العمق المعنوي في مواجهة الاستكبار عند الإمام الخميني “قدس سره”
الزمان: 21 أكتوبر 2026
المكان: مؤسسه فرهنگی یادگاران امام – قم المقدسة.
قائد الجمهورية الإسلامية هو قائد الثورة وكل الأحرار.
مما يحسن إيراده في هذا المقام، خاطرةٌ نقلها لي السيد محتشمي[1]، الذي كان من أركان الثورة ومن الشخصيات المؤثرة في تأسيس حزب الله في لبنان، وكان معدوداً في خواص محبي الإمام الخميني وتلامذته في النجف الأشرف، كما تقلد مناصب ومسؤوليات شتى بعد انتصار الثورة وقيام الجمهورية الإسلامية؛ إذ حكى لي يوماً واقعةً تعود إلى أيام رحيل الإمام الخميني (قدس سره)، فقال: كنا في مجلس فاتحة وتأبين أُقيم على روح الإمام الخميني (قدس سره)، وكان الخطيب يرقى المنبر متحدثاً عن فادحة الرحيل، فذكر في سياق حديثه: «إنَّ الإمام الخميني قد ارتحل، وإنَّ مجلس الخبراء قد انتخب قائد الثورة الإسلامية الجديد، آية الله السيد علي الخامنئي»، فما لبثت إلا دقائق معدودات حتى دُفعت إليه رقعةٌ ورسالة، ففضّها وقرأها، ثم استدرك من فوره على الملإ قائلاً: «عفواً، لقد قلت آنفاً: قائد الثورة الإسلامية، بل إنَّ مجلس الخبراء انتخب واختار قائد الجمهورية الإسلامية، وأما قائد الثورة فكان الإمام الخميني، وانتهى الأمر».
تتمة الواقعة: وبعد انفضاض المجلس، جاء وفد حزب الله الوافد من لبنان إلى مكتبي، وهم يبكون بكاءً وحزينون، فبادرتهم بالسؤال: ما خطبكم وما سبب هذا البكاء العارم؟ فأجابوا: يا سيدنا، لقد كنا نظن أنَّنا تيتّمنا بوفاة الإمام الخميني، ولسنا واقعين في النطاق الجغرافي للجمهورية الإسلامية التي تنحصر حدودها القانونية في إيران، فنحن حزب الله في لبنان، واليوم تيقنّا بأننا قد أضحينا يتامى بحق! فقال لهم السيد محتشمي: كلا، بل سيُقام الليلة مجلس تأبين آخر للإمام الخميني وسأتحدث فيه إن شاء الله.
الموقف في المجلس الثاني: وفي ذلك المجلس ارتقيت المنبر وقلت: نعم، إنَّ مجلس الخبراء قد اختار قائد الجمهورية الإسلامية، غير أنَّ قائد الجمهورية الإسلامية يصبح تلقائياً وبحكم التلازم قائداً للثورة الإسلامية، ومن ثَمَّ فإنَّ آية الله السيد علي الخامنئي الذي انتُخب بعد الإمام، هو قائدٌ للثورة الإسلامية تماماً كما أنه قائدٌ للجمهورية الإسلامية أيضاً.
هذا حاصل ما تفضل به السيد محتشمي في تلك الجلسة، واليوم نعيش أجواءً شبيهة بتلك الظروف بعد استشهاد السيد الخامنئي، إذ نكاد نواجه مرحلة تحاكي تلك الأيام التي تلت رحيل الإمام؛ حيث إنَّ سائر بلاد المستضعفين في العالم، وشيعة أهل البيت في المعمورة قاطبة، ومحبي أمير المؤمنين (عليه السلام)، والمستضعفين عموماً، شاخصة أنظارهم وتطلعاتهم نحو الجمهورية الإسلامية.
المبدأ الدستوري في نصرة المستضعفين وثبات الهوية
وهنا يحسن بي أن أقرأ عليكم أصلاً من أصول الدستور الإيراني، وهو الأصل الرابع والخمسون بعد المئة (154) من دستور الجمهورية الإسلامية[2]؛ فإنَّ المسير الذي استُفتح بالإيثار وختامه الشهادة ليس فيه شائبة طلب الرئاسة والتنافس عليها، والمسألة ليست أننا نسعى وراء المناصب الدنيوية أو نتطلع إلى الرئاسات، بل نعتبر أنفسنا داخل الجمهورية الإسلامية جزءاً من هذه المنظومة. وبما أنَّ الجمهورية الإسلامية هي الحكومة الأقوى والكيان الأقدر على نصرة المستضعفين، فقد أضحت لها اليد الطولى في مجالات شتى، ومن الطبيعي أن تعظم مسؤوليتها تبعاً لذلك.
