العقل والبصيرة: أساس خشية الله وبناء الأمة الواعية
العقل والبصيرة: أساس خشية الله وبناء الأمة الواعية
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1448 هجري
عنوان المحاضرة: العقل والبصيرة: أساس خشية الله وبناء الأمة الواعية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: 28).
تفيد هذه الآية الكريمة الحصر من أكثر من جهة، كما هو بيّن في مباحث اللغة، وهي مشتملة على إثبات ونفي؛ ففيها دلالة على أن العلماء يخشون الله تبارك وتعالى، وفيها دلالة على أن غير العلماء لا يخشونه. وعلى هذا، لا يمكن أن تكون دائرة التقوى أوسع من دائرة العِلْم، فمن الممكن أن يُتصوّر عالم لا يملك تقوى، ولكن لا يمكن تصور تقي بدون عِلْم.
فالعلم هو منشأ خشية الله تبارك وتعالى، وهو منشأ اكتساب الفضائل. والمراد بالعلم هنا في الآية الكريمة وفي غيرها هو العقل، لا مجرد التصور ولو كان ساذجاً. فالعلم ليس من الأمور الغامضة، بل حقيقته هي انكشاف الشيء، أي انكشاف الحقيقة. ولهذا أسلفنا في مباحث سابقة أن الإنسان قد يكون لديه إدراك مطابق للواقع لكنه لا يبلغ مرتبة الانكشاف، وذلك حين تكون المعلومة متبناة بالتلقين المحض أو السذاجة البحتة، وهو حال من ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة. فالعلم الحقيقي هو انكشاف الواقع ومشاهدته ورؤيته.
وهذا الانكشاف هو حقيقة العقل، فالعقل يعني فهم الواقع ووعيه، وليس له معنى آخر في هذا السياق. والقرآن الكريم يؤكد أن منشأ اكتساب الرذائل هو فقدان العقل، إذ يقول: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 100). ويُستفاد من بعض روايات الأئمة عليهم السلام أن منشأ النفاق غالباً، وتحديداً النفاق المعهود في الأعراب، هو الجهل. ولذلك ورد عنهم: «مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ فَهُوَ أَعْرَابِيٌّ»[1]، وذلك في إشارة إلى قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾ (التوبة: 97).
والحاصل: أننا إذا تتبعنا أسباب تخلف المجتمعات الإسلامية، لوجدنا أن السبب الرئيس يكمن في أن الدين لم يُفهم على حقيقته، فبقيت أهدافه غامضة وحقيقته غير واضحة، بل اقتُطعت منه أجزاء، وطُرح على الناس بالمقدار الذي يسمح به الطاغوت. طبعاً، هناك من يعرفون الدين على حقيقته، لكن الطرح الديني العام والثقافة والتربية لا تنفصل عن الواقع السياسي. ويُحكى أن أحد الجواسيس البريطانيين سمع الأذان فقال: “لا مشكلة لدينا معه ما لم يتعارض مع مصالحنا”. فالأذان الذي يُراد للناس أن يعرفوه هو ذلك الذي لا يمس مصالح هؤلاء. أما «الله أكبر» التي تسقط الطاغوت بمضمونها الحقيقي، فهي ما لا يريدونه. إنهم يريدون شعار «الله أكبر» خالياً من مضمونه، وشهادة «أشهد أن لا إله إلا الله» فارغة من معناها، يريدون لهذه المعاني أن تُفرّغ من محتواها.
