» الملتقی الأسبوعي » تطبيقات في حرمة التسبيب إلى الحرام
الملتقی الأسبوعي - الملتقی الأسبوعي - جلسات فردیة

تطبيقات في حرمة التسبيب إلى الحرام

15 نوفمبر, 2023 30169

تطبيقات في حرمة التسبيب إلى الحرام

بمشاركة:
سماحة الشيخ عيسى الجزيزي “حفظه الله”

التغطية المصورة:

التغطية الصوتیة:

 

عقد منتدى السيده المعصومة الثقافي ملتقاه الأسبوعي ليلة الخميس بتاريخ ١٥ نوفمبر ٢٠٢٣ مع ضيفه سماحة الشيخ عيسى الجزيري والذي تحدث عن جملة من تطبيقات قاعدة حرمة التسبيب للحرام وهنا نص ما طرحه سماحته:

المبحث الأول: تمهيد

النقطة الأولى:

 بيان بعض المفردات

المفردة الأولى: القاعدة.

وهي في اللغة الأصل والأساس، كما في تهذيب اللغة للأزهري([1]) قال في لسان العرب ” والقاعدة أصل الأس، والقواعد: الأساس، وقواعد البيت أساسه، وفي التنزيل(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)([2]) قال الزجاج: القواعد أساطين البناء التي تعتمده”([3]).

وأما في الاصطلاح فهي الكليّ الذي الذي ينطبق على جزئياته، قال في المصباح: “والقاعدة في الاصطلاح بمعنى الضابط وهي الأمر الكلي المنطبق على جميع جزئياته”([4]). وفي إيضاح الفوائد لفخر المحققين “والقواعد جمع قاعدة، وهي أمر كلي يبنى عليه غيره ويستفاد حكم غيره منه، فهي كالكلي لجزئياته والأصل لفروعه”([5]).

المفردة الثانية: التسبيب.

أما في اللغة فهي من السبب، قال في العين” سبب الأمر الذي يوصل به، وكل فصل يوصل بشيئ فهو سبب”([6])، وقال في لسان العرب ” كلُّ شيءٍ يُتَوَصَّلُ بِهِ إِلى غَيْرِهِ؛ وَقَدْ تَسَبَّبَ إِليه، والجمعُ أَسْبابٌ؛ وكلُّ شيءٍ يُتَوصّلُ بِهِ إِلى الشيءِ، فَهُوَ سَبَبٌ ([7]). فالتسبيب هو مطلق الوسيلة لتحقيق أمر آخر، فيشمل استعماله بالمعنى المصدري( سبّب تسبيباً) وكذلك استعماله بمعى الآلة بحيث يكون الشيء بحالة يربط فيها بين أمرين بحيث يكون سبباً للاتصال بينهما.

وأما التسبيب في الاصطلاح فقد تعددت التعاريف في كلمات الفقهاء، فقد ذكر في الشرائع “إنّ التسبيب هو ما لولاه لما حصل التلف، لكن علّة التلف غيره كحفر البئر ونصب السكين وإلقاء الحجر([8])، وفي موضع آخر قال: “إنّ التسبيب هو كلّ فعل يحصل التلف بسببه كحفر البئر في غير الملك ‌وطرح المعاثر في المسالك([9]).

ويقابل التسبيب المباشرة.

وذكر السيد الحكيم في المستمسك فرقاً بين التسبّب والتسبيب فقال: ” التسبب إلى الشيء عبارة عن فعل الشيء بواسطة السبب، فيعتبر فيه القصد الى المسبب، بخلاف التسبيب، فإنه مجرد فعل السبب، و لو مع الغفلة عن ترتب المسبب عليه([10]).

من خلال استعراض الكلمات المتقدمة لتعريف التسبيب، تجد أنّ تعريف التسبيب يتأثر بنحو البحث الذي يبحث فيه عن حكم التسبيب، فتارة يكون البحث عن الحكم التكليفي للتسبيب كالتسبيب لشرب المائع النجس وفعل المحرم الواقعي- وهو موضوع هذا البحث- وأخرى عن الحكم الوضعي كمسائل ضمان ما يتلف بالتسبيب.

والحاصل أنّ للتسبيب ركنين:

المفردة الثالثة: الحرام.

فهو في اللغة من حرم بمعنى المنع، قال في تهذيب اللغة “قال الليث : والحرام : ما حرَّمه الله ، والحُرْمَةُ ما لا يَحِلُّ لك انتهاكُه.”([11]) وكذلك في العين([12]). وفي الاصطلاح “القبيح الذي منع منه بالزجر”([13])، وفي القاموس الفقهي “الحرام هو الحكم الذي لا يجوز فعله قبال الوجوب”([14]).