الإشكال المطروح: ولكن هل يسوغ للجمهورية الإسلامية أن تنكص على عقبيها أو تعدل عن هذه السياسة؟
والجواب الحاسم: كلا، فهذه السياسة تمثل هويتنا المبدئية، وهي المتن الصريح المسطور في دستورنا، فضلاً عن كونها من صلب عقيدتنا وديننا؛ فالدفاع عن المظلومين، والذود عن المستضعفين، ومواجهة الفساد، ومقاومة الظلم، ومكافحة الظالم والفاسد، كل ذلك هو جوهر هويتنا التي لا نحيد عنها أبداً.
إذا تخلّينا عن وظيفتنا فإنّنا في الحقيقة نتخلّى عن هويّتنا، ونفقد هويّتنا الدينيّة الإسلاميّة؛ إذ إنَّ هذه المدرسة التي أسّسها الإمام الخميني — بل أحياها — قائمةٌ على أنَّ إصلاح المجتمع البشريّ هو وظيفتنا الدينيّة.
حقيقة الدنيا وفلسفة العمل بالوظيفة والتكليف الشرعي
ونحن نعتقد بأنَّ الدنيا مشتقّةٌ من صفتها؛ فـ«الدنيا» من الدنوّ[3]، ومقتضى إطلاق لفظ «الدنيا» دائمًا أنَّ ثَمَّة قياسًا ومفاضلةً، وأنَّ هناك ما هو أعلى وأسمى في قبال هذه الدار الدنيّة؛ ومن هنا فإنَّ الدنيا برُمّتها — بأنجمها، وأرضها، ودولها، وشخوصها — إنّما نُعبّر عنها بسماء الدنيا. وعليه، فإذا واجهنا الفساد وسعينا في هذا العالم، فإنّما ننطلق في حركتنا وفق مقتضى وظيفتنا وتكليفنا؛ فإن قيل: لِمَ نواجه المستكبرين ونكافح الفاسدين في أرجاء المعمورة؟
فالجواب: أنَّ هذه المناهضة إنّما هي وظيفتنا الدينيّة والتكليفيّة، وهي نافعةٌ لآخرتنا لا لدنيانا، وإن ترتّبت عليها فائدةٌ دنيويّةٌ فحَسَنٌ، غير أنّه ليس الغايةَ ولا المهمّ؛ إذ الدنيا بأسرها دارٌ زائلة، وخوضُنا في شتّى الميادين ليس ابتغاءَ عَرَضِ الدنيا، بل لأجل عُقبانا وحياتنا الدائمة الخالدة، وإلّا فهذه الدنيا لا شأن لها ولا قيمة، لا لرئاستها ولا لمرؤوسيّتها، وهذا الأصل من مسلّمات ديننا وواضحاته.
وتأسيسًا على ذلك، فإذا كنّا نكافح المفسدين، فليس الغرضُ من ذلك أن نكون غالبين في ميدان المادّة دائمًا؛ فإنَّ الفوز الدنيويّ واقعٌ في حيّز الدنيا المحكومة بالفناء، وهي دنيا ساقطةُ الاعتبار بذاتها، كما أنَّ الخسارة الدنيويّة عادمةُ القيمة وليست خسرانًا حقيقيًّا في ميزان الحقّ، فضلًا عن أنَّ المنفعة المادّيّة ليست غايتنا، وإنّما نكدح في دنيانا حصرًا لما يؤول إلى آخرتنا.
وكثيرًا ما يُلقى إلينا — وهذا المعنى ليس أمرًا خطابيًّا حماسيًّا، بل هو من صميم معتقداتنا وثوابت عقائدنا — : إنَّ هذه الدنيا تحكمها الولايات المتّحدة، فتفرض مشيئتها وتفعل ما تشاء، فاسكتوا والزموا الحياد وتخلّوا عن الميدان! كما يُقال في بعض الألسن أحيانًا: «إذا كان الشيطان أقوى منك فداره تنحلّ المسألة»، ونحن نرى أنَّ هذا الطرح مغالطةٌ بيّنة وفكرٌ سقيم؛ إذ إنّنا لا نقارع الظالم طمعًا في الغلبة الدنيويّة المجرّدة فحسب — وإن كان الظفر في هذه الدنيا إحدى الحسنيين كما نطق به التنزيل: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [سورة التوبة: 52][4] — وإنّما نكافح، ونواجه، ونخوض غمار الجهاد لكون الجهاد وظيفتنا الشرعيّة، وباعتبار أنَّ مقارعة الظلم هي تكليفنا ومعنى وجودنا وحياتنا.