نقد العرفان المنعزل عن المجتمع
وهذا الأمر لم يقتصر على الشعائر، بل امتد حتى إلى العرفان. فقد عمدت طائفة من المتصوفة في تاريخ الإسلام إلى التركيز على الجانب المعنوي، ولكنهم طرحوه من زاوية الانعزال عن المجتمع، بمعنى أن السير في المعنويات يقتضي ترك المجتمع وإهماله. فصار العارف في منظورهم هو الإنسان غير المسؤول عن مجتمعه، المنزوي عنه، الذي يسعى للتخلص من آثاره السلبية على نفسه. فأصبح مشروع العرفان والوصول إلى الله مشروعاً فردياً يقوم على انفصال الفرد عن المجتمع. ولهذا السبب، كان هؤلاء العرفاء في كثير من الأحيان على صلة بالطواغيت، لا يرون في ذلك بأساً، بل إن بعض الرؤى العرفانية قد يتبناها الطاغوت نفسه.
ومثال ذلك: عزة الدوري، الذي يُعد من مشايخ الطريقة النقشبندية، وهي طريقة صوفية عرفانية، وفي الوقت نفسه هو أحد المجرمين التاريخيين. وهكذا نجد أمثلة كثيرة، فالدولة العثمانية كانت تتبنى التصوف والعرفان. بل إن التصوف كان هو الحاكم في العالم الإسلامي تاريخياً. وتتجلى هذه المواجهة في النقاش الذي نُقل بين سفيان الثوري والإمام الصادق (عليه السلام) حول لباس الإمام، حيث اعترض الثوري قائلاً إن لباس الإمام لا يشبه لباس جده أمير المؤمنين (عليه السلام). وتذكر الرواية أن الإمام (عليه السلام) قال له: «يَا سُفْيَانُ، إِنَّكَ رَجُلٌ يَطْلُبُكَ السُّلْطَانُ وَأَنَا أَتَّقِي السُّلْطَانَ، اخْرُجْ مِنْ بَيْتِي غَيْرَ مَطْرُودٍ»[2]. وقد يتوهم البعض أن قول الإمام: «يطلبك السلطان» يعني أن الثوري كان ثورياً، ولكن الأمر ليس كذلك؛ فالحديث هنا عن شخصيات كانت على نهج بني أمية، فلما جاءت دولة بني العباس لم تستطع الانسجام معها، فصارت الدولة العباسية تطارد فلول الدولة الأموية، مما دفعهم إلى الاختباء والانزواء، والتوجه نحو الزهد والعبادة وما شابه ذلك. هذا هو الواقع التاريخي.
فحتى العرفان طُرح بطريقة لا يتحقق بها الغرض الإلهي، لأنه عُرض كعرفان لا يغير المجتمع، بل يبني الفرد بمعزل عنه. وهذا ما نجده مثلاً عند شخصية مثل بديع الزمان سعيد النورسي، وهو من كبار علماء تركيا الأجلاء. فإنه في معرض شرحه لشهادة الإمام الحسين (عليه السلام)، يذهب إلى القول بأن الإمامة الظاهرية لا تجتمع مع الإمامة الباطنية[3]. ويُقر بأن الإمام الحسين (عليه السلام) هو من أركان الإمامة الباطنية، لكنه يفصلها عن الإمامة الظاهرية التي هي الإمامة السياسية. ومحصول كلامه أن الله عز وجل أظهر للإمام الحسين (عليه السلام) الوجه الدميم للدنيا ليكون إماماً للباطنية ويبتعد عن الإمامة الظاهرية، على اعتبار أن الإمامة الظاهرية عادةً ما يتولاها الظلمة والطواغيت، ويصعب أن يكون الإمام الظاهري رجلاً صالحاً.
وهذا الكلام يُقال في حق ابن علي بن أبي طالب وفاطمة، وفي حق من هو سيد شباب أهل الجنة بنص الحديث الشريف، الذي نزلت في بيته آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33). ولكنها فكرة طُرحت، وقُدّم الإسلام من خلالها بهذه الكيفية وبهذا المقدار المبتور. وهذا ما يجب أن نلتفت إليه، وهو أن هذا ليس هو الدين الكامل، فالخشية الحقيقية من الله تهدف إلى إيجاد حالة التقوى في المجتمع بأسره.