والحرمة على أقسام ثلاثة:

حرمة تشريعية إنشائية: وهي التي لم يتحقق موضوعها في الخارج.

حرمة فعلية:وهي التي تحقق موضوعها في الخارج ولكن لم يصل لمرحلة التنجز لجهل المكلف.

حرمة تنجيزية: وهي التي تحقق موضوعها وجميع شرائطها.

النقطة الثانية: الفرق بين قاعدة التسبيب إلى الحرام وغيرها من القواعد المشابهة.

أولاً: الفرق بين قاعدة التسبيب إلى الحرام وبين قاعدة حرمة الإعانة على الإثم.

وحاصل الفرق بين القاعدتين يكمن في علم المباشر من عدمه بحرمة ما يفعله، فإنه في قاعدة الإعانة على الإثم يكون أحدهما معيناً للمباشر للحرام، فيهيئ المقدمات له لارتكاب الحرام، مع علمهما بحرمة هذا الفعل، كأن يعلما بأن السرقة حرام، وتكون مهمة الأول هي إيجاد مقدمات السرقة فقط من دون تدخله في فعل السرقة، والآخر يباشر عملية السرقة.

وأما قاعدة التسبيب إلى الحرام الواقعي فإنّ أحدهما- المسبّب- يعلم بحرمة الفعل دون المباشر للحرام وله دخل في صدور الحرام من المباشر، كمن يسقي غيره ماءً نجساً من دون أن يعلم الآخر بنجاسة هذا الماء وحرمة شربه.

ثانياً: الفرق بين قاعدة التسبيب إلى الحرام وبين التعاون على الإثم.

أمّا قاعدة حرمة التعاون على الإثم فالمراد منها اجتماع اثنين أو أكثر على ارتكاب الفعل المحرم، كما في اجتماع أكثر من فرد على قتل مؤمن أو سرقة دار أو غير ذلك مما يكون فيه كل بعض معيناً للبعض الآخر في صدور ذلك الفعل المحرّم، فكلاهما يصدق عليه مباشر للفعل الحرام.

أمّا قاعدة التسبيب إلى الحرام التكليفي فلا يوجد تعاون على صدور الحرام، وإنما يصدر الفعل المحرم من أحدهما فقط وهو المباشر لارتكاب الحرام من دون علمه بحرمة ما يفعله، والآخر- المسبّب- لم يشاركه في ذلك،

نعم المسبّب هيّأ المقدمات أو أوجد الداعي ورغب المعصية في نفس المباشر، كما لو جاء له بالخشب ليصنع صليباً أو يصور إنسان مثلاً، والآخر هو الذي باشر عملية التصوير والنحت، من دون علم المباشر بحرمة التصوير.

نعم هناك بعض القواعد الأخرى شبيهة بقاعدة التسبيب إلى الحرام، ولكنّها قواعد للحرام الوضعي لا التكليفي كقاعدة الاتلاف والضمان والغرور، والبحث حول التسبيب إلى الحرام التكليفي الواقعي لا الوضعي.

النقطة الثالثة: بيان مقتضى الأصلين اللفظي والعملي

مقتضى الأصل اللفظي.

ويتصور البحث هنا فيما لو كان في البين إطلاق، كما لو ورد نهي عن التصوير فعن محمد بن مسلم عن علي o قال : (إيّاكم وعمل الصور)([15])، فحينها يُسأل: هل الإطلاق يقتضي التوصلية- كفاية التسبيب- أم التعبدية والاقتصار على المباشرة. وهنا توجد احتمالات بل أقوال ثلاثة:

القول الأول: لا يوجد أصل لفظي يقتضي المباشرة أو التسبيب؛ ” لأن دليل الحكم لا نظر له لهذه الجهة كي تنفى بالإطلاق أو لا تنفى”([16])، فدليل الحكم ليس له نظر إلى أن الغرض الباعث للأمر هل يتحقق بمطلق صدور الفعل ولو بالتسبيب فيسقط الأمر به، أو لا يتحقق فلا يسقط الأمر به؟ وإذا لم يكن له نظر فلا يتحقق الإطلاق للدليل لكي يرجع إليه في المقام- حيث إن فرض الكلام وجود إطلاق ليستفاد منه مقتضى الأصل اللفظي-  ويكون المرجع حينها إلى مقتضى الأصل العملي. وهذا ما ذهب إليه صاحب المنتقى¤.

