» 2023 » صناعة الإنسان – الآليات والتحديات قراءة في منهج أهل البيت (ع)
2023 - الملتقی الأسبوعي - الملتقی الأسبوعي - جلسات فردیة

صناعة الإنسان – الآليات والتحديات قراءة في منهج أهل البيت (ع)

24 مايو, 2023 50468

صناعة الإنسان – الآليات والتحديات قراءة في منهج أهل البيت (ع)

بمشاركة: سماحة الشیخ جابر جبیر

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

 

العناوين:

– النبي الرمز الأول

– هناك مفردتان: الهداية والصراط المستقيم

– طبيعة حركة الإنسان

– ما هي العلاقة المنطقية بين الخلق للخلافة والخلق للابتلاء؟

– تحليل مقولة العلم

 

استضاف منتدى السيدة المعصومة الثقافي بمدينة قم المقدسة بتاريخ 24 مايو 2023 سماحة الشيخ جابر جوير”سلمه الله” الأستاذ في الحوزة العلمية، محاضرا عن “صناعة الإنسان‌– الآليات والتحديات – قراءة في منهج أهل البيت” وهنا تقرير لما تفضل به.

العنوان واسع ويتطلب وقتا طويلا ولكن نحاول ضغط الفكرة بما يناسب الوقت المتاح.

أؤمن جدا بأن صناعة الإنسان صناعة ثقيلة، وهي تواجه تحديات.

وكل جهة تحاول إنتاج نموذج وفق مقاييس وإملاءات تؤمن بها كل جهة، فالسماء إذا كانت تتوخى صناعة الإنسان فهي في الحقيقة في مقابل هذا النوع من المواجهة.

هنا أطرح مقاربة جادّة عبر تسلسل منطقي مستوحى من الموروث الديني من الآيات والروايات.

ووجدت أيضا أن أحاديث أهل البيت “عليهم السلام” تضيء على هذه الظاهرة بشكل خاص وأحاول هنا أن أبلورها إن شاء الله.

النبي الرمز الأول

الرمز الأوفى لهذا الخط هو النبي (ص)، وقد بعث في بيئة كان يهيمن عليها نموذج ثقافي يحاول فرض سطوته ويحاول فرض هيمنته على مجموعة من الناس، فهو (ص) أراد إعادة صناعة الإنسان بنموذج جديد. كانت المشكلة الأساسية في النموذج السائد أنه مترسخ في النفوس وبمستوى لا يقبل النقد.

بعض الآيات تشير إلى النموذج البديل في مقابل إصرار القوم على نموذجهم:

في سورة البقرة يقول تعالى (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون).

كانوا يعيشون هيمنة لا يستطيعون الانفصال عنها، القرآن واجههم بمحاولة إيجاد انفصال بين النموذج السائد وبين النوذج البديل، فبهذا الطرح في الحقيقة يريد النبي (ص) صناعة النموذج الجديد بثنائية الهدم للنموذج المعرفي الذي كانوا عليه والبناء لنموذج معرفي مكانه.

ويقول تعالى في سورة المائدة <وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ>[1].

تركز الآيات على منطقة التفكير والعقل، فتشير لهم بأن المنظومة التي تحملونها مخالفة للتعقل والمنطق.

إذًا النتيجة أن النبي (ص) كان يتوخى صناعة وعي، وصناعة وعي تعني صناعة إنسان، وصناعة إنسان تعني صناعة مسار واتجاه.

ولم يكن (ص) يبدي مرونة إزاء النموذج الثقافي السائد.

 

هناك مفردتان: الهداية والصراط المستقيم

وهما معادل لمفردة صناعة الوعي، فالنبي (ص) كان بصدد إعادة توجيه الحركة وضبطها على مسار يختلف كليّا عما عليه الواقع آنذاك، وهو ما يعبر عنه في الأدبيات الدينية بالهداية وأنها على صراط مستقيم، وبيان ذلك:

في الصراط حينما يتكلم الله تعالى عن الأنبياء فإنه يقول «وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا» فهنا يحصل توجيه بمعنى تغيير المسار، وتوجيه المسار يأتي طبقا للمُعطى المعرفي.

آيات أخرى تبين الحركة المستقيمة <إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَٰذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ>[2]، <وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ>[3].

إذًا الآيات تبين وجود حركة لها اتجاه منضبط.

هذا هو الإجراء الذي اعتمده النبي (ص) في مقام تنفيذ وظيفته الرسالية، وبما أنه قائم على تغيير مسار الحركة فإنه يستدعي أن نطل على طبيعة الحركة عند الإنسان.

طبيعة حركة الإنسان

الإنسان يرتبط بالواقع الموضوعي الخارجي من خلال بناء علاقة ترتكز على تنشيط عنصر المعرفة، والذي له تقدم رتبي على إفراز الحركة إيجابا أو سلبا، إذًا الحركة تترشح عن المعرفة.

