٌ في محلّه من علم الأصول.[16]
القسم الثالث: الخطاب الإمضائي. فنحن لا نبحث عن نصٍّ يحدّد لنا مفهوم المال؛ لأنَّ المال مسألةٌ عقلائية، ووفق الضوابط العقلائية نحدّد المعيار في المالية. فحتى في مسألة العملات الرقمية المعاصرة، وهل لها ماليةٌ أم لا، لا نرجع إلى النصوص لإثبات ماليتها أو نفيها، بل المرجع في ذلك هو العرف العقلائي. ومن يتردّد في الحكم عليها، فإنَّ تردّده ليس في أصل المالية، بل لعدم اتضاح ماهية هذه العملة لديه. وبعد وضوح حقيقتها، قد نتوصل إلى أنَّها مالٌ، أو أنَّها ليست بمالٍ، أو قد نذهب إلى التفصيل، وهذا التفصيل كلّه مردّه إلى النظر العقلائي.
القسم الرابع: الخطاب الرمزي. وهذا القسم لا يشمل بالضرورة الحروف المقطعة في أوائل السور، مثل ﴿الم﴾ و﴿حم﴾ و﴿كهيعص﴾، فالبحث في كونها خطاباً رمزياً أم لا، بحثٌ واسع. ويقول الشيخ محمد جواد البلاغي[17] في تفسيره العظيم آلاء الرحمن في تفسير القرآن، إنَّ هذا من الأمور التي اختصَّ بمعرفتها أهل البيت عليهم السلام، فلا يستطيع المفسّر اكتشافها لعدم وجود أدوات لذلك، خصوصاً مع عدم وجود رواية صحيحة السند أو دليل معتبر يبيّن المقصود منها. وما ورد من رواياتٍ في هذا الشأن فهي ضعيفة، والروايات الضعيفة ليست بحجّة في التفسير، بل ربما يُقال بعدم حجّية خبر الواحد الصحيح في التفسير عند بعضهم. ومثال ذلك: أنَّ الإمام الخميني قدّس سرّه يرى أنَّ الروايات المعتبرة إنَّما هي حجّة في الأحكام الشرعية فقط، فلا يرى حجّية خبر الواحد في غير إثبات الحكم الشرعي. وهنا يُطرح بحثٌ أصولي حول حجّية خبر الواحد الثقة أو العادل في غير الأحكام الشرعية، وهو ما لا يسعه المقام. ولكنَّ الخطاب الرمزي يتمثل في مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: 7]. فنحن لا نفهم حقيقة هذا الكلام، وهذه إشاراتٌ ورموزٌ لا يعرفها إلا من كان قوله حجّة في هذا المعنى، وهو المعصوم (عليه السلام). أمَّا غير المعصوم، فمع احترامنا له، يبقى قوله عرضةً للخطأ. وقد كنتُ أذكر دائماً ما ينقله البعض عن آية الله مصباح اليزدي[18] رضوان الله تعالى عليه، أنَّه كان يقول: يجب أن يعرف الناس أنَّ الفقهاء والعلماء غير معصومين. وعليه، يؤخذ من قولهم في حدودٍ معيّنة، وكما هو معروف: «كلٌّ يؤخذ من قوله ويُرَدُّ إلا المعصوم». فمثلاً، الأيام الستة المذكورة في الخلق، ما هي حقيقتها؟ لا ندري. وهذا من الأمور التي تدلّ على أنَّه لا يوجد متسلّطٌ على حقائق القرآن إلا المعصومون عليهم السلام. نعم، في حدودٍ معيّنة، هناك ظهورٌ قرآني، وظهور القرآن حجّة كما هو ثابتٌ في علم الأصول. ولكن في مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: 7] لا يوجد ظهورٌ قرآني، أو في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: 54] لا يوجد ظهورٌ قرآني واضح. بل إنَّ بعض أهل النظر يقولون إنَّ الفعل الماضي «خَلَقَ» هنا لا يدلّ على الزمان الماضي؛ لعدم وجود زمانٍ أصلاً، وإنَّما يدلّ على نحوٍ من التقدّم الرتبي، وهذا مبحوثٌ في محلّه من مباحث المشتق. إذ إنَّ الحديث عن الماضي والحاضر والمستقبل فرع وجود الزمان والزمانيات، فإذا كان الفعل خارجاً عن أفق الزمان، فلا معنى لذلك. ومقتضى التقوى والورع عند مواجهة هذا الخطاب الرمزي، إذا لم نمتلك أدوات فهمه، هو التوقّف فيه، والإقرار بأنَّ علمه عند أهله، وهم صاحب الزمان عجّل الله فرجه الشريف وآباؤه الطاهرون صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. وهذا ما أشار إليه الإمام الصادق (عليه السلام) حين خاطب الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل، [19] قائلاً: «شَرِّقَا وَغَرِّبَا، فَوَاللهِ لَا تَجِدَانِ عِلْماً بِمَعْنَى كَامِلٍ وَتَامٍّ إِلَّا عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ».[20] فالعلم التام والمعرفة الكاملة عند المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
والحاصل: أنَّه بعد معرفة هذه الأقسام، يثور التساؤل عن كيفية فهم كلّ قسم. فالبعض يريد أن يفهم القرآن بطريقة واحدة، وهذا لا يصح. إذ إنَّ طريقة فهم الخطاب التأسيسي لها أدواتها، وطريقة فهم الخطاب الإرشادي لها أدوات وأسلوب آخر، وطريقة فهم الخطاب الإمضائي لها أدواتها، وكذا الخطاب الرمزي. فلا يمكننا عند قراءة القرآن أن نتعامل مع جميع آياته بمنهج واحد. فمثلاً، بعض الآيات ذات طابع إرشادي، كقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ¤ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: 7-8]، فمضمون هذه الآية يدركه العقل، لذا فالخطاب فيها إرشادي. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: 53]، وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ ¤ أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾ [العلق: 6-7]. فما هي أدوات فهم هذه الآيات؟ لا يمكن القول إنَّها علم النفس على إطلاقه، بل هو علم النفس المنضبط بضوابط واقعية ونفس الأمرية، لا مجرّد نظريات كوجهة نظر فرويد مثلاً. فمن لا يملك خبرة في النفس الإنسانية لا يستطيع فهم هذه الآيات أو شرحها أو التدبّر فيها، بل لا بدَّ له من معرفة بالإنسان وطبيعة نفسه وحقيقتها وقواها، على أن لا تكون هذه المعرفة تعبّدية.