القول الثاني: القول بالتفصيل بين الأفعال الصدورية والأفعال الحلولية،

  • فالأفعال الصدورية-كما في تجهيز الميت والعقود والإيقاعات- التي صح انتسابها إلى الغير، يكون الأصل فيها التوصلية وعدم اشتراط المباشرة؛ لأن مقتضى إطلاق المادة هو الشمول للحصة المباشرية والتسبيبية، فتكون النسبة الصدورية محفوظة في الفعل الصادر بالتسبيب فضلاً عما يصدر بالمباشرة،  فيصدق مثلاً على من سبّب للقتل أنه قاتل؛ لأن مادة القتل تشمل بإطلاقها القاتل المباشر والمسبب للقتل أيضاً.
  • وأما الأفعال الحلولية- الصلاة والطواف والصوم- التي لا يصح نسبتها لغير فاعلها، فالأصل فيها المباشرة؛ لأن العرف يرى استناد الفعل إليه ومعلولاً له. بل إنّ المادة- مادة المأمور به أو المنهي عنه- ليس لها إطلاق لتشمل فعل الغير المسبّب للصلاة أو المسبّب لتصوير ذي الروح، فلا يقال عرفاً لمن سبّب لغيره أن يصلي أو يطوف أنه هو المصلي والطائف. وهذا ما ذهب إليه السيد الشهيد الصدر¤([17]).

القول الثالث: القول بحرمة الأعم من المباشرة والتسبيب؛ لأنّ مقتضى كون المتكلم في مقام البيان ولم ينصب قرينة هو اللابشرط من جهة المباشرة وعدمها فيشمل التسبيب، فلو نهى المولى عن التصوير فهنا مقتضى عدم تقييده بالمباشرة إرادته الأعم بما يشمل التسبيب، وهذا ما نسب إلى المشهور([18]).

مقتضى الأصل العملي.

يمكن تصوير الأصل العملي بلحاظ المبادئ وبلحاظ الجعل.

أما بلحاظ المبادئ فقد يقال: هناك علم بوجود ملاك لزومي للمولى بترك الحرم، فهنا هل يتحقق هذا الملاك فقط بالترك المباشري أو بالأعم بحيث يشمل التسبيبي؟ فيقال بأن الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

ويتأمل فيه أن الشك في حدود دائرة الغرض والأرادة التي دخلت في العهدة، فهل هي سنخ إرادة واسعة أم ضيقة، فإن كانت واسعة فإنها تشمل حرمة التسبيب، وإن كانت ضيقة فإنها تختص بالمباشرة، فالشك حينئذ في سعة دائرة الغرض والجاري هو استصحاب عدم سعة الغرض.

وأما بلحاظ التكليف فالجاري هو البراءة عن التسبيب إلى الحرام كما هو واضح، وبهذا صرح السيد السبزواري في تهذيبه ” ثمَّ‌ إنّ‌ مقتضى أصالة البراءة عدم حرمة التسبيب إلى حرمة أكل النجس، أو شربه، لكونه من الشبهة التكليفية التحريمية، و قد ثبت كونها من مجاري البراءة”([19])،ـ وكذلك الشيخ الآملي في مصباح الهدى([20]).

النقطة الرابعة: تحرير محل البحث.

عند تتبع مفردة (التسبيب) في كلمات الأعلام تجد أنّهم استعملوها بمعنين مختلفين:

المعنى الأول: عند الحديث عن التسبيب إلى الحرام الواقعي، وأنه هل يحرم تكليفاً أم لا؟ كالبحث عن مسائل سقي المتنجس أو الخمر أو التسبيب إلى قتل النفس أو سفك الدم الحرام، وهذا عادة ما يطرح في بعض بحوث العبادات كباب التقليد أو الطهارة في بحث النجاسات، أو بحث المكاسب المحرمة في التسبيب إلى التصوير المحرم مثلاً.وموضوع البحث حول التسبيب بهذا المعنى.

المعنى الثاني: عند الحديث عن التسبيب إلى إضرار المكلف بغيره، فهل يوجب ذلك الضمان أم لا؟ فهنا البحث عن حكم التسبيب من ناحية وضعية لا تكليفية، كما في باب الضمان والديات، فعندما يسبّب أحدهم في إضرار غيره بحفر حفرة أو وضع حجر بحيث يتعثر الأخر بها، فهل يجب عليه ضمان جرحه أم لا؟

وليس هذا المعنى هو موضوع البحث.

المبحث الثاني: تطبيقات للقاعدة

ذكرت جملة من المسائل الفقهية في كتب الأعلام اختلف العلماء في اندراجها تحت قاعدة التسبيب إلى الحرام، منها.