تنبيه: واليوم في الدوائر الفكريّة العالميّة، ولا سيّما في الغرب، تُعدّ مسألة «معنى الحياة» من أمّهات المسائل التي يتداولها الفلاسفة والأكاديميّون في المحافل العلميّة والجامعات رغبةً في مواجهة العدميّة وتفادي السقوط في العبثيّة؛ فيُطرح السؤال: ما هو معنى حياة الإنسان؟ فإن كان مآل حياتنا وغايتها منحصرًا في أن نأكل، ونشرب، ونلبس، ونهجع، فإنَّ هذا النمط لا يعدو كونه حياةً بهيميّة حيوانيّة لا مزيّة فيها للإنسان على سائر الحيوان؛ إذ الحيوان يشارك الإنسان في الأكل والشرب والنوم، وإن كان لا يستتر باللباس، فحينئذٍ إن كان منتهى هِمّتنا دنيانا، فإنَّ قدرنا وقيمتنا تابعةٌ لقدر هذه الدنيا وسفالتها، غير أنَّ الإمام الخميني قد نهض لإحياء هذه المسألة المصيريّة، والتأكيد على أنَّ الدنيا لا تتضمّن قيمةً ذاتيّة في نفسها، وإنّما نعيش فيها متزوّدين لدار القرار والآخرة، وهو عين ما صدعت به رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد المصطفى (صلّى الله عليه وآله).
والحاصل: أنّنا نسعى جاهدين لإصلاح المجتمع لأنَّ الإصلاح يمثّل وظيفتنا وتكليفنا الإلهيّ، والمجتمع البشريّ تارةً يستجيب فيصلح، وتارةً يتخلّف فلا يصلح، وتلك السيرة والمسيرة التي أرسى دعائمها الإمام الخميني سيرةٌ لا يتطرّق إليها الانكسار، ولا يدخلها خسرانٌ البتّة؛ لكونها منبثقةً من القرآن الكريم ومستندةً إلى مفهوم إحدى الحسنيين، ومثل هذا البناء الفكريّ وهذه العقيدة الراسخة هما اللذان يوجبان دهشة العالم وحيرته حقيقةً.
موازين القوى والصمود في مواجهة الهيمنة والاستكبار
إنّنا في الجمهوريّة الإسلاميّة على بصيرةٍ تامّة بقدراتنا ومكانتنا، ونعرف بحسب المقاييس الظّاهريّة والقوى المادّيّة قَدْرَ أمريكا، وقَدْرَ إسرائيل، وقَدْرَ الجمهوريّة الإسلاميّة؛ فقَدْرُ الاستكبار والمستكبرين في قبال قَدْرِ المستضعفين معلومٌ بيّنٌ على حساب الميزانيّات والأرقام المادّيّة.
وأمّا هذه الحرب الّتي شَنّتها أمريكا والصّهاينة على الجمهوريّة الإسلاميّة، فلعلّكم تدركون -أكثر ممّا يدركه الشّعب الإيرانيّ- أنّ هذه الحرب لو وقعت في أيّ بلدٍ آخر -دع عنك دول المنطقة الّتي تكفيها ساعةٌ أو ساعتان أو يومٌ أو يومان- لَما ثبتت أمامها؛ بل نظنّ أنّه لا تُوجد إلّا دون خمس دولٍ في العالم بأسره يمكنها الصّمود إزاءها.
فالولايات المتّحدة بتمام هيمنتها وشوكتها، مؤازَرةً بالكيان الصّهيونيّ الّذي نعلم يقيناً أنّه لو قدر على ارتكاب أيّ شيءٍ لما تردّد في فعله، احتشدوا خلال اثني عشر يوماً سابقة وأربعين يوماً أخيرة بغية إسقاط النّظام، فكانت الشّعارات المرفوعة كلّها زائفةً، وكان الهدف الأساس هو إسقاط النّظام في إيران؛ بيد أنّه بعد انقضاء أربعين يوماً، عاينَ العالمُ بوضوح كيف أنّ إيران بدّلت وضعها في الحرب يوماً بعد يوم، وانتقلت من طور الاستضعاف إلى موقع الاقتدار والقوّة.