فالبعض يأخذ بالرأي المشهور القائل بأنَّ للإنسان ثلاث قوى: القوة العاقلة، والقوة الغضبية، والقوة الشهوية. وهذا ما نجده عند العلامة الطباطبائي[21] في الميزان، تبعاً لمسكويه[22]، وهما يتبعان في ذلك أفلاطون[23]. فقد قالوا إنَّ التوازن في القوة العاقلة يؤدي إلى الحكمة، والتوازن في القوة الشهوية يؤدي إلى العفّة، والتوازن في القوة الغضبية يؤدي إلى الشجاعة، وانسجام هذه القوى الثلاث يؤدي إلى العدالة. وبذلك تكون أصول الفضائل أربعة: الحكمة، والعفّة، والشجاعة، والعدالة، وإليها ترجع جميع الصفات الأخلاقية الصالحة. وهذا ليس أمراً تعبّدياً، فمن يأخذه على نحو التعبّد لا يفهم حقيقة النفس. بل هو أمرٌ يجب أن يُستوعب عقلاً، كما استوعبه أفلاطون، وملا صدرا[24]، والعلامة الطباطبائي في الميزان، ومسكويه في تهذيب الأخلاق، مع إمكانية قبول كلامهم أو رفضه بعد النظر فيه. فهؤلاء اعتبروا أنَّ الأخلاق والصفات الصالحة تتكوّن وفق هذا المعيار. وهذا ليس موضوعاً تعبّدياً، فلا يؤخذ تعبّداً. فلا يصحّ أن يُقال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال أفلاطون، وكأنَّ القولين من باب واحد، بل لكلٍّ منهما طريقة في الأخذ؛ فالرجوع إلى أفلاطون أو ملا صدرا أو غيرهما إنَّما هو في فهم الدليل، لا بسبب العجز عن إقامة الدليل.
فأنت في البحوث العلمية، كالطب مثلاً، ترجع إلى كلية الطب وأساتذتها لفهم الطب، لا لأخذ المسائل تعبّداً. وكذلك ترجع إلى الأستاذ في الهندسة لفهمها، لا لتأخذ كلامه على أنَّه من المسلّمات؛ إذ يمكنك بعد فترة أن تناقش فتقول: هذه النظرية الهندسية مختلفة، أو عندي إشكالٌ على هذا الطبيب أو ذاك المهندس. فكيف الحال بفهم القرآن؟ إنَّه أمرٌ لا يمكن أخذه تعبّداً، بل لا يجوز أخذه تعبّداً. ولذا يقول الفقهاء بعدم جواز التقليد في مثل هذه المسائل.
مرجعيات الرجوع إلى أهل الاختصاص وحدود التقليد
ومن هنا، فإنَّ الرجوع إلى المختص يكون على ثلاثة أقسام، وبيان ذلك مهم.
القسم الأول: الرجوع إلى المختص بسبب العجز عن معرفة الدليل. ومثاله: رجوع المريض إلى الطبيب؛ لعجزه عن استيعاب علم الطب وممارسته. والأمر نفسه في التقليد في الأحكام الشرعية، فالإنسان يحتاج إلى معرفة الحكم الشرعي الآن، ولو انتظر حتى يبلغ درجة الاجتهاد، فقد يدركه الموت وهو لم ينفّذ حكماً شرعياً واحداً. ولذلك يقرّر الآخوند الخراساني[25] أنَّ مسألة رجوع الجاهل إلى العالم هي في الجملة مسألة بديهية جبلّية فطرية، وإلا لزم سدّ باب العلم على العامي لعجزه غالباً عن معرفة ما دلّ عليه الكتاب والسنّة. فالرجوع إلى العالم، كالرجوع إلى المهندس والطبيب، مسألة فطرية.
القسم الثاني: الرجوع إلى المختص في فهم الدليل. فمن يريد أن يدرس الطب مثلاً، لا يستطيع أن يدرسه بمفرده، بل لا بدَّ له من الرجوع إلى جامعة معتبرة وأساتذة متخصصين، وإلا لما اعتُرف به ولَرُفض ما يقوله، لما يلزم على ذلك من الفوضى واختلال النظام وكثير من المفاسد. فأنت ترجع في فهم الطب إلى المختص فيه، وفي فهم الهندسة إلى المختص فيها. وقد كان سماحة الشيخ محمد بايقاني[26] حفظه الله يقول: نحن عندنا في الحوزة كلّ شيء فيه اختصاصٌ إلا الدين، فكلّ واحد يتكلّم فيه كيفما يشاء، وكلّ واحد يظنّ نفسه مختصّاً.
وفي المسائل التي يثبت فيها الاختصاص، لا يوجد مانع من الكلام بالدليل، ولكن مع لزوم الرجوع إلى المختص في فهم الدليل؛ فلا يصح الرجوع إلى أي شخص، بل يتعين الرجوع إلى المختص في فهم الدليل. وهذه هي الغاية الأخرى من الرجوع إلى أهل الخبرة.