المسألة الأولى: مسألة إعلام الجاهل.

فهل يعتبر عدم إعلام الجاهل- بالخطأ في الفتوى أو عدم إعلام الضيف بنجاسة الفراش نجاسة مسرية، أو عدم إعلام المأموم إمام الجماعة بنجاسة في ثوبه، أو بتنجس الدهن- من التسبيب إلى وقوع المباشر في الحرام الواقعي؟

والمستفاد من كلمات العلماء أن تعليم الجاهل يبحث من جهتين:

الجهة الأولى: من جهة تعليم المقدار الواجب من المعارف الإلهية كأصول العقيدة وبعض المسائل الفقهية الأساسية التي يحرم أخذ الأجرة عليها كمسائل الحلال والحرام وبعض مسائل الطهارة والصلاة.

قال الشهيد الأوّل في الدروس: «و من الواجب الذي يحرم أخذ الاُجرة عليه تعليم الواجب – عيناً أو كفاية – من القرآن العزيز و الفقه و الإرشاد إلى المعارف الإلهية بطريق التنبيه»([21])

الجهة الثانية: تعليم الجاهل بموضوعات الأحكام كما في من رأى غيره يتوضأ بالماء النجس أو يصلي بالثوب النجس، وهنا اختلف العلماء على قولين:

القول الأول: وجوب الإعلام، وهو ما صرح به العلامة في أجوبة المسائل المهنّائية([22])  ونسبه صاحب المعالم إلى بعض الأصحاب([23]).

القول الثاني: عدم الوجوب، وهو ما صرح به جملة من الأعلام كصاحب الحدائق([24])  وسيد العروة([25])    وصاحب المستمسك([26])  والسيد الخوئي في تنقيحه([27]).

نعم، استثني من ذلك جملة من الأمور المهمة التي لا يرضى الشارع بالتفريط فيها ولو من غير الجاهل كما في النفوس والأعراض والأموال الخطيرة، فلو أراد شخص قتل آخر باعتقاد أنه سبع أو كافر، أو أراد الزواج بأخته مثلاً جهلاً منه، أو أراد إتلاف مال غيره باعتقاد أنه مال حربي وهو ليس كذلك هنا وجب الإعلام لسد باب وقوع الحرام ولو من باب التسبيب إليه.

والموجب إلى البحث حول وجوب الإعلام من عدمه أن تركه هل يوجب الوقوع في الحرام التكليفي أم لا؟

فمن يذهب إلى أنها مقدمة للحرام التكليفي ويرى حرمة التسبيب إلى الحرام يذهب إلى وجوب الإعلام، ومن لا يرى حرمة التسبيب إلى الحرام يذهب إلى عدم وجوب الإعلام.

وتفصيل ذلك ببيان بعض موارد المسألة.

المورد الأول: إعلام الجاهل بخطأ بيان الفقيه أو الناقل للفتوى، فهنا عدة أقوال:

القول الأول: وجوب الإعلام مطلقاً، وهو ما ذهب إليه في مهذب الأحكام([28])، مستدلاً على ذلك بجملة أدلة منها أنه من موارد التسبيب إلى المبغوض وهو مبغوض شرعاً وعقلاً، بلا فرق بين الناقل والمفتي، ووافقه عليه السيد المرعشي([29]).

القول الثاني: عدم وجوب الإعلام، وهو ما ذهب إليه السيد تقي القمي([30])؛ لعدم الدليل على الوجوب، وما استفيد من أدلة قاعدة التسبيب- التي ذكرها السيد الخوئي في المقام- لا بيّنة عليه ولا يجزم به. بل قد يقال لا يحرز التسبيب إلا بإحراز الفقيه أو الناقل عمل المكلف بهذه الفتوى وهذا مما يصعب عادة.

القول الثالث: التفصيل بين حالتين، وهو ما ذهب إليه السيد الخوئي([31])، والشريعتمداري([32]).

الحالة الأولى: إذا كان رأي الفقيه الحرمة في المسألة، ولكنه اشتبه وقال بالجواز أو نقل غيره عنه الحكم بالجواز كذلك، كما لو سئل عن حكم العصير العنبي بعد غليانه وعدم ذهاب ثلثيه وأجاب بحليته وجواز شربه خطأً مع كون ما توصل إليه من رأي هو الحرمة.

