VIP programme tiers unlock progressively better withdrawal limits, personalised bonuses, and dedicated account management. Software reliability separates premium online casinos from mediocre alternatives, and independent hellspin casino partners exclusively with certified game developers whose titles undergo rigorous independent testing. Boosted odds promotions on marquee fixtures offer enhanced short-term value on selected betting markets. Request-a-bet services enable bespoke parlay creation on events or combinations not represented in the standard market offering. Multisport parlay bonuses rewarding bets combining selections across different sports disciplines drive cross-vertical engagement. Partial cash-out options enabling fractional position management give bettors granular control over risk during live events. Optimised touch controls sized appropriately for both phone and tablet screens reduce accidental bet placement errors. Push notifications for promotional offers require explicit opt-in, protecting players from unwanted interruptions. Landscape mode live casino streams maintain dealer visibility and table layout clarity on smaller screen dimensions. Swipe-based navigation between game categories mirrors familiar consumer app interaction patterns, reducing the learning curve. Widget-based quick-deposit shortcut on supported devices enables funding without navigating through the full mobile interface. Email support handling complex account issues provides a documented written record of the resolution process for both parties. A comprehensive FAQ section resolves the most common player queries without requiring direct support team intervention. Social media support channels extending the assistance options outside the platform itself increase accessibility for all players. Reality-check notifications interrupting sessions at user-defined intervals prompt players to review time and spending. Gambling activity statements summarising monthly spend, wins, and losses give players objective financial perspective. Break-the-habit messaging displayed after extended sessions applies behavioural science insights to reduce problem gambling risk.
» 2026 » بناء القوة السياسية الشيعية: الإلهام والنموذج والفعل والدفاع
2026 - أخبار و نشاطات - الملتقی الأسبوعي

بناء القوة السياسية الشيعية: الإلهام والنموذج والفعل والدفاع

4 أكتوبر, 2026 0098

بناء القوة السياسية الشيعية: الإلهام والنموذج والفعل والدفاع

مع الأستاذ عباس المرشد.

التغطية المصورة:

 

التغطية الصوتية:

 

التغطية المكتوبة:

 

استضاف منتدى السيدة المعصومة الثقافي بمدينة قم المقدسة ضمن برنامج الملتقى الأسبوعي سماحة الأستاذ عباس المرشد بتاريخ22 سبتمبر 2026 في جلسة ومحاضرة بعنوان: بناء القوة السياسية الشيعية: الإلهام والنموذج والفعل والدفاع.

 

 

أبعاد ومقومات القوة السياسية في المجتمعات الشيعية المعاصرة

قد يبدو عنوان هذا البحث مستفزّاً نوعاً ما، أو مبهماً في نظر بعض الإخوة؛ إذ يدور الحديث حول القوة السياسية للمجتمعات الشيعية من خلال أبعاد أربعة: الإلهام، والنموذج، والفعل، والدفاع. ومحور البحث يبتني على تساؤلات جوهرية: كيف تنشأ القوة السياسية للمجتمع الشيعي؟ وما عناصرها ومقوماتها؟ وكيف ينبغي استثمارها؟ وأين موقعها اليوم؟ وكيف يغدو واقع المجتمع الشيعي بعد استشهاد علمَين من الأعلام وركنَين رئيسَين في ترسيخ قوة هذا المجتمع؟ ويقتضي تحرير هذا المطلب أن نمرّ إجمالاً على مسار نشوء هذه القوة، وكيفية اكتساب المجتمع الشيعي اقتداراً لم يكن معهوداً من قبل.

والقاعدة هنا: وجوب التفريق الدقيق بين قوة العقيدة بوصفها أمراً قائماً بذاته، وبين القوة التاريخية أو التمظهر الاجتماعي الذي يبرز من خلال فاعلية المجتمع في حركة التاريخ؛ فإنّ مدار الحديث ينصبّ على العنصر البشري والتاريخي الخاضع للتحكم والقياس. وهذا التفريق بين البعد الإلهي والبعد البشري ذو أهمية بالغة في مسار المعالجة المنهجية التي نسير عليها بخطوات متسلسلة؛ إذ إنّ العقيدة تمثل الجانب الإلهي المحكم، والله (سبحانه وتعالى) متكفلٌ بحفظ عقيدة التشيع، تحرّكتُ أنا أم لم يتحرك غيري؛ فهذه العقيدة المتمثلة في إمامة أهل البيت (عليهم السلام) باقية ما بقيت الدنيا بتفاصيلها كافة. ونحن وإن كنا ننشر هذه العقيدة ونستثمرها في بعض الأحيان، إلا أنها ليست نتاج جهدنا البشري الذي نحن مسؤولون عنه، ولن تسقط أمام المحاولات المناوئة كافة.

وأما على المستوى البشري والتاريخي: فإنّ حركة التاريخ تخضع لسُنن ديناميكية متقلبة؛ فالمرء أو المجتمع قد يكون اليوم قويّاً ويغدو غداً ضعيفاً، والمجتمع الناهض الذي يمتلك الدولة والموارد قد يأتي عليه حينٌ يتعثر فيه وتسقط عنه مظاهر القوة ليعود إلى نقطة الضعف والاستضعاف. ومن مقتضيات هذا الواقع، نجد أنه قبل عام (1979م) كان الوجود الشيعي وصوته يمثلان جماعات مهمشة بعيدة عن دوائر السلطة ومنابر الإعلام وعن سائر مظاهر القوة والفاعلية المؤثرة.

ومثال ذلك: واقع المجتمع في البحرين؛ فرغم وجود أغلبية شيعية ووجود حركة إسلامية في بواكير نشأتها منذ أواخر الستينيات، إلا أنه لم يكن ثَمّة صوت شيعي فاعل أو حركة مؤثرة توازي القوى القائمة في الساحة حتى ما قبل عام (1979م). والشاهد عينه يظهر في الساحة اللبنانية: فحينما وصل السيد موسى الصدر (رحمه الله)[1] في بداية السبعينيات، كان المجتمع الشيعي مجتمعاً هامشياً في شتى فئاته ومستوياته، إلى أن بدأت وسائل الإعلام ومراكز الأبحاث كافة ترصد كنه هذا المارد الذي برز فجأة إلى العلن في فبراير من عام (1979م).