الغاية الثالثة: الرجوع إلى المختص في التطبيق. فلا يصح لأي أحد أن يقتل القاتلاً، أو يجلد الزاني، وكذلك المسائل العامة التي تحتاج إلى قائد، لا يستطيع أي شخص أن يقرر فيها، فلو أن أي شخص قرر لأدى ذلك إلى الفوضى واختلال النظام.
إذن، أنت ترجع إلى الولي ليس من جهة أن المسألة غير معلومة، فقد تعلم أن هذا فاسق أو سارق ويجب قطع يده، لكنك لا تملك حق قطع يده. فأنت لا ترجع إلى الولي لأجل الجهل بالحكم الشرعي أو عدم إمكان الوصول إليه، ولا ترجع إليه لأجل معرفة الدليل، فقد تعرف الدليل بنفسك. إن معرفتك للدليل لا تعطيك المبرر الكافي للتصدي، وإنما ترجع إلى الجهة المختصة في هذا المجال لأجل التطبيق، ومن هنا فرّقوا بين الحكم والفتوى.
ففي الحكم لا يوجد جهل بالخلفية العلمية، لكن لا بد أن تكون هناك جهة تحكم. ولذلك يقول الشيخ الأنصاري[27] في كتابه المكاسب: لو قلنا بالولاية الفقهية، فإذا تصدى واحد، لا يجوز لآخر أن يتصدى في مقابله، لأنه يلزم من ذلك اختلال النظام.[28]
وكما يقول السيد الخوئي[29] في بعض محاضراته: إن الحكم جاء لإنهاء الخصومة، فلو سمحنا بأن يأتي شخص آخر ويحكم أيضاً في مقابله، لنقضنا الغرض، وستحدث خصومة مرة ثانية، وتقع الفوضى، ويختل النظام في الواقع. وهنا يجب أن نرى كيف نطبق الحكم الشرعي. إذن، هناك مرجعيات متعددة للرجوع إلى المختص.
ومن الأمور المهمة: أن دائرة التقليد ليست دائرة متسعة. فلا يجوز التقليد في علم الأصول، ولا يجوز التقليد في علم الحديث، وإنما يجوز التقليد في الأمور التي لا يمكن للإنسان أن يسير فيها إلا بالتقليد.[30]
ولذلك هناك أمور لا تدخل ضمن دائرة التقليد. مثلاً: لو كان على يدي حبر، ولا أدري هل هو مانع من صحة الوضوء أم لا، فهل يصح أن أرجع للفقيه؟ لا، لا يصح أن ترجع للفقيه، لأن الفقيه لا يتميز عن غيره في هذا الموضوع، فمعرفة كون هذا الحبر مانعاً أو غير مانع ليست من اختصاصه بما هو فقيه. إن اطلاع الفقيه على الأدلة بصفته فقيهاً لا يؤهله ليخبرك أن هذا الحبر مانع أو غير مانع. أو أن هذا الشراب خمر أم ليس خمراً، فالفقيه لا يستطيع تحديد ذلك، ولو قال لك الفقيه هذا خمر، فإنك لا تأخذ بكلامه من باب حجيته كفقيه. ويصرح صاحب العروة الوثقى[31] وغيره، وكل فقهائنا الذين يعلقون على العروة، بأنك لا ترجع إليه في هذا الموضوع، لأنه ليس من أهل الاختصاص فيه.
والأمر نفسه يجري في مسألة الصيام، فهل الصيام في حالة صحية معينة مضر أم لا؟ إنما نذهب من البوابة الصحيحة في فهم الدين، فهناك باب صحيح لفهم الدين. إذن، بهذا الشكل لن نفهم، ومن يقول لن تفهم؟ ﴿…وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا…﴾[32]، ولن تفهم على مزاجك، أي لن تفهم بالطريقة التي تمليها الأهواء. والأمر نفسه في كل شيء؛ يريد كل واحد في الطب مثلاً أن يفهم في كل شيء ويجيب عن كل شيء، والحال أنه لا يوجد أحد يفهم في كل شيء، ولا يوجد أحد يجيب عن كل شيء.
وليس كل سؤال يجب أن نجيب عنه في خمس دقائق، حتى الفقيه عندما يُسأل يقول لك: أنا أحتاج عشر سنوات حتى أصل إلى المعطيات التي توصلنا إليها. كما هو الحال في الحياة، فإلى الآن هناك أمراض لا يعرف جميع أطباء الأرض الجواب عنها، ولا عن كيفية علاجها. وقد يموت المريض، ولا يوجد حل إلا أن يستسلم للموت. وبعد فترة، يقول بعضهم: توصلنا إلى حقائق، وبعضهم يقول: قدمنا شيئاً، وبعضهم يقول: لا، بل نحتاج كذا سنة حتى نستمر في التجريب على الفئران وغيرها، حتى يتوصلوا إلى نتيجة.
والحاصل: أن من المهم جداً أن نعرف دوائر الخطاب الديني. الأمر الثاني: لا بد أن نعرف أقسام الخطاب الديني، وهي تختلف عن دوائر الخطاب الديني. ثالثاً: توصلنا إلى كيفية الوصول إلى المعرفة الدينية، وما هي الطريقة الصحيحة لمعرفة الدين. ومن هنا، فإن جزءاً من الإشكالات على فهم النص الديني ليست إشكالات على النص الديني نفسه، بل هي إشكالات على الفهم المتخلف للنص الديني.
لأن هناك الكثير من الناس يتحدثون باسم النص الديني، وأنت ترى الآن في الحوزة بحوثاً طويلة جداً في النص الديني. وهذه التقسيمات التي ذكرناها هي بعض ما هو مطروح في فهم النص الديني، وقد بحثها متخصصون على مدى مئات السنين حتى وصلوا إلى هذه النتائج.
