اليوم السابع – صبر العاشقين
صبر العاشقين
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1447 هجري
محاضرة اليوم السابع تحت عنوان: صبر العاشقين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم.
صلّ الله عليك يا رسول الله، وعلى أهل بيتك الطاهرين…
السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى أخيه أبي الفضل العباس، وعلى أخته زينب الكبرى، ورحمة الله وبركاته.
يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.
قال تعالى:
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)
صدق الله العلي العظيم.
النقطة الأولى: الصبر شرط السير في طريق الله
لا يمكن للإنسان أن يسير في طريق الله دون أن يتحمل، ودون أن يتعوّد على مواجهة الصعاب.
السير نحو الله ليس نزهة، بل مشقة مستمرة تتطلب ثلاثة ألوان من الصبر:
- الصبر على الطاعة
- الصبر عن المعصية
- الصبر على المصيبة
إذا انهار الإنسان أمام أول مشكلة، أو إذا كان يتوقع أن الحياة كلها راحة وسهولة، فسيصطدم بالواقع، وسرعان ما يُصاب بالإحباط، لأنه لم يتعلم أن الحياة في أصلها مليئة بالصعاب.
بل هناك تحذير واضح في الروايات:
“أول ما عُصي الله به هو حب الراحة.”
فالذي يتعود على تلبية رغباته، ولا يتحمل مشقة ولا ألم، لا يمكن أن يكون وليًا لله، لأن طريق الله يتطلب تعبًا، وصدقًا، وصبرًا عميقًا.
النقطة الثانية: حتى من يطلب الدنيا يحتاج إلى الصبر
ليس فقط من يريد الآخرة هو المحتاج للصبر، حتى من يطلب الدنيا، ويريد النجاح في الحياة، المال، العلم، المكانة… لا يستطيع الوصول إلى شيء دون صبر.
وهنا تظهر مشكلتان كبيرتان تمنعان الإنسان من التقدّم:
- الكسل
- الضجر (الملل)
وقد ورد عن الإمام الكاظم (عليه السلام) قوله:
“إيّاك والكسل والضجر، فإنهما يمنعانك حظك من الدنيا والآخرة.”
فإذا غاب النشاط والحيوية، سواء في الأمور الدنيوية أو في العمل الأخروي، ضاعت الفرص، وانقطع الطريق.
النقطة الثالثة: هل الصبر اختياري؟ وما سرّه؟
يتساءل الإنسان: هل الصبر بيدي؟ هل أستطيع أن أتحلى به متى ما أردت؟
في الحقيقة، هناك جانب من الصبر غير اختياري، يُفرض علينا بفعل الظروف.
لكن القسم الأكبر من الصبر يُبنى على عامل داخلي جوهري، هو: الحب.
الحب هو علّة الصبر.
إذا أحب الإنسان شيئًا، فإنه يصبر من أجله، يضحي، يتحمل، يقاوم، بل يفرح بالصبر أحيانًا، لأنه يُقربه من المحبوب.
وهكذا يتشكل نوعان من الصبر في حياة الإنسان:
أولاً: الصبر السلبي:
صبر لا يقوم على الحب، بل على الجبر أو القمع الداخلي.
هذا الصبر يؤدي إلى الكبت، ويُراكم الشحنات النفسية، حتى تنفجر في لحظة من اللحظات، وقد تؤدي إلى انحراف أكبر من الفعل الذي تم الصبر عنه!
مثال: إنسان يصبر عن الشهوات، لكنه لا يصبر حبًا لله أو طلبًا للسمو، بل يصبر لأنه مجبر أو مراقب…
هذا النوع من الصبر يولّد انفجارًا داخليًا في النهاية.
ثانياً: الصبر الإيجابي:
صبر نابع من الحب والعشق.
الإنسان هنا يصبر لأنه يرى أن في الصبر ما يقربه من محبوبه.
ولذلك، هذا النوع من الصبر لا يسبب كبتًا، بل على العكس، يُنتج سموًا وارتقاءً نفسيًا وروحيًا.