التحول التاريخي بعد عام 1979م وبروز القوة الشيعية

إذا رجعنا -كمؤشّر بسيط جداً- إلى مستوى الدراسات التي أنتجتها مراكز الأبحاث الغربية ومراكز اتخاذ القرار ما قبل عام 1979م وما بعده، فسنرى قفزةً هائلة جداً وليست مجرّد فجوة؛ إذ بدأ العالم كلّه يلتفت إلى وجود مجتمع يُسمّى «المجتمع الشيعي»، وإلى انبثاق قوّة سياسيّة جديدة تنافس القوى القائمة اسمها «القوّة الشيعية». ولعلّ من أفضل من كتب في هذا الشأن حديثاً في عام 2006م الباحث الأمريكي ذو الأصول الإيرانية فالي نصر[2] في كتابه المعنون بـ«صعود الشيعة». وبمعنى آخر، فإنّ الصدمة أو المفاجأة التي أصابت العالم من هذا الوجود ومن هذا المجتمع كانت بالغة الشدّة. وفي أثناء التحضير لهذه المحاضرة، مرّ بي كتاب صادر حديثاً -قبل ثلاثة أو أربعة أشهر تقريباً- لباحث إسرائيلي كان عضواً في جهاز الاستخبارات الإسرائيلي وعمل فيه ثلاثين سنة ثم تقاعد وغدا خبيراً أمنياً، حيث أصدر كتاباً في شهر مايو بعنوان «السيد حسن نصر الله: الصعود والهبوط».

وإذا نظرنا إلى أنّ قوّة هذا المجتمع الشيعي قد نشأت في العصر الحديث بوصفها حركةً تاريخية، فابتداءً من سنة 1979م بدأت تتشكّل معالم جديدة متعدّدة للمجتمع الشيعي. وهنا يَرِد التساؤل: ما الذي فعلته الثورة الإسلامية؟ وما الجديد الذي أتت به؟ وهل أدخلت عقيدةً جديدة إلى التشيّع، أم أدخلت عناصر لم تكن موجودة في الحقب الماضية ونقلت عبرها التشيّع من حيّز إلى حيّز آخر؟ وهذا هو موضع النقاش؛  فالثورة الإسلامية وتجربة حزب الله والتجارب الشيعية التي منحت المجتمع الشيعي صوتاً وقوّة على مستوى العالم لم تكن أمراً مستحدثاً مفصولاً عن أصله، فكيف تكون غير جديدة؟

والحاصل: أننا نستند هنا إلى أربعة عناصر نراها أساسيةً جداً في رسم معالم القوّة التي نقيس من خلالها قوّة المجتمع الشيعي؛ غير أنّ ذلك مبنيٌّ على التجربة التاريخية المعاشة؛ لأنّ هذه المؤشّرات والمعايير التي نتناولها قد تختلف في فترات زمنية أخرى، وربما نكون بعد مئة عام بحاجة إلى معايير جديدة؛ تأسيسًا على ما قرّرناه في البدء من وجود مؤشّر تاريخي، ومقتضى ذلك أنّ المؤشّرات والمحرّكات التي نزن القوّة على ضوئها قابلة للتحوّل والتغيّر.

مقومات الاقتدار: حاكمية الفقه وتفعيل الإسلام الحركي

العنصر الأول: من عناصر القوّة التي أوجدتها الثورة الإسلامية يتمثّل في لجوئها إلى موارد القوّة ومنابعها وإعادة هندستها بنسق جديد؛ فالمرجعية الدينية وسلطة الفقه على حراك الناس تمثّل إدارةً جديدة للمورد عينه. ونحن هنا لا نُضفي معنى مبتدعاً لولاية الفقيه[3]، ولم نُدخلها في منظومة الفقه الشيعي كأمر مستحدث، وإنما نُقل الفقه من دائرة الفتوى الفردية والدرس الحوزوي الخاص إلى جعل سلطة ودور للفقيه داخل المجتمع، مهيمناً على الأفراد والمؤسسات والجماعات.

والنتيجة: أننا لسنا بصدد اختلاق عنصر ولاية الفقيه كما قد يدّعي بعضهم من أنّ السيد الإمام[4] (رحمه الله) قد ابتدع مفهوماً داخل الفكر الشيعي، وإنما المعنى الجديد الذي اكتسبناه بفعل الثورة الإسلامية وتعلّمناه كجيل هو تحقّق سلطة الفقه وحاكميته على حركتنا كأفراد في المجتمع الشيعي؛ فلكي يغدو المجتمع قويّاً -ونحن نتحدث هنا على مستوى الأفراد والجماعة- فإنّ المقوّم الأول الذي يكتسب المجتمع الشيعي من خلاله اقتداره هو الارتباط بولاية الفقيه وحاكميته، وإذا ما أسقطت الجماعات الشيعية هذا العنصر من حساباتها، فإنّها تخسر ركناً أساسيّاً ومركزياً في بناء القوة السياسية التي نعيشها بوصفها تجربةً تاريخية في مجتمع يتطوّر عبر حركة التاريخ.

تُبيّن تجربتنا المعاصرة أنَّ عنصراً رئيساً من عناصر القوة يتمثل في الارتباط بحاكمية الفقه؛ إذ أثبتت التجربة -وكذلك النظر المقارن في موازين القوى- أنَّ حاكمية الفقيه تمنح المجتمع مصدراً أساسياً من مصادر المنعة والاقتدار. فإذا تخلى المجتمع عن هذا المبدأ، فإنه يتخلى عملياً عن ركنٍ رئيس ومركزي في بناء قوته السياسية، وهذا هو الفهم الأول لدور المرجعية الدينية والفقهية الذي كرسته تجربة الإمام الخميني (رحمه الله)، وتجربة الشهيد الأقدس في حزب الله، والتجارب الرائدة في هذا المضمار، من حيث استنادها إلى هذا المفهوم وجعله ركيزةً للتحرك الفاعل.

والسؤال المطروح هنا: لماذا يُعدُّ الارتباط بهذه الحركة عنصراً من عناصر القوة السياسية؟ وما هو الفارق الجوهري بين التصور الحركي للدين وبين التصور البسيط والساذج للتدين أو الفكر الديني؟ لقد كنا نلتزم بأداء الصلاة والصيام ونجري على وفق منظومةٍ أخلاقية محددة؛ فما الذي أضافه الفهم الحركي إذن؟ وهل هو ابتكارُ فهمٍ جديد للدين من الأساس، أم هو تحويرٌ مستحدث لوظائف معينة ومقاصد شرعية يبتكرها صاحب الإسلام الحركي؟

لقد كنا نبحث في دراسات التنظيمات الحركية إبان الثمانينيات والأدبيات الفكرية المتداولة آنذاك -من قبيل كراس «خطوات على طريق الحركة الإسلامية» ونحوه- في تحرير مفهوم الإسلام الحركي، والنظر في كونه عنصراً مضافاً يُكسب المجتمع قوةً ومنعة. وتأسيساً على ذلك، فإنَّ بناء مجتمعٍ مقتدر يستلزم بالضرورة غرس هذا المفهوم في ثقافتنا العامة ولدى سائر الأفراد المتعامل معهم؛ إذ ليس المطلوب في المنظور الحركي مجرد الحفاظ الساكن على التدين الفردي.