وهنا مبحث دقيق يتناوله العلامة المجلسي في بحار الأنوار[4]، وكذلك المحدث البحراني في مقدمات الحدائق الناضرة[5]، وينتهي كلاهما إلى نتيجة مفادها أن الناس ليسوا متحدين في التكليف، بل يتفاوتون فيه بتفاوت عقولهم. ويستندان في ذلك إلى ما ورد في الحديث الشريف: «إِنَّمَا يُدَاقُّ اللَّهُ الْعِبَادَ فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ مَا آتَاهُمْ مِنَ الْعُقُولِ فِي الدُّنْيَا»[6]. بل إن قدرة المكلف نفسها مرتبطة بعقله، فالإنسان لا يستطيع أن يستوعب التكليف أو يؤديه بما يزيد على مقدار فهمه له.
ومن هنا، نجد الروايات قد أكدت على مسألة مهمة، وهي أنه لأجل بناء مجتمع يعبد الله عز وجل ويطيعه، يجب أولاً بناء عقول الناس.
**
عوائق بناء العقل: بين الانفعال والبصيرة
فكيف يكون بناء العقل؟** إن قناعات الناس آخر ما يتأثر فيها هو العقل والفهم، بل إن العامل الأول في تكوينها هو العامل النفسي والانفعالي. فالبيئة التي ينشأ فيها الإنسان هي التي تصنع فهمه، وانفعالاته النفسية هي التي تُكوّن شخصيته.
ومثال ذلك: أن الإنسان الذي ابتُلي بالعُجب يستحيل عليه أن يكتشف عيوب نفسه، وكذلك المغرور. والذي لديه عصبية، تراه يقف مع صديقه في خصومة دون تمحيص، لمجرد أنه صاحبه. هذا هو طبع غالب الناس، يقفون مع من يتعصبون له ويميلون إليه، ونادراً ما تجد من يتجرد للبحث عن الحق. وهذا ما أشار إليه الإمام الخميني قدس سره، من أن هذا الأمر قد جعل حتى بعض العلماء قاصرين، لا مقصرين، لأنهم يفكرون بخلفية انفعالية لا بخلفية علمية صرفة، فينتمون إلى جهة ما، ويجعلون الحق حليفها، فيقعون في القصور.
إننا أساساً كيف نفكر؟ إن عملية الاستنباط، خصوصاً في الأمور الاجتماعية والسياسية، كثيراً ما تسير على غير جادة الصواب. فالناس غالباً ما تفرض النتيجة مسبقاً ثم تُكيّف الاستدلال لأجل تلك النتيجة، إلا إذا حدثت صدمة كبرى. أي أن النتيجة هي التي تحدد مسار الاستدلال، وليس الاستدلال هو الذي يوصل إلى النتيجة. هكذا اعتاد الناس، حتى في فهم الحق، بل إن بعض أتباع الحق أنفسهم يفكرون بهذه الطريقة. فكوننا على حق لا يعني بالضرورة أننا وصلنا إليه بطريقة صحيحة.
والسؤال: ما الأثر المترتب على الوصول إلى الحق من غير دليل دقيق؟ الأثر هو أنني لا أفهم الحق ولا أعقله، بل أتبنى فكرة أو رأياً، ولكن ما قيمة هذا التبني؟ لهذا أكد أهل البيت عليهم السلام والقرآن الكريم على البصيرة، كما في قوله (عليه السلام): «وَلَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَالصَّبْرِ»[7].
على البصيرة، والتأكيد على العقل، وما هو وجه ذلك؟ إنَّ الذي يعبد الله بغير عقل لا يصل إلى الله عز وجل.