ولذلك الإمام الخميني[33]، عندما يتشدد في موضوع الفقه الجواهري[34]، هو لا يقول نحن نقف عند صاحب الجواهر، بل يقول لأن هناك مختصين، وصاحب الجواهر هو امتداد لحركة الاختصاص عبر التاريخ، من زمن الأئمة إلى اليوم. انتقد صاحب الجواهر، ولكن بعد أن تفهم الجواهر، لا أن تنتقده وأنت لا تعرف ماذا قال. وأنا هنا لا أريد أن أذكر أسماء. وإلى اليوم، أختم بشيء واحد: هل ضروريات الدين قابلة للنقاش أم لا؟
أنا أسأل سؤالاً، لا بأس، هو قابل للنقاش، ولكن ما هي ضروريات الدين؟ هناك الكثير من الأشياء التي نتحدث عنها ولا نعرفها، حتى أشياء بسيطة. مثال ذكرته: الحريات. ماذا تقصد بالحريات؟ قد لا تعلم ماذا يُقصد بها، لا بأس، اسمح لي، هي كلمة متداولة. ما هي الحرية؟ ماذا تقصد من الحرية؟ أولاً حدد، فمن الطبيعي في أي نقاش أن نتفق على جهة البحث، وتحرير محل النزاع.
فالحرية مثلاً ليس لها معنى واحد، والناس عندما يتداولونها لا يعرفون معانيها أصلاً، فيذهبون يتناقشون في شيء لا يعرفون معناه. أذكر مرة أن آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني[35] أورد عليه أحد التلامذة إشكالاً، فسمع الشيخ الإشكال، ورأى أن هذا التلميذ من أهل العلم، فقال له: ما زلنا مختلفين. استغرب التلميذ وقال: ما زلنا؟ فلماذا نحن مختلفون؟ فقال له الشيخ: لا، أنا بالشرق وأنت بالغرب.
نأتي إلى الحرية، الحرية مشترك لفظي. – أولاً: يقصد بها الحرية القانونية، أي حق الاختيار. وحق الاختيار قانونياً عند العقلاء في الأرض كلها قائم على المصالح والمفاسد. فلا يوجد شيء اسمه حق الاختيار بلا ضابطة. فما هي ضوابط حق الاختيار؟ فلنبحث في ضوابط حق الاختيار. هل الإنسان يفعل ما يشاء؟ وبأي ضابطة يكون هذا الفعل؟ وما هي حدود هذا المشاء؟ وما هي حدود حق الاختيار؟ نتكلم عن الحرية كقانون، ونسمي هذا القانون حكماً وضعياً، ونسميه حق الاختيار، فالحق حكم وضعي، كما يقول الإمام الخميني، وكلامه هو الصحيح في هذا الباب، وقريب منه كلام السيد الخوئي. – المعنى الآخر للحرية: هو الحرية المادية، وتعني إزالة الأغلال والقيود. فالذي يخرج من السجن يقولون عنه حر، وفي السجن يقولون أسير. هذه هي الحرية المادية. – القسم الثالث: الحرية الروحية، وهي الواردة في الحديث الشريف: «إِنَّ الْحُرَّ حُرٌّ عَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ…»[36]، أي ألا تكون مستعبداً لأحد، وألا يكون الإنسان مستعبداً.
هذه هي معاني الحرية، ولا يوجد لها معنى رابع. لكن عندما يتكلم الواحد عن الحرية، ويُسأل: ماذا تقصد من الحرية؟ يبدأ بالتلعثم. نحن نسمح لأنفسنا بكل ما نقول، وفي بلداننا كلها يقولون ذلك. يقولون: “اجلس معوجاً وتكلم مستقيماً”. أحياناً، يكون كلامنا أعوج بتعبيرنا، ونتلقى أسئلة مستقيمة. فعندما يأتي شخص ليتكلم عن الحرية وقد أثار ضجة، ثم يُسأل أسئلة بسيطة فلا يعرف شيئاً، فإنه يجب أن يتكلم وفق الضوابط. فلا يصح أن نحدث فوضى في الأمور، فوضى بأن يتكلم كل واحد ما يشاء، فيعني ذلك أننا جعلنا الأمور بلا ضابطة، إن صح التعبير. هذا ما ذكرتموه عن الضرورة الدينية.
الضرورة تنقسم إلى قسمين: ضروري ونظري. والضروري ينقسم إلى قسمين: ضرورة ذاتية وضرورة عرضية. – الضرورة الذاتية: تنقسم إلى ثلاثة أقسام: 1. الضرورة الحسية: كحرارة النار، فهي ضرورة حسية. 2. الضرورة العقلية: كامتناع اجتماع النقيضين وامتناع ارتفاعهما، فهي ضرورة عقلية. 3. الضرورة الوجدانية: كشعورك بالتعب، والراحة، والفرح، والحزن، فهذه ضرورة وجدانية. وهذه كلها ضرورات فطرية، فالإنسان مفطور على هذه الأمور الثلاثة. – القسم الثاني، الضرورة العرضية: وهي أن تكون المعلومة في حد ذاتها ليست ضرورية، ولكن عرضت عليها الضرورة. وقبل أن أذهب إلى الضرورة الدينية، أذكر أحد أنواعها وهي الضرورة العلمية. فما هي الضرورة العلمية؟ الآن كثير منا لا يستطيع أن يثبت انشطار الذرة، وأن كل شيء يتكون من الذرة، لكن انشطار الذرة ضرورة علمية. ومن الضرورات العلمية الثابتة أن الذرة تنقسم إلى إلكترون وبروتون ونيوترون ونواة. ويمكن أن يقال إن من الضرورات العلمية انشطار كل واحد من هذه الأمور. وكروية الأرض ضرورة علمية. ومن الضرورات أيضاً الحقائق التاريخية، كالدولة الأموية، والدولة العباسية، والحرب العالمية الثانية، فهذه ضرورات تاريخية. فإذن، اليوم حتى في المرض، كالإنفلونزا، صارت هناك معلومات ضرورية، لا يعرفها الطبيب فقط، بل حتى غير الطبيب يعرفها، ولكنه لا يستطيع إثباتها، لكنها عرضت عليها الضرورة فصارت ضرورية جداً.