ففي الفهم السابق -أي ما قبل عام 1979م- كانت الوظيفة تقتصر على الحفاظ على إقامة الصلاة، وعمارة المسجد، وإحياء المأتم؛ وهذا غاية ما يمثله الفهم التقليدي أو الحد الأدنى من الوظيفة الدينية العامة. بيد أنَّ هذا النمط من التدين -وإن كان كفيلاً بإبقاء المرء والمجتمع على قيد الحياة وممارسة الشعائر والطقوس- قاصرٌ عن إكساب المجتمع قوةً فاعلة؛ لكونه لا يملك فاعليةً مؤثرة في الواقع الاجتماعي، وتنقصه القدرة على الاحتكاك بالآخرين ورسم الحدود والفواصل الموضوعية في مواجهتهم.

أمّا في الفهم الحركي: فإنَّ المهمة تنصرف ابتداءً إلى تفعيل هذه المفاهيم في الواقع الخارجي، ودفعها لتكون ذات أثرٍ مباشر في الواقع المعاش؛ بحيث يتحول نداء «اللهُ أَكْبَرُ» في الأذان من مجرد إقرارٍ قلبي بتعالي الذات الإلهية، إلى عنصرٍ سياسي فاعل يُوظَّف في مقارعة الطواغيت ومناهضة قوى الاستكبار. وتلك عمليةٌ دقيقة في الفهم الحركي للدين؛ إذ تقتضي ترحيل المفاهيم الدينية التي يتربى عليها الفرد من حيز التجريد الفردي إلى التطبيق العملي في الساحة الاجتماعية.

ومقتضى ذلك: أن يُصبح الفرد مطالباً بإنتاج المجتمع وصناعته، بدلاً من الانكفاء داخل جدران البيت والاكتفاء بالعبادة الفردية، أو البكاء على مصاب الإمام الحسين (عليه السلام) مع الظن بأنَّ التكليف قد استُوفي بذلك. فالوعي الحركي ينقل البكاء من الانحباس في الحيز الذاتي والعاطفة الفردية إلى أن يصبح عاطفةً مجتمعيةً هادرة؛ فتتحول الدمعة المسكوبة في الموكب أو المجلس العاشورائي إلى انتصارٍ للمستضعفين، ومواجهةٍ صريحة لأي سلوكٍ ظالم أو جائر في المجتمع. وتلك جزئيةٌ من جزئيات الفهم الحركي، غير أنَّ الفهم الأعمق لشمولية الدين يقضي بتأصيل هذه المفاهيم وتقديمها في موقع الصدارة على سائر المفاهيم الأخرى.

تتعدَّدُ في الساحة الفكريّة والسياسيّة الأطروحات؛ فثمَّ الأطروحة العلمانيّة، والأطروحة الشيوعيّة، والأطروحة الليبراليّة، في مقابل الأطروحة الإسلاميّة أو الدينيّة، وهذه الأخيرة كانت قبل انتصار الثورة الإسلاميّة وقبل نهضة الإمام الخمينيّ[5] (رحمه الله) متواريةً إلى حدٍّ بعيد، فلم تكن ثمَّ أطروحةٌ إسلاميّةٌ تناهض سائر الأطروحات المهيمنة على قيادة المجتمعات وإدارة الدول والنظام العالميّ.

والعنصر الثاني: من عناصر اكتساب الجماعة الشيعيّة لقوّتها — بعد أصل ولاية الفقيه[6] — يتمثَّل في تحويل الفهم الدينيّ الفرديّ إلى مفهومٍ حركيٍّ فاعلٍ ينطلق في رحاب المجتمع، سواء أكانت الدولة الحاكمة علمانيّةً أم ليبراليّةً أم غير ذلك؛ إذ في ظلّ الفهم التقليديّ السالف لم يكن الفرد معنيّاً بهذا الميدان لافتقاره إلى أدوات التأثير والقوّة، أمّا في ضوء هذا الفهم الحركيّ للدين والتديّن، وبالاستناد إلى المفاهيم الدينيّة الرساليّة التي يتربّى عليها، فإنّه يسعى لتثبيت مكانته وموقعه ضمن المنظومة القانونيّة والدستوريّة للدولة.

ومقتضى ذلك: الانطلاق نحو المجتمع والشروع في التعبئة الواعية على قاعدة أنّ الفرد مكوّنٌ أصيلٌ من مكوّنات هذا المجتمع، وله حقوقٌ مكفولةٌ في الدستور والقانون؛ وحينئذٍ يتحوّل الوجود من حيّز التهميش والظلّ إلى أفق الظهور والتأثير، ومن حالة السكون والانكفاء إلى مرتبة الفاعليّة والحركة، فتحصل القوّة والاقتدار. ومتى ما تآزرت هذه العناصر مجتمعةً تحقّقت المنعة، أمّا عند غيابها فإنّ الحركة ترتبك وتؤول إلى الضعف أو تغدو عرضةً للوأد والانتكاس؛ ومن هنا فإنّ اكتمال هذه المنظومة المتكاملة هو الذي يمنحنا النموذج الملهم في تشييد أركان القوّة.

أولوية بناء المجتمع والانخراط في الشبكات الإقليمية

والانتقال الآخر: بعد ترسيخ مفهوم الإسلام الحركيّ — القائم على نقل المفاهيم الدينيّة إلى الساحة الاجتماعيّة بدلاً من حصرها في النطاق الفرديّ المحض، على حدّ تعبير الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر[7] (رحمه الله) — هو التوجّه إلى أولويّة «بناء المجتمع» مقدَّماً على «بناء الدولة والوصول إلى السلطة». والداعي إلى هذا التمايز أنّ جلّ القوى السياسيّة تتوجّه رأساً نحو الاستيلاء على مقاليد الدولة؛ فتنظّم الأحزاب هياكلها، وتستقطب الكوادر الطلابيّة والنخب الفاعلة، جاعلةً غايتها القصوى الوصول إلى سدّة الحكم لتكون المهيمن والموجّه الأوحد في المجتمع. والسؤال هنا: هل يُجدي في تشييد القوّة السياسيّة الاستيلاء على السلطة بمعزلٍ عن بناء المجتمع وتكوين قاعدةٍ مجتمعيّةٍ متينة؟ والجواب: إنّ شواهد التاريخ والتجارب الإنسانيّة كافّة — ولا يختصّ ذلك بالواقع الشيعيّ فحسب — تقطع بأنّ مجرّد التمكّن من مفاصل السلطة لا يعني بالضرورة امتلاك القوّة على نحوٍ مستديم.

والشاهد على ذلك: تجربة السيّد الإمام الخمينيّ (رحمه الله)؛ إذ ركّز جهده ابتداءً على صياغة المجتمع وبنائه عقديّاً وثقافيّاً، ثمّ انطلق بعد ذلك إلى بناء الدولة؛ وقد استغرق هذا المسار ما يقارب عقدين أو عقدين ونصف من الزمن، عكف خلالها على إعداد مجتمعٍ شيعيٍّ واثقٍ ومقتدر، استطاع به مقارعة نظام الشاه ومواجهة قوى الاستكبار العالميّ والولايات المتّحدة الأمريكيّة. ومن ثَمَّ، فإنّ العامل الحاسم والمؤثّر في صياغة قوّة الجماعة الشيعيّة ليس الوصول إلى السلطة بحدّ ذاته، بل إرساء بنيةٍ مجتمعيّةٍ صلبة، وقاعدةٍ جماهيريّةٍ راسخة تدين بحاكميّة الفقه وتلتزم الفهم الحركيّ للتديّن.