الحكم هنا وجوب الإعلام عليه؛ لأنه بذلك يكون قد سبّب لوقوع غيره في الحرام الواقعي- بمعنى أنه ترك واجباً أو فعل حراماً- وهذا مما حرمه الشارع إذ لا فرق في حرمة صدور الحرام بين المباشر والمسبّب، فالمدار على انتساب الفعل الحرام إلى الفاعل([33]). فهذه الحالة داخلة تحت كبرى حرمة التسبيب إلى الحرام.

ولا تقل أن هذه الحالة لا يجب الإعلام فيها؛ لأنّه من قبيل الإعلام بالموضوعات التي لا يجب فيها الإعلام.

لأنه يقال: بأن الناقل للفتوى فضلاً عن الفقيه بمنزلة الراوي للحكم لا للموضوع، وعدم إعلامه إغراء بالقبيح وتسبيب للحرام.

الحالة الثانية: إذا كان رأي الفقيه هو الإباحة، ولكنه اشتبه وقال بالحرمة أو الوجوب، أو نقل غيره ذلك اشتباهاً عنه، كما لو سئل عن الانتفاع بالميتة- لا بيعها- فأفتى أو نقل عنه الحرمة اشتباهاً، مع أنّ رأيه الجواز.

وحكم هذه الحالة عدم وجوب الإعلام؛ لأنه بذلك لن يسبّب إلى وقوع غيره في الحرام؛ إذا أنّ الحكم الصحيح هو الإباحة وما ذكره موافق للاحتياط، فلا تجري أدلة حرمة التسبيب في المقام ليقال بوجوب الإعلام([34]).

والمقصود من الإعلام هنا جعل الفتوى الصحيحة في معرض الوصول لا إيصالها إلى آحاد المكلفين.

المورد الثاني: إعلام الضيف بنجاسة الفراش نجاسة مسرية.

فلو أذِن صاحب الدار لضيفه الجلوس في داره، وكان الفراش نجساً بحيث تسري النجاسة إلى ثوب الضيف عند جلوسه عليه، فهل يجب عليه في هذه الحالة إعلام الضيف بوجود النجاسة المسرية أم لا؟

وهنا صورتان: الصورة الأولى فيما لو كان الفرش بتمامه نجساً، فهنا يجب عليه إعلام الضيف بالنجاسة؛ لأنّ ترك الإعلام يعد تسبيباً لمباشرة الضيف للنجاسة المسرية، فتشمله كبرى حرمة التسبيب.

الصورة الثانية: فيما لو كانت النجاسة في جزء من الفراش، هما احتمالان:

الأول: يجب عليه أن يعلمه بنجاسة الفراش حال إذنه؛ لأنّ الإذن بمثابة السبب للجلوس على النجاسة المسرية، حيث إنه- وإن لم يأذن له بالجلوس على خصوص المحل النجس إلا أنه- أذن له بجامع الجلوس الشامل لهذه الصورة؛ حيث يصدق على أي جلوس له على أي قسم من الفراش أنّه مأذون له في الجلوس عليه، ومع عدم الإعلام حال الإذن يكون قد سبّب لتنجس ثوبه، وهذا من التسبيب المحرم([35]).

إن قلت: بأن مصب الإذن هو الجامع بين النجس والطاهر، وليس الفرد النجس هو مصب الإذن، والعقل يحكم بالفرق بين الجامع وبين الفرد النجس، وعليه لا يكون الإذن في الجامع مما يصدق عليه التسبيب إلى الحرام؛ لأنّ جلوسه حينئذ لن يستند إلى الإذن بالجامع، وعليه لا يجب الإعلام.

قالوا: يكفي أن يسند الجلوس إلى الإذن المذكور عرفاً، حيث يرى العرف كفاية هذا الإذن، والمدار على العرف في صدق الإذن لا العقل، وهذا كاف في صدق التسبيب المحرم. ولهذا قال الآملي في مصباح الهدى ” و لو منع عن استناد الفرد الى الاذن بالجلوس على الجامع عقلا فلا إشكال في استناده اليه عرفا و هو كاف في صدق التسبيب إذ المناط في صدقه هو حكم العرف”([36]).

وهذا ما قوّاه صاحب العروة([37]) وكذلك الآملي مي مصباح الهدى([38]) .

الاحتمال الثاني: لا يجب عليه إعلامه بنجاسة الفراش؛ لأنّ الإذن بجامع الجلوس ليس هو السبب لانتقال النجاسة إلى ثوب الضيف، لعدم الملازمة بين الإذن وبين الجلوس على خصوص المكان النجس، وليس الإذن منحصراً بهذه الحصة من الجلوس لتدّعى السبيبة بينهما، فالضيف مباح له الجلوس في المكان الطاهر من الفراش، بل السبب هو اعتماد الضيف على ترخيص الشارع له باستعمال الفراش، ولا يُحرز استناد انتقال النجاسة إلى إذن المالك.