مثال حي: من يدرس سنوات طويلة في الغربة لأجل هدف يحبه، لا يتعب، بل يشعر أن غربته لها قيمة.
لأنه “صبر على ما يحب”، وليس “صبرًا على ما لا يُحتمل”.
النقطة الرابعة: وضوح الهدف أساس في ثبات الصبر
حتى يكون الصبر فعّالًا، لا بد أن تكون الغاية واضحة.
الصبر المجهول المصير يُنهك الإنسان.
لابد من أن يحدد الإنسان هدفه: لماذا أصبر؟ لأي شيء أتحمّل؟
ولهذا، لا يكفي أن نقول: “أصبر مثل عجائز الدين”… هذا ليس المفهوم الصحيح.
في الدعاء، نطلب صبر الأنبياء، وبصيرة الأولياء، وإرادة العارفين.
فلا قيمة لصبرٍ لا يستند إلى رؤية واضحة ونور من الله.
النقطة الخامسة: البصيرة والنور الداخلي أهم من المصطلحات
صلاح الإنسان على قدر عقله.
لكن المقصود بالعقل هنا ليس حفظ المصطلحات أو كثرة المعلومات، بل الفهم العميق لحقائق الحياة، والنظر إلى الأمور بنور الله.
أناس بسطاء قد يفهمون الله، ويرون الحياة بعمق روحي، أكثر من مثقفين متخصصين.
وقد أُشير إلى أشخاص لا يعرفهم كثيرون، لكنهم جلسوا مع الإمام الخميني لساعات، في وقت لا يُتاح فيه لأحد أكثر من عشر دقائق، لأنهم كانوا من أولياء الله، عارفين، مخلصين.
النقطة السادسة: معرفة الله تورث الصبر والثبات
في دعاء الافتتاح، هناك أوصاف لله تُلهم الإنسان كيف يخاطب خالقه:
“الحمد لله الذي من خشيته ترعد السماء وسكانها…”
“إلهي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟”
“كفاني فخرًا أن تكون لي ربًا…”
هذه المعرفة إذا سكنت في القلب، تُلهم صاحبها الصبر، والثقة، والطمأنينة، مهما كانت المحن.
النقطة السابعة: لا إصلاح دون إصلاح العقل والقلب
برامج الوعظ وحدها لا تكفي.
الأساس هو تطهير القلب، وتنقية العقل.
لأن الانحرافات، كما يُبيّنها القرآن، تبدأ من الداخل:
(في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا)
نحتاج إلى مشروع إصلاحي داخلي يبدأ من الحب، لا من الخوف فقط.
النقطة الثامنة: الدين جوهره الحب والعشق
ما الذي يدفع الإنسان لقيام الليل؟
ما الذي يجعله يترك راحته، وينهض لذكر الله؟
إنه العشق.
العشق هو المحرك، هو الذي يُخفف ثقل التكاليف، ويجعلها محبوبة في القلب.
ولذلك ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):
“هل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله؟“
النقطة التاسعة: كيف صبر أصحاب الحسين؟
ما الذي جعل بعض أصحاب الحسين لا يشربون الماء وهم في أشد العطش؟
لقد ارتووا من عشق الحسين، ومن الحياء منه، ومن حبهم لله من خلاله.
فمن ارتوى من هذا العشق، لا يقوى على مدّ يده للماء:
“يا نفس من بعد الحسين هوني…
هذا حسين وارد المنون، وتشربين بارد المعين؟”
النقطة العاشرة: لماذا نرتبط بأهل البيت؟
أهل البيت هم:
- مظاهر أمر الله ونهيه
- محامي معرفة الله
- دعاة إلى الله
- المستقيمون في مرضاته
- المخلصون في طاعته
ارتباطنا بهم ليس شكليًا، بل لأنهم السُبُل إلى الله، ومن خلالهم نرتوي حبًا وعشقًا ومعرفةً.