المبحث اللاحق: هو «الشبكة الدينيّة، وتداول الخبرات، وبناء العلاقات»؛ وهذا المبحث يُعَدّ من أمهات مسائل القوّة السياسيّة لأيّ جماعة، ولا سيّما الجماعات الشيعيّة. وتكمن أهمّيّته في دفع وهمٍ يقع فيه البعض في كثيرٍ من الأحيان، حين يتصوّر إمكانيّة تشييد قوّةٍ سياسيّةٍ بمعزلٍ عن الامتداد الإقليميّ والشبكيّ؛ فيحسب أنّه قادرٌ على بناء حالةٍ مقتدرةٍ في البحرين مثلاً على نحوٍ منفرد، من غير ارتباطٍ بالجمهوريّة الإسلاميّة في إيران، أو الدخول في علاقةٍ وثيقةٍ مع تجربة حزب الله، أو الاستفادة من التجربة الكويتيّة، أو التواصل مع تجربة المؤمنين في السعوديّة، أو الاكتراث بما يجري في الساحة العراقيّة؛ وهو تصوّرٌ قاصرٌ لا ينسجم مع أسس بناء المنعة والاقتدار.

والحاصل في هذا المعيار: أنّ التجربة التاريخية والقراءة الموضوعية لا تؤيّدان مسلك الانعزال، إذ إنّ بناء قوة شيعية وازنة وقادرة على الفعل والتأثير يستلزم بالضرورة الانخراط في شبكة علاقاتٍ عابرة للحدود. ومما لا شك فيه أنّ هذا المسار يكتنفه تعقيدٌ سياسي وعملياتي بالغ؛ نظراً إلى أنّ الأطر القانونية والسياسية للدول والأنظمة تضع عوائق جمّة تمنع التواصل والتنسيق المباشر بين المجتمعات والقوى المتماثلة. ومن هنا يُستحضر في حقلي علم الاجتماع والعلوم السياسية مفهوم «الفواعل العابرة للحدود»؛ إذ يتعيّن على المجتمع أن يبني تجربته بالاستناد إلى التجارب القائمة وتداول الخبرات معها، ولا تستطيع أيّ جماعة شيعية أن تبني لنفسها اقتداراً حقيقياً بمعزل عن شبكة إسنادٍ تمدّها بالقوة والفاعلية.

ومثال ذلك: ما يجري في الأمثال السائرة: «من ليس له كبير فليصنع له كبيراً»[8]؛ ومقتضى ذلك أنّ من المعايير الجوهرية التي يجب الالتفات إليها في بناء القوة هو الدخول الواعي في شبكة الإسناد الحاضنة والاستفادة من دعمها.

فإن قيل: هل هذه الشبكة السياسية هي القالب الحصري والوحيد الذي تنتظم من خلاله الجماعات الشيعية؟

والجواب: كلا؛ فإنّ الساحة تشهد شبكات متعدّدة ومتباينة؛ فهناك شبكات التقليد، والشبكات الشعائرية، بل وهناك شبكات تتبنّى خطوطاً مناهضة ومناوئة للشبكة المستهدفة. غير أنّ المجتمع، بوصفه قوة سياسية تسعى إلى أن يكون لها شأنٌ واعتبار، ملزمٌ بالدقة في اختيار الشبكة التي ينتمي إليها؛ نظراً إلى أنّ سوء الاختيار في الانتماء إلى الشبكات العابرة للحدود يورث الضعف والوهن، في حين يمنح حسن الاختيار منعةً وقوة. وقد يُبتلى المرء في بعض المراحل بالانخراط في شبكات مشبوهة، ومثال ذلك ما عبّر عنه السيد القائد بـ«التشيّع اللندني»[9]، بوصفه شبكةً عابرة للحدود ممتدة الأطراف في البحرين ولبنان وسائر الساحات.

مركزية القضية الفلسطينية وتحديات التطبيع

عنصر القضية الفلسطينية: إنّ من أبرز عناصر القوة التي تستلهمها المجتمعات الشيعية من تجربة العقود الأربعة المنصرمة هو موقع القضية الفلسطينية؛ فهل كان الإمام الخميني (رحمه الله) مجانباً للصواب حينما جعل فلسطين البوصلة السياسية لحركة المجتمعات؟

والتحقيق: إنّ التوجّه نحو القضية الفلسطينية مثّل الوقود المحرّك والرافعة الحقيقية التي استطاعت المجتمعات الشيعية من خلالها، طوال أربعين سنة مضت، أن تراكم قوتها السياسية، وليس ذلك لمجرد الاعتبار الجغرافي، بل لخصوصية القضية الفلسطينية في ذاتها؛ إذ تتماهى فيها وتتجمّع سائر المفاهيم والأطر الحاكمة للقضية الشيعية: كالإمامة، والعدالة، والاستنهاض، والعزة، والكرامة، ومقاومة الظالمين، وهي أصولٌ وقيمٌ راسخة في عمق الفكر الشيعي على امتداد ألفٍ وأربعمائة عام. وقد تجلّت ترجمتها المعاصرة خلال العقود الأربعة الماضية في الساحة الفلسطينية بأجلى مظاهرها؛ فمن قاوم المحتل الغاصب في فلسطين، فإنه حتماً سيقاومه في لبنان، والبحرين، والعراق، وفي أيّ صقع من العالم. وحين ينهض الإنسان للمقاومة فإنّه يمتلك زمام الفعل والإرادة والقوة الدافعة، ويفرض احترامه وهيبته التامة على الجميع.

والنتيجة: إذا غدت القضية الفلسطينية في حسّ الإنسان قضيةً خارجية هامشية لا تعنيه، فإنّ جميع المفاهيم العقدية التي نشأ عليها وتوارثها تؤول إلى ما يشبه خزانة كتب مركونة في زاوية مهملة لا حياة فيها ولا فاعلية. والحاصل أنّ الميزان الأقوم لاختبار قدرة الفرد على ترجمة دينه إلى فهمٍ حركي، أو إنفاذ حاكمية الفقه[10]، أو الإسهام الجادّ في بناء صرح المجتمع، يكمن في رصد موقعه الفعلي من قضية فلسطين وأين يقف من نصرتها.