وعلى الرّغم من أنّنا مستضعَفون ومظلومون في هذه المعادلة الدّوليّة، ولا ندّعي أنّنا أقوى من قدرة أمريكا وأموالها ودولاراتها، إلّا أنّنا -بفضل التّربية الرّساليّة الّتي علّمنا إيّاها الإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) واستمرّ على نهجها السّيّـد القائد الخامنئيّ- بلغنا مرحلةً لا مجال للهزيمة فيها إن شاء الله، ما دمنا مستمسكين بالشّريعة الإسلاميّة الحقّة، وقائمين بمواجهة الظّلم والظّالمين.
وبعضهم يرفع دعوى فيقول: «نحن نكافح الظّلم»، فإذا سُئلوا: ماذا تصنعون حقيقةً؟ قالوا: «نحن نواجه الظّلم لا الظّالم»! ومآلُ هذه المقالة الكذب والتّهافت؛ إذ لا يتحقّق مفهوم مواجهة الظّلم في الخارج إلّا بمواجهة الظّالم نفسه. وكذلك نرى في بعض الدّول من يدّعي مكافحة الفساد، فإذا قيل لهم: هذا الشّخص فاسدٌ، اعتذروا قائلين: «كلّا، إنّ هذا خِلُّنا، وصاحب حزبنا، ومن عائلتنا»، في حين أنّ حقيقة مكافحة الفساد تقتضي مواجهة الفاسد بعينه، ومواجهة الظّلم تستلزم بالضّرورة مجابهة أمريكا وإسرائيل في هذا العالم الّذي استحكمت فيه اليوم شريعة الغاب.
والقاعدة هنا: أنّ نهوضنا لإصلاح مجتمعنا نابعٌ من كونه وظيفتنا الدّينيّة وتكليفنا الشّرعيّ؛ وأمّا النّتائج فنحن نتعبّد فيها بأداء التّكليف، ومع أنّ المصالح والمفاسد والاعتبارات العقلائيّة كلّها مرعيّةٌ في مواضعها، إلّا أنّ إصلاح المجتمع يظلّ تكليفاً إلهيّاً ثابتاً في عهدتنا.
وتأسيساً على ذلك، فنحن نقوم بإصلاح العالم لا طلباً لحطام الدّنيا، بل ابتغاء وجه الله والآخرة؛ إذ الإصلاح هو غاية وظيفتنا في هذا الوجود، ومعنى حياتنا الرّساليّة يقوم على البذل والعطاء الخالص بلا مقابل، وذلك هو حقيقة الجهاد.
والجهاد ليس مقصوراً على منازلة الميدان أو مقارعة السّيف فحسب، بل يتحقّق تارةً بالبيان والكلام، وتارةً بالسّيف والسّنان، وتارةً بأساليب وميادين متعدّدة؛ ونحن -إن شاء الله- من المجاهدين ظاهراً وباطناً: في مقارعة الظّلم ومجابهة الظّالمين في الخارج، وفي جهاد أنفسنا ومحاسبتها في الدّاخل.
والحاصل: أنّ إصلاح المجتمع هو قطب الرّحى في وظيفتنا، وهنا يحسن بنا استحضار كلامٍ للإمام الخمينيّ (رضوان الله عليه) حيث بيّن فيه هذا المرتكز بقوله: «إنّ جميعَ الأنبياءِ قد بُعِثوا لإصلاحِ المجتمعِ، وكانَ جميعُهم يَرى بأنَّ الفردَ يجبُ أنْ تتمَّ التَّضحيةُ بهِ لأجلِ المجتمعِ. إنَّ الفردَ مهما عَظُمَ شأنُهُ ومهما عَلا قَدْرُهُ فإنّهُ إذا عارضَ مصالحَ المجتمعِ فإنّهُ يجبُ أنْ يُضَحَّى بهِ لأجلِ المجتمعِ. لقد جاءَ سيّدُ الشّهداءِ على هذا الأساسِ ذهبَ وضحّى بنفسِهِ وبأصحابِهِ لتتمَّ التّضحيةُ بالفردِ للمجتمعِ حتّى يتمَّ إصلاحُ المجتمعِ ليقومَ النّاسُ بالقسطِ»[5]؛ إذ أوضح (قُدّس سرّه) أنّ شأن الأنبياء قاطبةً هو الإصلاح، وأنّ ديدنهم كان قائماً على وجوب التّضحية بالفرد صيانةً للمجتمع وللغير، وأنّ الفرد مهما سما شأنه وعلا قدره، إذا زاحم مصالح المجموع، وجب أن يُضحّى به لمصلحة الأمّة؛ وعلى هذا الأصل الأصيل نهض سيّد الشّهداء الإمام الحسين (عليه السّلام)، فجاد بنفسه الزّاكية وقدّم خيرة أصحابه الأبرار لتتحقّق تضحية الفرد من أجل بقاء المجتمع وصلاحه، وتجسيداً للغاية الإلهيّة في قوله عزّ وجلّ: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [سورة الحديد: 25].