ولهذا تنظّر جماعة في قوة القول بالوجوب- كالمحقق العقراقي¤ مدعياً عدم الدليل على وجوب الإعلام مع عدم تسبيب المالك لمباشرة النجاسة([39])- بل منعه جماعة كالمحققين النائيني والاصفهاني([40]).

نعم، لو كانت مباشرة الضيف للنجاسة بتسبيب من المالك وجب الإعلام.

المورد الثالث: إعلام إمام الجماعة بنجاسة ثوبه نجاسة غير معفو عنها في الصلاة.

وهنا توجد حالتان:

الحالة الأولى حالة الجهل بالنجاسة، وهنا لا يجب الإعلام؛ لأنّ هذه النجاسة ليست مانعاً من صحة الصلاة واقعاً، حيث إنّ شرطية الطهارة منها ذكرية لا واقعية، وعليه لا يعد عدم الإعلام سبباً لوقوع الإمام في الحرمة الوضعية، بل لا توجد حرمة تكليفية أصلاً ليأتي محل البحث في قاعد التسبيب إلى الحرام. فعدم وجوب الإعلام بل وجواز التسبيب هنا على القاعدة.

الحالة الثانية: حالة نسيان الإمام لهذه النجاسة، فهنا يجب عليه إعلام الإمام بها فيما لو أراد الاقتداء به؛ لأن الصلاة بها باطلة واقعاً، وعدم الإعلام سبب للوقوع في هذه الحرمة الوضعية.

ومنه يظهر الحال لو لم يعلم المأموم حال الإمام أكان ناسياً للنجاسة أم جاهلاً عنها.

وهذا المورد كما عرفت تطبيق لوجوب الإعلام عندما يكون عدمه سبباً للحرمة الوضعية لا التكليفية، ومحل البحث في الحرمة التكليفية كما عرفت.

المسألة الثانية: في حكم الإطعام أو سقي الماء المتنجس للأطفال.

هل يجوز للمكلّف إطعام أو سقي المتنجّس للأطفال أم لا؟ وهل يعد هذا من التسبيب إلى شرب أو إطعام المتنجس أم لا؟

في المسألة أقوال ثلاثة:

القول الأول: عدم الجواز، لأنه من صغريات التسبيب إلى الحرام وإن كانوا غير مكلفين، وهو ما ذهب إليه الشيخ حسين الحلّي في دليل العروة الوثقى([41]).

ويدل عليه:

الدليل الأول: ما يستفاد من أدلة المنع عن شرب النجس، والتي يستفاد منها وجود مفسدة واقعية في شربه، وهي شاملة بإطلاقها لغير المكلفين، وهذه المفسدة نستكشفها من خلال النهي عن شربه وسقيه للمكلفين، ومادامت المفسدة موجودة في حقهم كالمكلفين لذلك لا يرضى الشارع بإلقائهم فيها وإن لم يكلفوا بالاجتناب عنها.

وبعبارة أخرى أن الناس مكلفون بإجراء أحكام المكلفين على غير المكلفين في مثل هذه الموارد- كما حكي عن المحقق الأردبيلي- ومادام كذلك فيحرم التسبيب إلى شربهم المتنجس.

ونوقش: أولاً: بأن هذه المفسدة تستكشف من الحكم الشرعي الصادر في حقهم لا في حق غيرهم من المكلفين، وحيث لا حكم في حقهم فكيف نستكشف هذه المفسدة؟ فلا فرق حينها بين الماء المتنجس والطاهر فكلاهما مباح شربه.

ثانياً: ومع التسليم بوجود المفسدة يقال بأنها لا تصل إلى درجة من الشدة تقتضي النهي عن التسبيب إليها كما في شرب الخمر أو اللواط مثلاً- والتي لا يرضى الشارع بمطلق وجودها في الخارج ولا فرق فيها بين المكلف وغيره- أما شرب الماء المتنجس فلم يصل إلى تلك الدرجة من الشدة ولم يقم دليل على مبغوضية صدوره مطلقاً ولو من غير المكلفين.

ثالثاً: هذه الروايات منصرفة عن هذا المورد.