وحتى يتّضح موقع قضية فلسطين ومحلّها من الإعراب في مسار بناء القوة، نلحظ مآل اتفاقيات التطبيع وما أفضت إليه؛ إذ يُطرح التساؤل: لِمَ فُرِضت هذه الاتفاقيات في هذا العصر بكثافةٍ عالية؟ وما المشروع الكامن وراءها؟

والتحليل في هذا المقام: — بحسب قراءةٍ موضوعية قد تكون متواضعةً أو غير مكتملة — يقود إلى أنّ الغاية الحقيقية من اتفاقيات التطبيع ليست مجرّد إقامة علاقاتٍ دبلوماسية بين الكيان الصهيوني ومجموعةٍ من الدول العربية؛ فإنّ هذا النمط من العلاقات قائمٌ منذ أربعة عقود ونشوء الكيان، وتلك الأنظمة تمتلك قنوات اتصالٍ قائمة معه، فضلاً عن أنّ إسرائيل غير معنيّةٍ في الأصل بإعلان هذه الدول المحيطة بها للتطبيع أو عدم إعلانه.

وعليه: فإنّ المستوى الدبلوماسيّ المُعْلَن لتطبيع العلاقات السياسية ليس هو الغاية الواقعية، بل جاء التطبيع لمواجهة قوةٍ نشأت وتأسّست ضدّ هذا المشروع، ونعني بها قوة المجتمع الشيعي أو قوة محور المقاومة التي نتحدّث عنها. وهنا تبرز التجربة العملية للشهيد الأقدس (رحمه الله)[11] في كيفية توظيف القضية الفلسطينية لتوسيع هذه القوة ومضاعفتها، في قبال ما يجري من استهدافٍ للأركان الخمسة في بناء القوة؛ وفي طليعتها استهداف «ولاية الفقيه»[12] أولاً، كما رأينا في البحرين حين خرج وزير الداخلية ليعلن الحرب على ولاية الفقيه، باعتبارها المتراس الأول والساحة الرئيسة في المواجهة مع المجتمع.

وقد تلت ذلك محاولاتٌ حثيثة لتعطيل الفهم الحركيّ للتدين وللإسلام وتفتيته، وحصر الدين في دائرة العبادات الفردية الهامشية التي لا فاعلية لها في الشأن العام، ومحاولة دفع المجتمع للانتماء إلى منظوماتٍ بديلة، ثم جاء مشروع التطبيع ليُكمل تفكيك هذه الركائز الأساسية في مسار بناء القوة الشيعية ضمن تجربتنا التاريخية المعاصرة.

والحاصل: بعد الفراغ من تشخيص هذه العناصر المعيارية، فإنّ التجربة التي نشأت وتراكمت طوال أربعين عاماً، والمتمثلة في تجربة الإمام الخميني (رحمه الله)[13] والشهيدين (رحمهما الله)[14]، تجعلنا نتساءل عمّا أحدثوه لنقل المجتمع الشيعي من التهميش إلى الحضور والاقتدار؛ فالشعائر والمواكب والمآتم كلها موارد كانت موجودةً مسبقاً ولم يُبتكر فيها شيءٌ من العدم، غير أنّ نقطة التحوّل تكمن في حسن إدارة هذه الموارد وتوجيهها.

وهذا التوجيه: لا يمثّل طعناً في إدارة السابقين، بل هو انتقالٌ نحو إعطائها وظائف جديدة ومفاهيم معاصرة؛ تماماً كما هو الحال في مسألة «ولاية الفقيه»، فهي أصلٌ فقهيّ قائم لم يبتدعه أحد، وإنما أُعيد توظيفه ومُنِح فاعليةً تاريخية بحسب مقتضيات السعة والضيق في حركة المجتمع، حتى مع إمكانية تعذّر طرح بعض المفاهيم بصورةٍ علنية في مراحل التضييق والمنع.

لو فُرِضَ بعد عشرين سنة في البحرين أن تشتد الأزمة ويتصاعد المنحى القمعي وتبسط الدولة سيطرتها، حتى يبلغ الأمر حدَّ أن يُسجَن المرء عشر سنوات لمجرد الكتابة عن ولاية الفقيه[15]، فإن هذا الاحتمال قائمٌ وممكن، بيد أن الاستعداد لهذه اللحظة والعمل على الحيلولة دون وقوعها يبدأ من اليوم، وذلك عبر إعادة توظيف المفاهيم والموارد المتاحة بما يخدم أداء الوظائف المنشودة. ومثال ذلك: ما تجلّى في تجربة الشهيد السيد حسن نصر الله (رحمه الله)؛ إذ كان الناس يخرجون إلى مواكب العزاء ويقيمون المآتم ذاكرين الإمام الحسين والسيدة زينب (عليهما السلام)، ولكن حينما كان يعتلي المنبر في خطاباته متناولاً واقعة الطف ومواقف العقيلة زينب، كان الحاضرون يستشعرون معركة جديدة ومضامين حية يعايشونها لأول مرة، وهذا عين التوظيف الاستثنائي للمورد التاريخي القائم. والشاهد التاريخي: أن ليلة العاشر من المحرم قبل عامي 1985 و1986م كانت تمرّ على نحوٍ اعتيادي؛ حيث يتوجه الناس إلى إقامة العزاء في المنامة أو في أحيائهم وقراهم، حتى إذا بلغت الساعة منتصف الليل أو الواحدة بعده أُغلقت المآتم وعاد الجميع إلى بيوتهم، بانتظار الخروج مجدداً في صبيحة اليوم التالي عند الساعة السابعة، غير أنه بعد هذين العامين غدت ليلة العاشر في المنامة محطةً مفصلية؛ إذ احتشدت الجماهير للاستماع إلى الخطاب العاشورائي للشيخ عيسى أحمد قاسم[16]، الذي رفد المجتمع برؤية جديدة وفهم معاصر لنهضة عاشوراء.

والحاصل: أننا حينما نوظف مفهوم عاشوراء، نكون قد منحنا الموارد العاشورائية الممتدة عبر ألف وأربعمائة عام وظيفةً متجددة؛ فالأمر لا يقتصر على البكاء وحده — وإن كان البكاء على سيد الشهداء أمراً مندوباً ومؤكداً عليه ومطلوباً في أصل التشريع — وإنما تُعطى هذه الموارد في التجربة الحركية وبناء القوة وظيفةً حيوية تخدم مسار الصعود والمقاومة، وبذلك تحول خطاب ليلة العاشر في المنامة إلى منبرٍ من منابر الصمود والمقاومة والارتقاء والبناء المجتمعي.

المورد الآخر: هو مسألة المرجعية الدينية؛ فإن عامة المكلفين ملزمون بالتقليد شرعاً لتعذر الاجتهاد والاحتياط في حق أكثرهم[17]، فيقلد العامي من شاء من الفقهاء الجامعين للشرائط، بيد أن المكلف حين يرتبط بمرجعية حركية فاعلة تشع قوة وتمنح العزة، فإن مجرد هذا الارتباط يورثه شعوراً بالاقتدار والحضور، دون أي ابتداع في أحكام التقليد أو نقض لقواعده بالدعوى الباطلة القائلة بوجوب تقليد هذا وبطلان تقليد ذاك، بل انصبّ الجهد على توظيف آلية التقليد والرجوع إلى الفقيه في المسار الذي يبني القوة المجتمعية، عوضاً عن البقاء في دائرة الحياد السلبي أو الانزلاق إلى مسالك التثبيط. والقاعدة هنا: أن حسن إدارة الموارد المتاحة وإكسابها فاعليةً حركية جديدة يمثل ركناً أساسياً في مسار تشييد القوة وإعادة استئنافها لاحقاً.