نقد التطبيع وسياسات التضييق في دول المنطقة
في هذه الظروف العصيبة، إنَّنا إذ نستنكر هذه الاعتقالات وتلك الضغوطات الشديدة في منطقتنا، نصدع بالقول -مع حفظ مقامات الاحترام- إنَّ هذه الممارسات ممارساتٌ جائرة وظالمة. وإذا وجّهنا الخطاب إلى دول المنطقة فإنَّنا نقول بكلّ صراحة ووضوح: إنَّ جمهرةً غفيرة ممّن اعتُقلوا أو نُفّذ فيهم الإعدام لم يكن لهم من ذنبٍ سوى إظهار الغضب في وجه الكيان الصهيوني، فلمَ الدفاع والمحاماة عن هذا الكيان في بلدانكم، والحال أنّ الشيعة في أقطاركم يعيشون في ظلّ سلام وصلح ومودّة واحترام؟ فلمَ توجّه هذه الضغوطات إليهم، ولمَ يساقون إلى المعتقلات وساحات الإعدام؟ والحال أنّكم لو وقفتم في مواجهة الاستكبار الأمريكي والصهيوني لكانت الشعوب الإسلامية بأسرها سنداً لكم وظهيراً.
والتساؤل المطروح: في وجدان هذه الشعوب: كيف يُرتضى العيش في كنف بلدٍ يكون حاكمه -على حدّ تعبير إماماً- مأموماً لترامب ومأموماً لنتنياهو، وساعياً في تحقيق مصالح ذلك الكيان الذي استبان إجرام قادته للعالم بأسره؟ فهذا هو جوهر التساؤل ومثار الحيرة.
وإنَّ أولئك العلماء الذين طالتهم يد الاعتقال لم ينطقوا إلا بكلمةٍ واحدة، وهي إصلاح المجتمع، ومقارعة الظالم، ومواجهة الفاسد؛ فإن كنتم في خندق مواجهة الظلم فنحن معكم، وإن كنتم في موضع التصدي لنتنياهو -الذي أضحت جناياته معلومةً للقاصي والداني حتى نبذه الغرب وعافته الضمائر- فنحن في صفّكم، ولكن ممّا يبعث على عميق الأسى والألم أن تنحدر بعض دولنا إلى قبول هذا المجرم والرضا بمساره.