ومن هذه الضرورات، الضرورة الدينية. ما هي الضرورة الدينية؟ قلت له: يا مولانا، حاول البعض أن يتقبله ويستوعبه. فأمسك هكذا وضرب يده على رقبته، وقال لي: يا مولانا، والله برقبتي هذا ليس مجتهداً. أنا في البداية قلت: السيد ربما يبالغ، لكن واقعاً بعد التتبع رأيت أنه لا يفهم ماذا تعني ضروريات الدين، هو لا يفهم الفكرة. ولكن بتعبير أحد أساتذتنا، السيد حسين الشاهرودي[37]، في الثمانينات كنا نحضر عنده، فقال هذه العبارة: معروف أنهم يقولون لواحد، كلما جلسوا ليقنعوه، وهو يتكلم بقوة، فقال له أحدهم: انظر، الأدلة كم عددها؟ فقال: أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل. فقال له الذي يواجهه: لا.
صحيح، الأدلة خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والعقل، والصراخ؛ والصراخ حجة أقوى من غيره. أحياناً يضع المرء له إذاعة وتلفازاً ويقوم بالحوار إعلامياً، فماذا تفعل؟ وقد قيل: بُليتُ بأحمقٍ فعجزتُ عنه؛ فلا يوجد حل.
إن النقاش العلمي أحياناً لا يصلح أن يكون إعلامياً، وعندما يُنقل النقاش إلى الفضاء الإعلامي فإنه يضحى مهزلةً، لا نقاشاً ولا بحثاً. ولو قيل لهم إنكم لم تُعطوا فرصة، فكيف تُعطى الفرصة لمن يكتفي بالصراخ؟ فهذا الميكروفون أمامه، ولا أحد يراجعه، وهو يثبت بالصخب ما يريد، وعنده مجموعة ممن يعتقدون أنهم أذكياء يتأثرون به.
وعملياً، إنك حين تريد إصلاح أمور تخصصية، فهل يصح أن يأتي من يريد إثبات مسألة طبية فيقول: تعالوا، يجب أن نقيم ندوة عامة جداً؟ إن هذا الشخص قد لا يفهم الحساب، ولا يفهم الرياضيات، ولا يفهم شيئاً أحياناً، فهل يُقال إن هؤلاء هم من يقيمون البحث؟
إن القاعدة هي أن البحوث العلمية يجب أن يقيمها أهل الاختصاص. أما أن يُلجأ إلى غير أهل الاختصاص، ويُجعلوا في مقام أهل الاختصاص، ويُناط بهم التقييم؛ فهذه إحدى المصائب التي نبتلي بها مع الأسف في هذا العصر.
أما القول بأن في القرآن اختلافاً كثيراً، فهو ليس كذلك، بل لا يوجد فيه تناقض.
ومثال ذلك: ما يُطرح حول نظرية العلامة الطباطبائي[38] في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء – 82)، من أن الآية إشارة إلى أن كل ما في القرآن مبيّن في القرآن. وهذا القول ليس بصحيح.
فها هنا قوله تعالى: ﴿…وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى…﴾ (سورة النساء – 43)، الذي يُفهم منه للوهلة الأولى سكر الخمر، بينما يقول الإمام الصادق (عليه السلام) إنه ليس سكر الخمر، بل سكر النعاس، سكر النوم.[39] فهل يصح أن يقال هنا: لا شأن لي بالإمام الصادق (عليه السلام)، ويجب ترك القرآن أولاً؟ لا، لا يُترك القرآن.
إن القرآن فيه تبيان لكل شيء، ولكنه لم يقل إن كل ما في القرآن هو تبيان لكل شيء، ففيه تبيان لكل شيء، ولكن لا دلالة في هذا، لا بالمفهوم ولا بالمنطوق، على أن كل آية دلالتها واضحة بذاتها.
فإن قيل: بل بجمع الآية مع الآيات. قلنا: ومن قال هذا الكلام حتى نبني عليه؟ هل قال الإمام الصادق (عليه السلام) هذا الشيء؟ هل قال الإمام الباقر (عليه السلام) هذا الكلام؟ هل قال أمير المؤمنين (عليه السلام) هذا الكلام؟ من قال هذا الكلام؟
إن طبيعة الأمر تقتضي وجود تناسب بين الحكم والموضوع، وهناك موضوعات لا يمكن أن يكون المقصود فيها معنى محدداً. يجب أن نتأمل ولا نتسرع في فهم الآيات، فمن آية إلى آية يختلف الوضع. هناك عبارات كالنص الصريح، وهناك عبارات ليست نصاً. فمثلاً، السكر المذكور في ولايات أهل البيت عليهم السلام مقبول فهمه على نحو أوسع، فالسكر لا يقتصر على سكر الخمر، بل يوجد سكر النعاس، وسكر الشباب، وسكر الملك، وسكر المال. فهناك شخص إذا حصل على المال يسكر، وشخص إذا أدرك شبابه يشعر بخصوصيات معينة فيحصل له سكر الشباب، وبعضهم إذا صار ملكاً أصبح سكراناً، وهذا السكر يجعله يفقد بصيرته ولا يلتفت إلى أمور معينة.