الواقع الراهن: إننا اليوم بعد هذه الفجيعة الكبرى ورزء فقد العَلَمين (رحمهما الله) قد خسرنا قدراً كبيراً من القوة والسلطة والحضور، وأمسينا في موقع المستضعفين، وتغدو مهمتنا الراهنة استعادة تلك القوة المفقودة؛ إذ إن الشهيدين (رحمهما الله) قد أرسيا معياراً واضحاً للاقتدار، وشقّا طوال أربعين عاماً درباً تفيأ فيه المجتمع ظلال العزة بجميع أبعادها، فبينما كان المرء يتهيب إظهار هويته بافتخار، غدا الجميع بفضل هذين القائدين يجهر بانتمائه معتزاً. واليوم، وإن خيّم الاستضعاف المؤقت جراء تكالب القوى المعادية على هذا النتاج وتلك التجربة، فإن استعادة القوة منوطة بالتمسك بالعناصر المتقدمة وإعادة تفعيل الموارد وتوجيهها، مع التنبيه الجازم على أن هذا الطرح النظري بمفرده لا يولد قوة واقعية ما لم تستكمل سائر الأركان البنائية.

موقع القيادة ومعالم خط الإمام في استدامة القوة

حتى لو امتلك المجتمعُ المواردَ وأحسن إدارتها، وشرع في توظيفها توظيفاً سديداً بأيِّ عنوانٍ كان، فإنه يبقى مفتقراً إلى القيادة؛ إذ هي أخطرُ عنصرٍ من عناصر بناء القوّة. فإنّ المجتمعات الشيعيّة إنْ أرادت أن تكون مجتمعاتٍ قويّةً، مناهِضةً ومقاوِمةً تحفظ وجودَها، فيجبُ عليها أن تمتلك قياداتٍ، أو تأوي إلى قياداتٍ تكون بمستوى الفعل والتحدّي؛ فإنّنا إنْ أخطأنا يوماً في اختيار القيادة، أو تقاعسنا عن نصرتها، أو دخلنا في دائرة التشكيك في أدائها، فإنّنا سنفقد سائرَ عناصر القوّة المبحوثِ عنها.

إنّ وجود القائد وتجربته القياديّة: يُعَدّ أمراً رئيساً في صناعة القوّة وبناء المجتمع الصّلب؛ فالسيد الشهيد (رحمه الله) —الشهيد الأقدس— تسلّم القيادةَ عقب استشهاد السيد عباس الموسوي[18]، وإنّ ما صنعه ودراسة هذه التجربة القياديّة لَتُشكّل نموذجاً ملهماً بحقّ، وهذا هو عينُ الإلهام الذي نؤكّد عليه. وكذلك السيد القائد (دام ظله) ورث مجتمعاً منهكاً من حربٍ ضروس استمرّت ثماني سنوات، وكان مجتمع إيران عام 1989 م يضمّ أربع أو خمس جامعات، ونحو خمسة عشر أستاذاً حائزاً للدكتوراه، غير أنه كان مجتمعاً صلباً متماسكاً بقيادة الإمام الخميني (قدس سره)؛ ومن ثَمّ كان تطوّر إيران وانتقالها النوعي من عام 1989 م إلى عام 2006 م متحقّقاً بقيادة شخصٍ أَلْهَم الجميعَ أن يتحرّكوا ويبذلوا قصارى وُسعهم في تشييد النموذج المنشود.

ونحن في البحرين نملك قيادةً ولدينا ما يتعيّن البناءُ عليه والانطلاقُ منه؛ فإنّ مناكفة القيادة، أو التشكيك فيها، أو وضع العراقيل أمامها، أو إهمالَ شأنها، كلّها عواملُ تسلب منابعَ القوّة. ولنتأمّلْ كيف بلغت التجاربُ القياديّة الناجحة غاياتِها، بدءاً من سمات القائد وكاريزميّته، وطريقة إدارته للموارد وحسن توظيفه لها، وصولاً إلى القاعدة والأتباع؛ إذ لا مناصَ في بناء المجتمعات القويّة من تحقّق التلاحم.

والشاهد التاريخي: أنّ منشأ القوّة لدى معاوية كان مرتكِزاً على شدّة تلاحم مجتمعه مع قيادته؛ وبقطع النظر عن ميزان الحقّ والباطل والخطأ والصواب، فإنّ هذا يمثّل قانوناً اجتماعيّاً وسنّةً تاريخيّة مطردة.

وحينما يلتحم المجتمع بقيادته، ينضاف إليه عنصرٌ جوهريّ من عناصر الاقتدار، وفي اليوم الذي يعرض فيه الانفكاكُ أو يسود التوتّر بين قاعدة المجتمع وقيادته —أياً كان شكل القيادة، وسواء أكان الفرد راضياً عنها أم غير راضٍ، وسواء أكانت قيادةً ملهمةً أم كاريزميّةً أم روتينيّة— فإنّ القوّة تتفتّت وتتبدّد؛ ولهذا السبب فإنّ الدوائر المعادية لا تبتدئ بمواجهة المجتمع في حال شوكته وتماسكه، بل تعمد أولاً إلى تفتيت القيادة أو عزلها أو بثّ الشكوك حولها، لتنقضّ بعد ذلك على المجتمع بأسره.

وخلاصة ما يمكن تقريره في مسألة القيادة وتجربة القائد: أنّنا لكي نُوفّق لانتخاب القائد التاريخي الخاصّ بتجربتنا، يلزمنا أن يكون هذا القائد —علاوةً على ملكاته الذاتيّة وصفاته الفقهيّة المتوافرة فيه— قادراً على إدارة الموارد بحكمة، وموجّهاً إيّاها توجيهاً جديداً وحركيّاً يخدم أركان نموذج بناء القوّة الشيعيّة؛ وبخلاف ذلك، لا ندّعي السقوطَ التامّ أو التهاوي، ولكن يصعب عسراً التسامي إلى مصافّ القوّة بلا حيازة هذه العناصر، وبلا وجود قيادةٍ رشيدة تُعيد تدوير الموارد وتعيّن المنطلقات الحديثة في إدارتها.

ما الشكل الأنسب الذي تقترحه هذه القيادة في تحريك المجتمع؟ هل هو تشكيل حزب؟ قد يكون ذلك، وقد نلجأ إلى تشكيل تنظيم سياسي معيّن، ولكنّ هذا التنظيم في بعض الأحيان قد لا يكون هو الخيار الأرجح؛ ففي سنة 1967-1969 أُنشئ تنظيم في البحرين، وهو تنظيم حزب الدعوة، وعقب ذلك أُنشئ تنظيم حركة الرساليين ليجمع خط السيد هادي المدرسي[19] وخط الدعوة، ولكن في سنة 1982-1983 تهاوى كلا التنظيمين وأصبحا غير مجديين، وهذا ما ينقلنا إلى التجربة القيادية من خلال هذا الخط.