ومن هنا تُذكر هذه الرواية، بغض النظر عن سندها، فإنَّ المضمون الذي تشير إليه مما لا يختلف فيه علماؤنا، وهي قصة العابد من بني إسرائيل الذي كان يعبد الله عز وجل، فنزل إليه ملك من الملائكة وقال له: “إِنَّ مَكَانَكَ لَنَزِهٌ وَ مَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْعِبَادَةِ”، فقال له العابد: “إِنَّ لِمَكَانِنَا هَذَا عَيْباً”، قال: “وَمَا هُوَ؟”، قال: “لَيْسَ لِرَبِّنَا بَهِيمَةٌ، فَلَوْ كَانَ لَهُ حِمَارٌ رَعَيْنَاهُ فِي هَذَا الْحَشِيشِ فَلَمْ يَضِعْ شَيْءٌ مِنْهُ”، فأوحى الله عز وجل إلى ذلك الملك: “إِنَّمَا أُجَازِيهِ عَلَى قَدْرِ عَقْلِهِ”[8]. فمن لا يملك عقلاً كيف يعبد الله؟
فالمؤمن لا يخضع للمعادلات المادية، إذ لا يرى لها أثراً إلا في طول إرادة الله؛ لأنَّ الله هو العلة الأولى الذي تنتهي إليه سلسلة العلل، وهو بالتالي يعترف بالمعادلات المادية في طول الإرادة الإلهية لا في عرضها.[9] بينما الطرف الآخر يؤمن بالمعادلات المادية فقط، ولا يربط بينها وبين الإرادة الإلهية، وهذا هو الفاصل بين المتقي وغيره.
وقد يُطرح هذا السؤال: وهو ما يثيره كثير من الناس، حتى بعض الشخصيات العلمية، فإنك إذا قلت لهم: هذا تدخل إلهي، قالوا لك: كن واقعياً. فيعتبرون الحديث عن النصر الإلهي وما أشبه ذلك ضرباً من المثالية المنافية للواقع.
إنَّ هناك فهماً وعقلاً يجب أن يُبنى، فعقل الأمة يجب أن يُبنى، لا مجرد موقفها، فالموقف إنما هو مقدمة لتأصيل البناء الإيماني. فلا يمكن أن نفترض أن الأمة إذا صار لديها موقف إيجابي أو حماس إيجابي في وقت من الأوقات أن هذا المقدار يكفي، بل هذا الحماس الإيجابي يمثل فرصة لبناء الأمة، ويهيئ فرصة للبناء، ولكن لن يثبت في المستقبل إلا أصحاب الوعي.
فمن لا يملك وعياً لن يستقر ولن يثبت، والنصوص والأدلة على ذلك كثيرة وواسعة. فالذين سيثبتون هم أصحاب الوعي الذين يصفهم أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: “هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَ اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ”[10]، فهؤلاء هم الذين يُعتمد عليهم ويُعوّل عليهم.
والحاصل: أن المجتمع إما متعلم وإما همج، والهمج حتى لو اتبعوا أهل العلم يبقون همجاً لا قيمة لهم. فحتى لو سار المجتمع وراء المؤمنين، لكن بطريقة همجية، فلا قيمة لذلك. فالناس ثلاثة: “عَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ”[11].
ومثال ذلك أتباع النبي موسى عليه الصلاة والسلام، فقد صار بنو إسرائيل كلهم معه، ولكن كان هناك تفاوت بينهم، فما إن وصلوا إلى فلسطين حتى انتقل الفساد من آل فرعون إلى بني إسرائيل. فنحن لا نريد هذا النموذج، بل نريد أن نبني أمة واعية، أمة تتحمل المسؤولية.
إنَّ القابلية الموجودة اليوم في المجتمعات هي قابلية استثنائية؛ قابلية للوعي والاستيعاب والتضحية والفداء، لكنها تحتاج بناءً وصقلاً وصاقلاً.
ومن هنا نجد أن أهل البيت عليهم السلام عندما يتكلمون عن العقل، لا يتكلمون عن قضية نظرية، بل عن هدف يجب أن يوضع له برنامج عملي، وعن تكليف يجب أن يتحمله المبلغون.