الدليل الثالث: ما ورد من تحريم سقي المسكر لهم كما عن عجلان أبى صالح قال سمعت أبا عبد الله عليه السّلام يقول: «يقول الله عزّوجلّ‌: من شرب مسكرا أو سقاه صبيّاً لايعقل، سقيته من ماء الحميم مغفورا له أو معذّباً، ومن ترك المسكر ابتغاء مرضاتى أدخلته الجنّة، وسقيته من الرحيق المختوم، وفعلت به من الكرامة ما فعلت بأوليائى)([42]). فكما أنّه يحرم سقيهم المسكر كذلك يحرم سقيهم المتنجس.

ونوقش باحتمال الخصوصية للخمر، فإنها مما يبغض الله صدوره في الخارج مطلقاً.

الدليل الرابع: ما ورد من الأمر بإراقة الماء المتنجس كما  عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره؟ قال:
يهريقهما جميعا ويتيمم”([43]).

حيث دلت الرواية على لزوم إراقة الماء المتنجس، مما يعني عدم جواز الانتفاع به بحسب الظاهر، فلو جاز سقيه للأطفال لكانت له منفعة معتد بها عرفاً لكثرة الابتلاء بمثل هذه الموارد، وهذا ما يخالف الأمر بإراقته الظاهر في النهي عن الانتفاع به.

وأورد عليه:

أولاً: لا ملازمة بين الأمر بالإهراق وبين حرمة سقيه للأطفال، فجواز السقي لا يلازم القول بأنّ فيه منفعة معتد بها عرفاً خصوصاً وأنّه سيؤدي إلى تنجس ثياب الطفل غالباً، فالقول بعدم المنفعة فيه لا يعني عدم جواز سقيه له؛ لأنّ هذه الروايات كناية عن نفي الانتفاعات المتعارفة والمترقبة، والمترقب من الماء والطعام أن يشربه ويأكله الناس، وأما سقي الطفل بالماء المتنجس فليست من المنافع المتعارفة التي يُلتفت إليها عادة لتستفاد حرمتها من الروايات، لكي بعد ذلك نستفيد الملازمة المذكورة. “و ما تضمن الأمر بإراقة الماء المتنجس، الظاهر في عدم الانتفاع به، لا يقتضي المنع في المقام أيضاً، بتوهم أنه لو جاز سقيه للأطفال لكان له منفعة معتد بها لكثرة الابتلاء بهم، بل ربما كانوا أكثر العيال. و ذلك لأن جواز سقيه لا يوجب كونه ذا منفعة معتد بها عرفا إذا كان يؤدي الى نجاسة الطفل و ثيابه غالبا، السارية إلى غيره، فان ذلك أمر مرغوب عنه”([44]).

القول الثاني: جواز السقي، إلا أن يستلزم من سقيهم ذلك الضرر عليهم. وهو ما ذهب إليه صاحب العروة” يحرم شرب الماء النجس إلاّ في الضرورة، و يجوز سقيه للحيوانات بل و للأطفال أيضاً “([45]) والمستمسك([46]) ومهذب الأحكام([47]) والتنقيح([48]).

ويستدل عليه:

الدليل الأول: عدم الدليل على حرمة شرب النجس مطلقاً بما يشمل الأطفال خصوصاً في النجاسة المستندة إلى تنجس أيديهم وأفواههم. والأصل البراءة والإباحة.

الدليل الثاني: هذا من باب التسبيب إلى المباح وهو مباح؛ لأنّهم لا يحرم عليهم تكليفاً الأكل والشرب من المتنجس، فما يصدر عنهم مباح، والتسبيب إلى ذلك مباح أيضاً.

الدليل الثالث: السيرة المتشرعية، حيث قامت سيرتهم على عدم منع أطفالهم من تناول المتنجس الذي يكون تنجسه من جهة كون أيدي المتناولين له نجسة كما في الأطفال والمجانين، حيث إنهم لم يأمروا صبيانهم بتطهير أيديهم قبل الأكل مما يعني جواز سقيهم المتنجس([49]).

القول الثالث: التفصيل بين الطعام والشراب المتنجس بعين النجاسة وبين الطعام والشراب المتنجس بغير عين النجاسة، فلا يجوز في الأول على الأحوط ويجوز في الثاني، وهو ما ذهب إليه السيد الشهيد الصدر في بحوثه على العروة ([50]).

والوجه فيه أنّ الروايات الآمرة بالإهراق- كالروايات المتقدمة أعلاه- تتكلم عن وقوع عين النجاسة في الطعام والشراب، وهذه لا تشمل الطعام والشراب المتنجس بغير عين النجاسة، كما لو انتقلت بعض القطرات من إناء تنجس بالدم إلى ماء في إناء آخر دون أن تنتقل عين النجاسة، فهنا يجوز سقيه للأطفال.