ومعنى خط الإمام كمعيار للقيادة: إنّ خط الإمام — في التحليل أو فيما نفهمه — ظهر مصطلحه بعد أن سيطر الطلاب على السفارة سنة 1979، ومن خلاله تبلورت مسألة خط الإمام، وتحول لاحقاً إلى تيار حزب الله، ولكنّ خط الإمام ليس حركة تاريخية وانتهت، بل يمتلك معايير محددة، وقد وضع الشيخ الآصفي (رحمة الله عليه)[20] — هذا الإنسان الزاهد الذي فَهِم اللحظة التاريخية — أربعة أو خمسة معايير حتى نشخّص خط الإمام الذي يُنتج لنا القيادة ومعايير القوة وترجمتها.

والحاصل: إنّ خط الإمام هو الخط الذي نحن مطالبون بالسير عليه، فكل تجربتنا اليوم التي نتحدث عنها هي تجربة خط الإمام (رحمة الله عليه)، وهذا التنافس القائم بيننا هو تنافس على فهم هذا الخط أو تمثيله، سواء كنا نتحدث عن ائتلاف أو وفاء أو وفاق، فجميعهم تحت هذه المظلة، ولكنّ ترجمة هذا الخط وفهمنا له يخلقان تنافساً قد يعيق بناء القيادة أو بناء القوة؛ فالمجتمع الشيعي إذا أراد أن يبني لنفسه قوة حقيقية تضاهي القوى الأخرى وتضاهي القوى المتسلطة، فإنّ المسلك الحالي والمخرج الزمني الذي نتحدث عنه هو خط الإمام (رحمة الله عليه).

المعلَم الأول: يقوم خط الإمام أولاً على حاكمية الفقه[21]، وهي واحدة من عناصر القوة الرئيسية التي تحدثنا عنها في البداية، فأي خط خارج عن هذه المرجعية وعن هذا الفهم يُضعف المجتمع ولا يُقويه.

المعلَم الثاني: هو الفهم الحركي، ولكن بمعنى الأصالة، أي أصالة الفهم الديني في الحراك؛ فإذا نقل الإنسان تجربة سابقة كانت علمانية أو شيوعية أو ليبرالية أو مادية إلى الفهم الديني، فهذا خلل كبير نواجهه، ولذلك نرى أحياناً من العاملين في هذا الاتجاه مَن يُشار إليهم بأنّ لديهم مفاهيم غربية أو ليبرالية تفتقر إلى الأصالة الدينية في الفهم، والأصالة الدينية لا تعني التكلس أو التطرف، بل تعني تحكيم الفكر الديني والعقلية الدينية في النظر إلى المفاهيم الحركية التي نتعامل معها، فإذا بُني المجتمع على أفكار غربية أو إلحادية أو مفاهيم تفتقر إلى الأصالة، فلن نبني مجتمعاً قوياً متماسكاً، بل سنبني مجتمعاً هجيناً ومشتتاً، ولذلك نحن بحاجة في خط الإمام (رحمة الله عليه) إلى أصالة دينية حقيقية في الفهم وفي سائر المفاهيم.

والمتحصّل: أنّه لا بدّ من وجود نخبةٍ تتّجه نحو الاجتهاد في المفهوم الدينيّ وفي الفهم الحركيّ؛ إذ لو خلا المجتمع من مجتهدين في المفاهيم الدينيّة، لآلَ الأمر حتماً إلى الوقوع في حبائل الاستيراد الفكريّ والالتقاط.

المعلَم الثالث: إنّ الركيزة الثالثة من معالم بناء القوة في خطّ الإمام (رحمة الله عليه) تُعدّ أربى وأهمّ ممّا تقدّم كلّه؛ ذلك أنّ المفاهيم السابقة متراوحة ولا ضابطة قطعيّة تحسمها في مقام الدعوى؛ إذ يسوغ لكلّ أحدٍ أن يدّعي تمثيل الوليّ الفقيه، أو ينادي بولاية الفقيه، أو يدّعي لنفسه أصالة الاجتهاد في الفهم الدينيّ أو الحركيّ، أو يستند إلى رصيد سابقٍ من الاعتقال والسجن، غير أنّ هذه الدعاوى كلّها لا تمنح صاحبها تمايزاً حقيقيّاً عن غيره، ولا تمدّه بمصادر القوة الماديّة الواقعيّة.

والعنصر الرئيس: في خطّ الإمام (رحمة الله عليه) هو التربية الأخلاقيّة؛ فإنّ أيّ مجتمعٍ يحوز عناصر القوة بمعزلٍ عن تربيةٍ أخلاقيّةٍ مخصوصة، يظلّ فاقداً للأساس المتين. والمقصود هنا هو عنصر الإخلاص والربّانيّة في هذا المسلك الأخلاقيّ، وهو ما يعبّر عنه بعضهم بالعرفان أو الحالات الروحانيّة، ومكمن أصالته أنّه يتمحّض في مقام العبوديّة المحضة في قبال مقام الطاغوتيّة؛ فالارتباط بالله (سبحانه وتعالى) من خلال الأخلاق الربّانيّة هو الجامع المشترك لسائر العناصر المتقدّمة.

ومثال ذلك: ما يُطرح في معالجة مفهوم الصبر؛ فإنّ الفهم الساذج له ينحصر في مجرّد تجشّم الأذى وتحمّل الغربة، بيد أنّ المعنى الأخلاقيّ الحركيّ للصبر إنّما قوامه المحبّة؛ أي أن تعشق الغاية وتذوب فيها؛ فإذا أحببت المقاومة لم يقتصر شأنك على الصبر على لأوائها فحسب، بل استغرقتَ فيها وتفانيت، وإذا أحببت خدمة المؤمنين لم تجد في نفسك ضيقاً منها، بل يغدو مقصدك الأسمى استنقاذ هذا المجتمع من واقعه المرير، والارتقاء به إلى مراتب الكمال؛ وحين تنطلق من محبّة الناس، فإنّك تبذل وسعك في خدمتهم في شؤون عقيدتهم وسياستهم واقتصادهم واجتماعهم.

والقاعدة هنا: أنّك متى ما أحببت المجتمع وصبرت عليه، لم تفرّط فيه قطّ في غمرة الصراع مع خصمك، بل تعطف عليه وتصبر بدافع الحبّ الخالص؛ قياساً على صبر الوالد في أسرته على ولده شفقةً عليه ورعايةً لمصالحه. وهذا الفهم التأسيسيّ المستحدث للعنصر الربّانيّ في خطّ الإمام بوصفه خلقاً، يمثّل إعادة اعتبارٍ للأخلاق بوصفها منبعاً للقوة في مواجهة القوى السياسيّة والسلطويّة والأمنيّة.