ويتفرع على ذلك ما نجده عند الإمام الخامنئي أعلى الله تعالى مقامه الشريف، الذي تحدث خلال سنوات طويلة عن “جهاد التبيين”[12]، مؤكداً أن من الوظائف التي يجب أن يتحملها المجتمع ليست مجرد التبيين، بل بذل الجهد الواسع في “جهاد التبيين”، فهي وظيفة جهادية يجب أن ننشط فيها.
والوجه في ذلك: أن استمرار الأمة وتقدمها منوطان بقدر وعيها. فانظر إلى أثر استشهاد سماحة السيد القائد رضوان الله تعالى عليه، [13] فقد انتبه الناس وأدى ذلك إلى بداية وعيهم. هذه الشهادة المباركة وهذه التضحية المباركة كان لها أثر في وعي الناس، كما كان لشهادة السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه، وشهادة من سبقهم من الشهداء ومن كان معهم ومن تأخر عنهم، أثر في زيادة وعي الأمة. هذه الدماء زادت في وعي الأمة وساعدتنا على طرح المشروع.
لأن المشروع الإيماني لا يمكن أن يطرح بغير قدوة، فسر عظمة التشيع أنه انطلق من القدوة، انطلق من مثل علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وصموده وصبره، وصمود الحسين (عليه السلام)، وصمود زينب (عليها السلام)، وتضحيات هؤلاء المجاهدين، بحيث يمكننا الآن أن ننشر ثقافتنا انطلاقاً من تضحيات هؤلاء.
إنَّ تضحية الإمام الخامنئي هي شرح لشهادة الحسين (عليه السلام)، وشرح لشجاعته، وشرح لقوة شخصية علي بن أبي طالب (عليه السلام). فقد رأينا ما فعله ابن علي بن أبي طالب، وكيف كانت شجاعته الاستثنائية، واستعداده للتضحية.
وهذا الحديث عن الحسين (عليه السلام) ليس حديثاً عن شيء مثالي، بل عن شيء واقعي اقتدى به عظماء عبر التاريخ، إلى أن وصلت القدوة إلى الإمام الخامنئي رضوان الله تعالى عليه. ولذلك فإنَّ شهادة الإمام الخامنئي لم تترك أثراً فقط على مجموعة من المؤمنين، بل تركت أثراً على أحرار العالم، وجعلتهم ينتبهون إلى الحق الذي يواجه الباطل.
إلى مشروع مواجهة الباطل، هذا المشروع الذي أصبح اليوم منحصراً بهذه الجماعة الصالحة، وهذه الفئة الصالحة، بعد أن استسلم الجميع وخضعوا وركعوا وسجدوا، إلا كربلاء واحدة قالت: “هيهات منا الذلة”[14].
لقد رأى الناس “هيهات منا الذلة”، فمنهم من تعزّزت فيه الخلفية الحسينية، ومنهم من رأى مدرسة الحسين (عليه السلام) من خلال هذه المدرسة الوجدانية العملية.
والنتيجة: أن الذي نحتاجه في هذا كله هو بناء الوعي وبناء العقل.
نحن الآن نقول إنَّ الله معنا، وعندما نقول ذلك، لا نتحدث عن عبارات أدبية، فالله معنا فعلاً. نحن نشعر رغم التحديات الكبرى أننا أقوى أهل الأرض، نشعر بهذا الشعور ونعيشه. الله وقف معنا في هذه الجمهورية الإسلامية، فالنتائج بحسب المعطيات المادية لا تتطابق مع المقدمات، والمخرجات شيء آخر. انظر إلى دولة تُقتل قادتها، وقد رأينا ما حدث، كان أشبه بكربلاء من غير مبالغة، كبار القادة، ليس فقط الإمام الخامنئي وكبار القادة، وفي لبنان السيد حسن نصر الله رضوان الله تعالى عليه وكبار القادة، ومع ذلك تبقى المسيرة، بل وتبقى بشكل أقوى.