وهنا يجب أن نلاحظ وجود تناسب بين الحكم والموضوع. ومن الطبيعي أن الذي يأنس بالقواعد ويعرفها، يميز بين النصوص فيقبل بعضها ويرد بعضها، ويتعلم طريقة التعامل مع النص. ولذلك يجب أن نبحث بشكل واسع في قواعد التفسير. ومع الأسف، فإن علم الأصول يبين بعض قواعد التفسير، وليس كلها، أما بقية القواعد فيجب أن نتكلم فيها. ولذلك تشدد النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم بقوله: «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار».[40]
إن الشيخ محمد جواد البلاغي[41]، وهو المفسر العظيم الذي يقر له الجميع بتميزه في التفسير، والذي يعد تفسير البيان للسيد الخوئي[42] شرحاً لأفكاره في آلاء الرحمن، يبين أن هناك أموراً في التفسير مختصة بأهل البيت عليهم السلام، لا يستطيع المفسر أن يصل إليها، حتى على مستوى الظهور.
فإن قيل: إن الظهور القرآني حجة. قلنا: نعم، ولكن الظهور له معايير وقرائن. فمثلاً، يقول العلامة أو غيره: سياق الآية يدل على كذا. وأنا لا أقبل كلاماً مجرداً يقول “سياق الآية”، بل هناك ضوابط للسياق.
فمن ضوابط السياق التطابق بين الضمير ومرجع الضمير، وهذه قاعدة سياقية. ومثال ذلك في قوله تعالى: ﴿…إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (سورة الأحزاب – 33)، فهذه قرينة سياقية. فلا يصح أن نذكر السياق دون أن نذكر الضابطة في فهم السياق. ولذلك نجد في كثير من كتب التفسير أن المفسر يقول “والسياق يدل”، ولكن هل يكفي أن يقول المفسر “السياق”؟ لا يكفي، بل يجب أن نرى ما هي ضابطة السياق، وما هي القواعد التي تتحدد من خلالها دلالات السياق.
إن تفسير القرآن بالقرآن يتم وفق القاعدة، وليس تفسيراً عشوائياً. فهو في الواقع تطبيق لقاعدة تقديم الأظهر على الظاهر، وقاعدة تقديم النص على الظاهر. فإذا كانت هناك قرينة من آية معينة، نستدل بها. أما إذا كانت الآية ليس لها قرينية، فلا يصح الاستدلال بها بحجة “تفسير القرآن بالقرآن”. فلا بد أن ننظر في ضوابط الدلالة.
ومثال آخر: في آية الوضوء، يقول العلامة الطباطبائي رضوان الله تعالى عليه إن آية الوضوء بالروايات تدل على المسح، لكن الرجوع إلى الروايات في فهم دلالة الآية خارج عن علم التفسير.
والجواب على ذلك: أن هذا القول يخلق مشكلة في التفسير؛ لأنه بناءً عليه، يتحدد بالتفسير الدلالة الاستعمالية فقط، وليس المراد الجدي، لأن الدلالة على المراد الجدي لا تُفهم إلا بالرجوع إلى الروايات. فعندما تقول إن هذا خارج عن التفسير، فأنت قد أحدثت مشكلة في مفهوم التفسير نفسه. وهذا مبحوث في مظانه، وسترون أنه لا قائل بهذا الكلام على إطلاقه. فإننا هنا في الحوزة، لا يمكن أن نأخذ كلام العلامة تعبداً، ولا كلام أي أحد آخر تعبداً، وإنما يجب أن ننظر إلى الدليل وحدود دائرة الدليل.
سؤال آخر: يطرح البعض فكرة أنه في زمن الغيبة هناك رأيان: الأول حرمة القيام، والآخر يقول بالجواز مع رجوع كل شخص إلى مرجع تقليده. وهذا الموضوع يندرج في ولاية الفقيه. ألا يكون هناك تعارض بين الفهمين؟ ألا يسبب هذا حرجاً في المجتمع وضعفاً للمؤمنين؟
الجواب: أني أذكر هنا شيئاً نقله السيد حسن نصر الله حفظه الله، حيث يقول إن أحد الشخصيات جاءه من إخواننا المتشيعين فقال له: يا مولاي، الذي ينكر ولاية الفقيه يجب أن ينكر الإمامة. قلت له: كيف؟ قال: الذي ينكر الإمامة يقول إن النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم ترك الأمة وقال لهم: دبروا حالكم. أليس كذلك؟ والذي ينكر ولاية الفقيه هو أيضاً يقول إن صاحب الزمان سلام الله عليه غاب عن الشيعة وقال لهم: دبروا حالكم. الإشكال هو الإشكال. يقول سماحة السيد: فكرت في الاستدلال، فرأيته استدلالاً قوياً ومحكماً.
إن الخلاف في البديهيات لا يعني أنه يؤدي إلى الفوضى، فهذا موجود على طول التاريخ.
والسؤال الآن: في زمن الغيبة، هل الإمام المعصوم يتكلم بصفته مبيناً للحكم أم بصفته حاكماً؟ هناك فرق؛ فمرات يكون الإمام في مقام الحكم فيُؤخذ بالقدر المتيقن من كلامه، ومرات يكون في مقام البيان. فللإمام صفتان: صفة الحاكم وصفة المبين. وهذا أمر مهم أنصح بقراءة ما كتبه السيد الشهيد الصدر[43] في كتاب “اخترنا لك”، حيث يبين أنه لم يُلتفت بما يكفي إلى شخصية النبي أو الإمام كحاكم. فلا بد أن أرى بأي صفة كان الإمام يتكلم، وهل للصفة التي تكلم على أساسها مدخلية في دلالة كلامه أم لا.
يبيّن أنه لم يُلتفت إلى شخصية النبي أو الإمام أو المعصوم بما هو حاكم، فيجب النظر في الصفة التي كان الإمام يتكلم بها، وهل للصفة التي تكلم على أساسها مدخلية في دلالة كلامه أم لا؟ هذا هو الأمر الأول.
ثانياً: نحن عدلية، ومقتضى كوننا عدلية هو القول بأن الله عز وجل لا يمكن أن يصدر منه الظلم، ولا يمكن أن يرضى بالظلم، ولا يمكن أن يرضى بعدم العدل، ولا يمكن ألّا يكون عادلاً.