والخلاصة: أنّنا متى ما أحرزنا هذه العناصر مجتمعةً، مقرونةً بالقوة الأخلاقيّة الربّانيّة المستلهمة من معالم خطّ الإمام (رحمة الله عليه)، فإنّنا نكون قد حقّقنا النموذج الأكمل في بناء القوة السياسيّة التي لا تدانيها قوة؛ فمهما بلغت المجتمعات الأخرى وتكتّلاتها — كالجماعات المتطرّفة ونحوها — من مظاهر السطوة والقوة الظاهريّة، فإنّها تقصر حتماً عن الصمود في قبال هذه المنظومة الرساليّة المتكاملة.

[1] السيد موسى الصدر (1347 – 1398هـ / 1928 – 1978م): عالم دين ومصلح إسلامي، ولد في قم المقدسة ودرس فيها وفي النجف الأشرف، واستقر في لبنان عام 1959م، وأسس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى وحركة المحرومين؛ تميز بنشاطه الديني والاجتماعي والسياسي في تمكين المحرومين ومقاومة الاحتلال. — المحقق

[2] فالي نصر (Vali Nasr): باحث وأكاديمي أمريكي مختص في شؤون الشرق الأوسط والعلوم السياسية، وكتابه صادر بالإنجليزية بعنوان: (The Shia Revival: How Conflicts within Islam Will Shape the Future) سنة 2006م، وتُرجم إلى العربية باسم «صعود الشيعة: كيف ستشكل الصراعات داخل الإسلام المستقبل». — المحقق

[3] ولاية الفقيه: مصطلح فقهي يُراد به ثبوت الولاية الشرعية والنيابة العامة للفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة الكبرى، لإدارة الشؤون العامة للأمة وحفظ النظام وتطبيق الأحكام الشرعية. وتفصيل المسألة بأدلتها مبسوط في المباحث الفقهية الاستدلالية، يُنظر مثلاً: النجفي، محمد حسن. جواهر الكلام. ج 21، ص 395 وما بعدها؛ الأنصاري، مرتضى. المكاسب (كتاب البيع)، ص 153 وما بعدها؛ الخميني، روح الله. كتاب البيع. ج 2، ص 459 وما بعدها. — المحقق

[4] هو الإمام السيد روح الله الموسوي الخميني (قدس سره) (1320 – 1409هـ)، فقيه وأصولي ومرجع دين، قائد الثورة الإسلامية ومؤسس الجمهورية الإسلامية في إيران. — المحقق

[5] الإمام روح الله الموسوي الخميني (1320 – 1409 هـ)، فقيه وأصولي ومرجع تقليد وقائد الثورة الإسلامية في إيران، ومؤسس نظام الجمهورية الإسلامية. — المحقق

[6] ولاية الفقيه اصطلاحاً: النيابة العامة للفقيه الجامع لشرائط الفتوى والعدالة والتدبير عن الإمام المعصوم (عجل الله فرجه) في إدارة شؤون الأمة ورعاية مصالحها العامة وحفظ النظام الإسلامي. — المحقق

[7] يُنظر في تفصيل نظريّة العمل السياسيّ وبناء الأمّة والمجتمع الصالح: الصدر، السيّد محمّد باقر. الإسلام يقود الحياة؛ وخلافة الإنسان وشهادة الأنبياء. — المحقق

[8] مثل شعبي سائر في بلاد الشام ومصر بصيغ متقاربة، يُضرب للدلالة على ضرورة الاستناد إلى مرجعية راعية وسندٍ وازنٍ يحمي الجماعة وينتظم في ظله شأنها. — المحقق

[9] مصطلح أطلقه قائد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي، ويُراد به التيارات التي تتخذ من بعض العواصم الغربية مقراً لبث الخطاب التحريضي وتأجيج الفتنة الطائفية وتشويه الشعائر، بما يخدم مشاريع التفرقة ويناهض خط المقاومة. — المحقق

[10] يُقصد بها امتداد نفوذ الأحكام الشرعية والمنظومة الفقهية إلى إدارة الشأن العام والسياسة والمجتمع، وعدم قصر الدين على دائرة العبادات الفردية والأحوال الشخصية. — المحقق

[11] يُقصد به في هذا السياق الشهيد السيد حسن نصر الله. — المحقق

[12] ولاية الفقيه في الاصطلاح الفقهي: ثبوت الصلاحية والولاية الشرعية للفقيه الجامع لشرائط الفتوى والقضاء في إدارة الشأن العام والنيابة العامة عن المعصوم (عليه السلام). — المحقق

[13] هو السيد روح الله بن السيد مصطفى الموسوي الخميني (1320 – 1409هـ)، فقيه وأصولي وقائد الثورة الإسلامية في إيران ومؤسس نظام الجمهورية الإسلامية. — المحقق

[14] المراد بهما رمزا المقاومة وبناء القوة المعاصرة: السيد حسن نصر الله والحاج قاسم سليماني. — المحقق

[15] ولاية الفقيه اصطلاحاً: ثبوت الصلاحية والولاية الشرعية للفقيه الجامع للشرائط في إدارة الشأن العام وتدبير شؤون المجتمع الإسلامي في عصر الغيبة. — المحقق

[16] عيسى أحمد قاسم (ولد 1937م): فقيه بحريني بارز، ويُعدّ المرجع الديني والروحي في البحرين، ورئيس المجلس الإسلامي العلمائي سابقاً. — المحقق

[17] الطباطبائي اليزدي، محمد كاظم. العروة الوثقى مع التعليقات. تحقيق روح الله الخميني، أبو القاسم الخوئي، محمد رضا الگلپايگاني، ناصر مكارم الشيرازي، ط1، ج 1، ص 13، مسألة 1.

[18] السيد عباس الموسوي (1372 – 1412 هـ / 1953 – 1992 م): عالم مجاهد، من مؤسسي حزب الله في لبنان وأمينه العام الأسبق، نال الشهادة إثر غارة استهدفت موكبه في جنوب لبنان عام 1992 م. — المحقق

[19] السيد هادي المدرسي: عالم ومفكر وخطيب إسلامي معاصر، وُلد في كربلاء وشارك في إدارة العمل الحركي والدعوي في الخليج وخارجه. — المحقق

[20] الشيخ محمد مهدي الآصفي (1357 – 1436 هـ): فقيه ومفكر حركي وأستاذ في الحوزة العلمية، جمع بين النشاط القيادي الحركي والزهد والتأليف الفكري والفقهي الواسع. — المحقق

[21] حاكمية الفقه: مبدأ ينصّ على أن تكون الأحكام الشرعية والفقه الإسلامي المرجعيةَ العليا الحاكمة على حركة المجتمع والدولة وتشريعاتهما. — المحقق

قیم هذا المقال!

نتيجة 5.00

اترك تعليقاً

  • ×