الجمهورية الإسلامية تخرج من هذه المعركة قوة عظمى، وتُذل أمريكا وإسرائيل وأتباعهما كلهم، ويتحقق هذا الإنجاز العظيم. وهذا لأنَّ الله معنا. “إلهي ماذا فقد من وجدك؟”[15]، هذا ليس شعاراً، بل حقيقة يجب أن يفهمها الناس وتشرح لهم، ويجب أن يدرك المؤمن عظمة الله في المعركة، لا أن يدركها نظرياً ثم لا يربط بين النظرية والواقع، فما فائدة هذا الإدراك؟
يتحدث البعض عن عظمة الله، لكن كلامه لا يتعلق بالواقع، وقدرة الله وإرادته لا تتعلقان بالواقع. يقرأ القرآن فيمر على قوله تعالى: ﴿…إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ…﴾ [محمد – 7]، وقوله: ﴿…إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ…﴾ [آل عمران – 160]، ثم يتساءل عن المصير. بينما نرى الإمام الخامنئي يتكلم بلغة الثقة الكاملة والوضوح التام.
إنَّ هذه المسيرة شرطها الشهادة والتضحيات، والتقدم فيها مشروط بذلك. القرآن كله يؤكد أن الابتلاء حتمي والتضحيات حتمية، والآيات في ذلك كثيرة جداً ولا تخفى عليكم.
وواقعاً، من منّ الله علينا أن جعل قائد مسيرتنا الإمام الخميني، ومن بعده الإمام الخامنئي، والآن هذه الخطابات الراقية الإلهية الإيمانية لسماحة آية الله السيد مجتبى الخامنئي دام ظله الشريف. يجب أن نرى ذلك ونحمد الله أن لدينا قيادات تنظر إلى الأمور بنظرة إلهية قرآنية ربانية. هذه المعاني القرآنية يجب أن تُستوعب، لا أن تُطرح كشعار، بل يجب أن نشرح حقيقة الانتصار، ونبين أنه انتصار إلهي.
وبالتالي نحن غير قلقين أبداً. وأختم بهذه الكلمات، كنت قبل سنوات أتساءل: من سيأتي بعد القائد؟ ثم خطر ببالي أن الله هو الذي يرعى هذه المسيرة. عندما نخاف على مستقبل المسيرة، فهذه مشكلة فينا، في عقيدتنا وديننا. هذه المسيرة لا يُخشى عليها.
إنَّ الدين لم يقف عند شهادة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، بل استمر الإسلام بعد شهادة أمير المؤمنين، وبعد شهادة الإمام الحسن المجتبى، وبعد شهادة سيد الشهداء صلوات الله وسلامه عليهم، بل صار أقوى وأقوى، وسيستمر، ولكن بالطريقة التي يرعاها الله، فالله هو الذي يدبر الأمور. هذا ما يجب أن نعقله، ومفتاحه الأول هو العقل. يجب أن نتبين حتى نُبين، ويجب أن نُبين هذا الأمر للناس.
ولذا انظر إلى عقل زينب (عليها السلام) ووعيها أمام طاغية زمانها، لم يكن لديها أي قلق على المستقبل، بل قالت: “فَكِدْ كَيْدَكَ، وَ اسْعَ سَعْيَكَ، وَ نَاصِبْ جَهْدَكَ، فَوَ اللَّهِ لَا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَ لَا تُمِيتُ وَحْيَنَا”[16]. وعندما سألها ابن زياد: “كَيْفَ رَأَيْتِ صُنْعَ اللَّهِ بِأَخِيكِ وَ أَهْلِ بَيْتِكِ؟”، قالت: “مَا رَأَيْتُ إِلَّا جَمِيلًا”[17]. هذا هو منطق الوعي، وكأن الذي يتحدث في مجلس يزيد بن معاوية هو علي بن أبي طالب (عليه السلام).