سؤال: في زمن الغيبة، هل يمكن لله أن يمنع من إقامة العدل وفقاً لمبانينا الكلامية نحن العدلية؟ وهل يمكن لله عز وجل أن يقول: أنتم في زمن الغيبة لستم ملزمين بالعدل؟
فإذا قُبل هذا، لزم القول بأن الله يقبل تعطيل العدل في كل الأزمنة، وذلك لأن الوقوع دليل الإمكان، وأكبر دليل على الإمكان هو الوقوع. فإذا جاز تعطيل العدل في زمن الغيبة، جاز تعطيله حتى يوم القيامة، وهذا يعني أن الله قد رضي بأن لا يُقام العدل ولا تُواجه المظالم لأكثر من ألف سنة. وعلى هذا الأساس، فإن كل ما أسسناه في مبحث العدل الإلهي ينهدم، ويجب أن نعترف بأن نظريتنا في العدل نظرية غير صحيحة.
ولكن وضع مجتمعاتنا الإسلامية بشكل عام، ومجامعنا العلمية على وجه الخصوص، جعل هذا الموضوع بعيداً عن الأذهان، حتى لقد عاد اليوم بحاجة إلى برهان. إن وجوب إقامة العدل ومواجهة الظلم ثابت بحكم العقل، وهو من أصول العقيدة عندنا. وقد نُقل عن بعض الأعلام ما مضمونه أنه لو قامت مئة رواية صحيحة على خلاف ذلك لما أمكن قبولها، لأنها تخالف ضروريات الدين.
فإن قيل: إن المكلف يتبع مرجعه في هذه المسائل ولا شأن له بها. قلنا: إن للتقليد حدوداً، فالعقائد لا تقليد فيها. وهذه الأمور لها علاقة مباشرة بالعقيدة، وبمفهوم العدل والظلم، وبمسلّمات المذهب، بل هي مما اتفق عليه الإمامية بالضرورة، لا بمجرد الإجماع.
وفي هذا السياق، قرأت كلاماً للسيد أحمد الخميني[44] في كتابه الإمام قدوة، يقول فيه ما حاصله: إن الإله الذي يقبل بالظلم لا يقبله الناس إلهاً، فهذا ليس بإله.[45]
فهل يُعقل أن يكون الله عادلاً ثم يقبل بالظلم؟ وهل يُعقل أن يقبل بعدم إقامة العدل؟ إن هذا يعني أن كل ما بحثناه في علم الكلام لا قيمة له، فلا يجوز التقليد في علم الكلام كما هو مقرر في محله، وهذه المسائل من الشأن العام الذي لا يدخل في دائرة التقليد. بل يجب هنا رفع مستوى وعي الناس في هذه الأمور، وهذه مسألة فكرية أشار إليها الشهيد الصدر.[46]
فبعض العلماء الذين قالوا بعدم حجية ظواهر القرآن وعطّلوا الاستفادة منه، لو سُكت عنهم لكانت مفسدة عظيمة لا يمكن القبول بها، وهي مفسدة تعطيل القرآن وعدم السعي لفهمه. ولذلك اعتبر علماؤنا هذا القول من أكبر المفاسد التي روّجت لها بعض المدارس، والتي لا يمكن قبولها.
وهناك كثير من الأمور التي ادُّعيت في هذا المجال. ومثال ذلك: ما ادعاه البعض من أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لا يمكن الاستناد إليها في إثبات شرعية أي حركة إسلامية، بدعوى أنها كانت تكليفاً خاصاً استثنائياً لن يتكرر في التاريخ. وهذا القول مردود، فهل يتوقف دين الله عند فهم هذا الشخص أو ذاك؟ والحق ليس كذلك، فقد قدم الفقهاء دماءهم عبر التاريخ لإقامة الدين.
ومن الشواهد على ذلك فتوى المرجع الأعلى للطائفة، سماحة آية الله العظمى السيد الخوئي قدس سره، [47] التي أصدرها للشعب الإيراني في بداية الثورة بوجوب انتخاب نظام الجمهورية الإسلامية القائم على ولاية الفقيه. ولكن البعض يحاول الاصطياد في الماء العكر واقعاً.
تنبيه مهم
أرقام الصفحات وأرقام الأحاديث في جميع المصادر الواردة في الهوامش يجب مراجعتها وضبطها مع النسخ المطبوعة.
[1] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403هـ، ج 45، ص 51.
[2] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407هـ، ج 1، ص 23، باب “ما كلم به رسول الله (ص) العباد”، ح 15.
[3] هو السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[4] الخميني، روح الله. مصباح الهداية إلى الخلافة والولاية. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1430هـ، ص 217-218.
[5] هو محمد باقر الحسيني الاسترآبادي، المعروف بالمير الداماد (ت 1041هـ)، فيلسوف من كبار حكماء المدرسة الأصفهانية.
[6] المصدر نفسه. ج 1، ص 401، باب “فيما جاء أن حديثهم صعب مستصعب”، ح 1.
[7] هو عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي (ت 911هـ)، مؤرخ ومحدث ومفسر وفقيه شافعي غزير الإنتاج.
[8] هو عبد الرحمن بن محمد ابن خلدون (ت 808هـ)، مؤرخ وعالم اجتماع ومؤسس علم العمران.
[9] هو عبد الوهاب بن أحمد الشعراني (ت 973هـ)، من أعلام الصوفية في مصر.
[10] الكشف في المصطلح العرفاني: هو الاطلاع على ما وراء الحجاب من المعاني الغيبية والأمور الحقيقية، وهو مرتبة من مراتب المعرفة القلبية.
[11] هو الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي (ت 1442هـ)، فيلسوف وفقيه إيراني معاصر.
[12] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 2، ص 86، باب “الاقتصاد في العبادة”، ح 1.