فمادام تنجس بعين النجس فإنه يشمله الأمر بإراقة الماء الدال على عدم جواز استعماله في الشرب، وكذلك عدم إعطائه للأطفال.

وهذا بخلاف الطعام والشراب الذي تنجنس بغير عين النجاسة، فإنه لا تشمله الروايات ولا يجب إهراقه، فيجوز سقيه للأطفال، ولا توجد قرينة في الرواية يوجب أن يتعدى إلى المتنجس بغير عين النجاسة.

ويتأمل فيه بما تقدم من أن هذه الروايات تنفي الانتفاعات المتعارفة والمترقبة من العين، وليس منها سقي المتنجس للأطفال ليدخل في إطار المدلول الإلتزامي، فلا ملازمة بين الأمر بالإهراق وبين حرمة سقيه للأطفال.

 

([1])الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، 14، 235.

([2]) البقرة،127.

([3])  ابن منظور، ابو الفضل محمد بن مكرم‌ ،لسان العرب،291،5.

([4])الفيومي، أحمد بن محمد بن علي، المصباح المنير،510.

([5])الحلي، محمد بن حسن، إيضاح الفوائد،8،1.

([6])الفراهيدي، خليل بن احمد،كتاب العين، 7، 204.

([7])ابن منظور، ابو الفضل محمد بن مكرم‌ ، لسان العرب،458،1.

([8]) المصدر السابق،254،4.

([9]) الحلي، نجم الدين جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام،237،3.

([10]) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، ١، 522.

([11])  الأزهري، محمد بن أحمد، تهذيب اللغة، 5، 30.

([12]) الفراهيدي، خليل بن احمد، كتاب العين،3، 222.

([13])  المرتضى، علي بن الحسن، رسائل الشريف المرتضى (الحدود والحقائق)،269،2.

([14]) أبوحبيب، سعدي، القاموس الفقهي، 71.

([15]) النوري، حسين، مستدرك الوسائل، 13، 210.

([16]) الحكيم، محمد، منتقى الأصول،1، 491.

([17]) الصدر، محمد باقر، بحوث في علم الأصول، 4، 149-151.

([18])  الخوئي، أبوالقاسم، مصباح الأصول، 1، 297.

([19])السبزواري، عبدالأعلى، مهذب الأحکام في بيان الحلال و الحرام، 1، 484.

([20]) الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة، 1، 192.

([21]) العاملي، مكي، الدروس، 3، 172.

([22]) العلامة الحلي، الحسن، أجوبة المسائل المهنائية، 48-49.

([23]) العاملي، حسن، معالم الدين، 2، 579.

([24]) البحراني، يوسف، الحدائق الناضرة، 5، 261.

([25]) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، 1، 93.

([26]) الحكيم، محسن، مستمسك العروة، 1، 523.

([27]) الخوئي، أبوالقاسم، التنقيح في شرح العروة، 2، 333.

([28]) السبزواري، عبدالأعلى، مهذب الأحكام، 1، 88.

([29]) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، 1، 310.

([30]) القمي، تقي، مباني منهاج الصالحين، 1، 80.

([31])الخوئي، أبوالقاسم، موسوعة السيد الخوئي، 1، 314.

([32]) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، 1، 310.

([33]) الخوئي، أبوالقاسم، موسوعة السيد الخوئي، 1، 314.

([34]) المصدر السابق.

([35]) الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، 2، 60.

([36])الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، 2، 61.

([37]) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، 1، 188.

([38])الآملي، محمد، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، 2، 61.

([39])اليزدي، كاظم، العروة الوثقى( جماعة المدرسين)، 1، 188.

([40]) المصدر السابق.

([41]) الحلي، حسين، دليل العروة الوثقى، 1، 164.

([42])الحر العاملي، محمد، وسائل الشيعة، 25، ٢٤٦.

([43]) المصدر السابق، 1، 151.

([44]) الحكيم، محسن، مستمسك العروة الوثقى، 1، 216.

([45]) اليزدي، كاظم، العروة الوثقى، 1، 46.

([46]) الحكيم، محسن، مستمسك العروة، 1، 216.

([47]) السبزواري، عبدالأعلى، مهذب الأحكام،1، 255.

([48]) الخوئي، أبوالقاسم، موسوعة السيد الخوئي، 2، 276.

([49]) الآملي، محمد تقي، مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى، 1، 192.

([50]) الصدر، محمد باقر، بحوث في شرح العروة الوثقى، 2، 136.

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×