السلام عليك سلام من لو كان معك بالطفوف، لوقاك بنفسه حد السيوف، وبذل حشاشته دونك للحتوف. السلام عليك سلام المفجوع المستكين. السلام على الشيب الخضيب، السلام على الخد التريب، السلام على البدن السليب، السلام على الرأس المرفوع، السلام على من غسله دمه، والتراب كافوره، ورحمة الله وبركاته.
[1] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 31، باب “فضل العلم”، ح 5. الرواية بتمامها: «تَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللَّهِ ولَا تَكُونُوا أَعْرَاباً فَإِنَّهُ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي دِينِ اللَّهِ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولَمْ يُزَكِّ لَهُ عَمَلًا».
[2] ينبغي التنبيه إلى أن الروايات المنقولة في المصادر المعتبرة حول لقاء سفيان الثوري بالإمام الصادق (عليه السلام) لا تذكر هذا النص بهذا السياق. فالرواية المتعلقة بالاعتراض على لباس الإمام لا تتضمن طرده، بل جواب الإمام التفصيلي حول اختلاف الزمان. (يراجع: الكليني، الكافي، ج 5، ص 65). أما الرواية التي يذكر فيها الإمام أنه مطلوب ويتقي السلطان، فهي في سياق آخر، ويقول فيها الإمام عن نفسه: «فَإِنِّي رَجُلٌ مَطْلُوبٌ وأَنَا أَتَّقِي هَؤُلَاءِ». (يراجع: المجلسي، بحار الأنوار، ج 47، ص 355). ويبدو أن المحاضر قد دمج بين روايتين أو اعتمد على نقل غير دقيق.
[3] هذا تلخيص لرؤية تُنسب إلى سعيد النورسي في تفسيره لنهضة الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي مبنية على الفصل بين الولاية الباطنية والقيادة السياسية الظاهرية. يُراجع تفصيل آرائه في “كليات رسائل النور”، وتحديداً في “اللمعات”.
[4] يراجع: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. مؤسسة الوفاء، 1404 هـ، ج 1، كتاب العقل والجهل.
[5] البحراني، يوسف. الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة. تحقيق محمد تقي الإيرواني، ط1، جماعة المدرسين، 1405 هـ، ج 1، المقدمة الخامسة.
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 11، كتاب العقل والجهل، ح 7.
[7] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، 1414 هـ، الخطبة 173. ورد في المصدر: «والصبر» بدل «والبصيرة».
[8] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 29، باب “أن الثواب على قدر العقل”، ح 22. والنص المذكور في المتن هو نقل بالمعنى.
[9] يشير مصطلح “العلية الطولية” في الفلسفة الإسلامية إلى ترتب العلل بعضها على بعض، بحيث تكون كل علة معلولة لما فوقها، وتنتهي السلسلة إلى علة العلل وهو الله تعالى. وفي المقابل، تكون “العلية العرضية” بين علل مستقلة في التأثير، وهو ما ينفيه التوحيد الأفعالي.
[10] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص 497، الحكمة 147.
[11] المصدر نفسه.
[12] مصطلح “جهاد التبيين” مفهوم مركزي في فكر الإمام الخامنئي، ويعني بذل الجهد المنظم والمستمر لتوضيح الحقائق ودفع الشبهات الفكرية والثقافية التي يثيرها الأعداء، باعتباره واجباً جهادياً في العصر الحاضر.
[13] لعل المراد استشهاد القائد قاسم سليماني (رض)، أو أن التعبير جارٍ على ضرب من الفرض والتقدير لبيان عظمة الشخصية، والله العالم.
[14] شعار رفعه الإمام الحسين (عليه السلام) في يوم عاشوراء. يُراجع: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 44، ص 391.
[15] ابن طاووس، علي بن موسى. إقبال الأعمال. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مكتب الإعلام الإسلامي، 1414 هـ، ج 2، ص 75.
[16] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 45، ص 135، باب 39.
[17] المصدر نفسه. ج 45، ص 116، باب 39.