وموضع المفارقة والألم: أنّ المسيحي في عالم اليوم يأبى عقد الصفقة مع نتنياهو، في حين يُقبل عليها من ينتسب إلى الإسلام، مع أنّ نتنياهو لم يسفك من دماء المسيحيين ما سفكه من دماء المسلمين، وما أراقه من دماء أهل السنّة يفوق ما أراقه من دماء الشيعة، ومع ذلك تجد هذا الانفتاح والتعامل مع هذا المجرم الخبيث! وهذا لسان حال علمائنا؛ فإنَّنا نبتغي لكم أن تكونوا ذوي عزّةٍ واحترام في المنظومة الدولية، وأن تنهضوا بمسؤولياتكم ووظائفكم الشرعية، ونريد لدولنا أن تكون على حالٍ يرضاها النبيّ الأعظم (صلى الله عليه وآله)؛ ولا ريب في أنّ عقد الصفقات والتطبيع مع هذا الكيان يُدمي قلب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفقاً لكافّة المذاهب الإسلامية، إذ لا يوجد مذهبٌ من مذاهب الإسلام يُجيز مداهنة هذا المجرم السفّاك الذي أباد الأبرياء؛ فأيّ طائلٍ يُرجى من هذا التقارب حتى بالحسابات المادية والدنيوية؟
والحاصل: أنّكم تتضرّرون في عاجل دنياكم من هذه الصفقة، فهي صفقة خاسرة بكلّ المقاييس. وفي أتون هذه الحرب الجارية، تعلمون قطعاً أنّ الجمهورية الإسلامية لا تروم استهداف البلدان الإسلامية، بيد أنّه إذا وظّفت الولايات المتحدة قواعدها العسكرية المتمركزة برضا بعض الحكومات، فما الحيلة المتبقية؟ وهل يُعقل أن نقف مكتوفي الأيدي حتى نُستهدف من أراضيكم؟ ولقد سطّر الخبراء والمحللون في أرجاء العالم الإسلامي مقالاتٍ ودراساتٍ أثبتت بيقين أنّ هذه الحرب كشفت عن أنّ أمريكا إمّا غير راغبة في الدفاع عنكم وإمّا عاجزة عنه؛ فلمَ تحمّل هذا الثمن الباهظ لقاء وجودهم في ربوعنا، بينما يتبيّن عند ساعة الصفر عجزهم أو نكوصهم؟ والواقع يشهد بعجزهم، وهذا هو الواقع الشاخص.
فياليت حكام المنطقة يُدركون أنّ الشعوب الإسلامية قاطبةً تقف صفّاً واحداً في مناهضة هذا المجرم، فلتُصغوا إلى نداء شعوبكم، ولتستجيبوا لصوت الفطرة والوجدان؛ فإنَّنا ندعو بالخير والسداد لكلّ من قدّم خدمةً للمجتمع الإسلامي، وغايتنا أن يكون القائم على شؤون المسلمين قدوةً وأسوةً تقتفي أثر النبيّ المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وإن اكتنفتنا التحديات والمحن منذ بواكير الأيام.
وإنَّ المرء ليخجل من أن يُنسب إلى الإسلام؛ إذ ترى المسيحيّ يأنف من ارتكاب بعض الأفعال التي تصدر في بلادنا، بل حتى مَن لا يدين بدين في هذا العالم لا يتعامل كما يجري التعامل في بلداننا مع هذا المجرم الغاشم. وإذا نهض أحدٌ في بلادكم لمقارعة الولايات المتحدة، أو مواجهة إسرائيل والكيان الصهيوني، والتصدي للظلم، فاستفيدوا منه وآزروه؛ فإنَّ اعتقال هؤلاء، وإعدامهم، والتشديد والتضييق عليهم، وسلب التابعية وإسقاط الجنسية عنهم، كلّها أمورٌ لا طائل من ورائها ولا ثمرة فيها، ولا تعود في خاتمة المطاف إلا بالضرر المحض والوبال عليكم.
وإنَّنا لعلى يقينٍ تامّ بأنَّنا نعمل وفق تكليفنا ووظيفتنا الشرعية، ونسأل الله تعالى أن نرى بأعيننا اضمحلال الظلم وزواله في العالم، وأن نرى بأعيننا قيام الدولة الإسلامية الحقّة في المعمورة كلّها، وهلاك أعدائنا وخِذلانهم.
[1] السيد علي أكبر محتشمي پور (1365 – 1442 هـ / 1946 – 2021 م): من رجال الثورة الإسلامية في إيران وأحد تلامذة الإمام الخميني في النجف الأشرف، تولى سفارة الجمهورية الإسلامية في دمشق، وكان له دور بارز في مساندة المقاومة الإسلامية وتأسيس حزب الله في لبنان، وشغل منصب وزير الداخلية. — المحقق
[2] ينص الأصل الرابع والخمسون بعد المئة من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية على ما يلي: «تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله غايتها، وتعتبر الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقاً لجميع الناس في العالم، وعليه فإنها مع امتناعها التام عن التدخل في الشؤون الداخلية للأمم الأخرى، تدعم النضال الحق للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة من العالم». انظر: قانون اساسي جمهوري إسلامي إيران، ص 154. — المحقق
[3] الراغب الأصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ط 2، دفتر نشر الكتاب، 1404 هـ، ص 172.
[4] الحسنيان هما: الظفر والغلبة في الدنيا، أو الشهادة والفوز بالجنة في الآخرة. — المحقق
[5] روح الله الخميني، صحيفة الإمام، ط 1، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، 1429 هـ، ج 15، ص 190.