[13] هو صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي، المعروف بملا صدرا (ت 1050هـ)، فيلسوف إسلامي شيعي، ومؤسس مدرسة الحكمة المتعالية.
[14] وهي قاعدة أصولية كلامية مفادها أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقاتها، سواء أدركها العقل أم لم يدركها.
[15] هو روح الله بن مصطفى الموسوي الخميني (1320-1409هـ)، مرجع ديني وفيلسوف وقائد الثورة الإسلامية في إيران.
[16] يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب الأصول، مبحث مقدمة الواجب، ومبحث دلالة الأمر والنهي.
[17] هو محمد جواد بن حسن البلاغي النجفي (1282-1352هـ)، من كبار علماء الشيعة ومفسريهم ومتكلميهم في القرن الرابع عشر الهجري.
[18] هو محمد تقي مصباح اليزدي (1353-1442هـ)، فيلسوف ومفكر إسلامي إيراني ومن أبرز تلامذة العلامة الطباطبائي.
[19] الحكم بن عتيبة (ت 115هـ) وسلمة بن كهيل (ت 121هـ)، من فقهاء الكوفة في عصرهما.
[20] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 399، باب “أنّه ليس مع أحد من الناس حقّ ولا صواب ولا أحد من الناس يقضي بقضاء حقّ إلّا ما خرج من أهل البيت”، ح 1. النص في المصدر: “شَرِّقَا وَغَرِّبَا فَلَنْ تَجِدَا عِلْماً صَحِيحاً إِلَّا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ”. تم إثبات النص كما ورد في المحاضرة للإشارة إلى المعنى المقصود.
[21] هو محمد حسين بن محمد الطباطبائي (1321-1401هـ)، فيلسوف ومفسّر وفقيه وأصولي، وصاحب تفسير الميزان في تفسير القرآن.
[22] هو أبو علي أحمد بن محمد بن يعقوب مسكويه (ت 421هـ)، مؤرخ وفيلسوف وشاعر، من أشهر كتبه تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق.
[23] فيلسوف يوناني كلاسيكي (ت 348/347 ق.م)، يعدّ شخصية محورية في تاريخ الفلسفة القديمة.
[24] هو صدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي (ت 1050هـ)، المعروف بصدر المتألهين، فيلسوف إسلامي ومؤسس مدرسة الحكمة المتعالية.
[25] هو محمد كاظم الخراساني (1255-1329هـ)، المعروف بالآخوند، من كبار فقهاء الأصول في القرن الرابع عشر الهجري، وصاحب كتاب كفاية الأصول.
[26] لم يتسنَّ تحديد هوية العلم المذكور بدقة.
[27] هو الشيخ مرتضى بن محمد أمين الأنصاري (ت 1281هـ)، من أعاظم فقهاء الإمامية في القرن الثالث عشر الهجري، ويلقب بـ«خاتم الفقهاء والمجتهدين».
[28] راجع: الأنصاري، مرتضى. كتاب المكاسب. ط1، مجمع الفكر الإسلامي، 1418هـ، ج 3، ص 555، في مبحث ولاية الفقيه.
[29] هو السيد أبو القاسم بن علي أكبر الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، مرجع ديني شيعي، ومن أبرز علماء الفقه والأصول في القرن العشرين.
[30] يراجع تفصيل هذا المبحث في كتب الأصول، باب الاجتهاد والتقليد.
[31] هو السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي (ت 1337هـ)، صاحب الموسوعة الفقهية الشهيرة «العروة الوثقى».
[32] البقرة: 189.
[33] هو السيد روح الله الموسوي الخميني (ت 1409هـ)، قائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس الجمهورية الإسلامية.
[34] مصطلح يشير إلى المنهجية الفقهية المتبعة في كتاب «جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام» للشيخ محمد حسن النجفي (ت 1266هـ)، والتي تتميز بالاستيعاب والتحقيق العميق للأدلة.
[35] هو الشيخ حسين الوحيد الخراساني (ولد 1339هـ)، من مراجع التقليد الشيعة المعاصرين في مدينة قم.
[36] الحراني، ابن شعبة. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليه وعليهم. تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص 249.
[37] من العلماء والمدرسين في الحوزة العلمية.
[38] هو السيد محمد حسين الطباطبائي (ت 1402هـ)، فيلسوف ومفسر، وصاحب تفسير الميزان في تفسير القرآن.
[39] العياشي، محمد بن مسعود. تفسير العياشي. تحقيق هاشم الرسولي المحلاتي، المكتبة العلمية الإسلامية، 1380 هـ، ج 1، ص 242، ح 148.
[40] الصدوق، محمد بن علي. عيون أخبار الرضا (عليه السلام). تحقيق حسين الأعلمي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1404 هـ، ج 2، ص 27، ح 1.
[41] هو الشيخ محمد جواد بن حسن البلاغي (ت 1352هـ)، من كبار علماء الشيعة ومفسريهم، وصاحب تفسير آلاء الرحمن في تفسير القرآن.
[42] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، مرجع ديني كبير ومن أبرز فقهاء الشيعة في العصر الحديث.
[43] هو السيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ)، مرجع ومفكر إسلامي، ومن أبرز مجددي الفكر الديني في القرن العشرين.
[44] هو السيد أحمد الخميني (ت 1415هـ)، نجل الإمام الخميني.
[45] لم يُعثر على النص بهذا اللفظ الدقيق في المصادر المتاحة من الكتاب، ولكن المضمون ينسجم مع فكر المؤلف العام.
[46] المراد به السيد محمد باقر الصدر (ت 1400هـ)، من كبار فلاسفة ومفكري ومراجع الشيعة في القرن العشرين.
[47] هو السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي (ت 1413هـ)، من أبرز مراجع الشيعة في القرن العشرين.