ورد عن أمير المؤمنين (ع) في تفسير موضع الحركة، وكان يخاطب كميل بن زياد:

«يا كميل: ما من حركة إلا وأنت محتاج معها إلى معرفة.»

معنى ذلك أن الإنسان حينما ينفتح على عالم خارجي فإنه يدور في فلكه، ومعرفته بجزئيات ذلك العالم الخارجي ستشكل مسار حركته.

وأيضا ورد عنه (ع): «من جهل شيئا عاداه».

وعنه (ع): «الناس أعداء ما جهلوا.»

بعيدا عن القراءة السائدة وبحسب فهمي للنصين أن الإمام يريد الإضاءة على أن طبيعة الحركة تتأرجح إيجابا وسلبا حسب المعطى المعرفي.

فقوله عليه السلام: إن الناس أعداء ما جهلوا، تعبير عن الموقف السلبي والقطيعة التلقائية بين الإنسان وبين المكون الخارجي؛ لأنه يجهل حقيقة هذا المكون الخارجي.

إذًا روايات أهل البيت تركز أيضا على العنصر المعرفي في الحركة.

مثال لتقريب الفكرة: الإنسان حينما يقبل على طعام لابد أن يلتفت إلى أن هذا الشيء طعام، ثم يعرف أنه غير ضار، فبعد أن عرف أنه طعام وغير ضار فإنه ينفتح عليه ويقبل، بخلاف ما لو لم يعرف ذلك، ثم لو عرف أنه لذيذ ورخيص الثمن فإن معرفته بكل ذلك ستنشئ علاقة بينه وبين المكون الخارجي.

وعلى هذا الأساس لا يمكن تغيير النموذج الثقافي إلا بتغيير المعطى المعرفي، وإذا تغير المعطى المعرفي فسيتغير الاتجاه.

 

عود إلى فرضية البحث: النبي (ص) كان يهدف إلى ثورة مفاهيمية تمهد لتغيير مسار الأمة، وسنحاول إثبات الفرضية من القرآن الكريم:

قال تعالى: <وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ>[4].

هذه الآية توثق أول مشهد للتجربة الإنسانية، هذه الآية ملفتة، نلاحظ أن أول إضاءة كانت متوجهة إلى خلفية النبي آدم(ع)المعرفية.

الآية وردت في هذا السياق <وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ>[5].

نلاحظ أنها تتحدث عن خلافة الإنسان وتعرض المشروع الإلهي على الأرض، ثم مباشرة تتحدث عن منح الإنسان رصيدا معرفيا (علمه الأسماء)، طبعا هذه الآية حظيت بكلام كثير من المفسرين، ولكن أنا أطرح ما أعتقد به في الآية: هي تتحدث عن رصيد معرفي فقط كمبرر أمام تساؤل الملائكة، أي أنه أُسندت للإنسان مهمة الخلافة بسبب الذخيرة المعرفية التي أعطاها الله له.

نلاحظ أيضا قوله تعالى: <وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ 13 ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ 14>[6].

الله يجعل الخلافة معادلا للحياة؛ أي ما دام الإنسان حيا فهو خليفة، في الآية المذكورة يتبين أن هؤلاء تخلوا عن الرصيد المعرفي فلم يستحقوا الخلافة الإلهية.

ويقول تعالى: <وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ>[7]

هذه الآية بددت القلق المعرفي الكامن عندي من آية سورة يونس التي ربطت الخلافة بالتدقيق فيما نعمل <لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ>.

فنلاحظ أن الإنسان منفتح على مكونات الواقع الخارجي، وأباح الله تعالى له التصرف فيها ولكن بشرط <فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ>.

إذًا التصرف منوط بذكر آلاء الله، ولكن في آيات أخرى نلاحظ أن الإنسان قليلا ما يتذكر:

<وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَعَ اللَّهِ ۚ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ>[8]، وحتى نفهم السر في ذلك لابد أن نبحث في الآيات التي قرنت بين خلافة الإنسان وبين الابتلاء:

مثلا في سورة هود: <وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا>[9].

فما هي العلاقة المنطقية بين الخلق للخلافة والخلق للابتلاء؟

الجواب عن ذلك يستوجب تفكيك مفهوم الخليفة، وقد اختلف المفسرون كثيرا في معناه، والذي أميل إليه من معناه يظهر من خلال هذا التقريب:

التعاطي مع مكونات الواقع الخارجي على مرتبتين:

  1. ١الإخراج من كتم العدم إلى الوجود.
  2. إدارة المكوّن الخارجي بالتصرف فيه بأحد نحوين:

تملك مكونات الأرض، أو التصرف بها من دون تملك.

على ضوء ذلك نقول: الله تعالى أوعز المرتبة الثانية للوجود البشري بشرط أن يراعي القوانين الاعتبارية المستمدة من عنده سبحانه وتعالى.

حينئذ نستطيع فهم مقولة الخلافة بأنها الانفتاح على مكونات الواقع الخارجي من خلال امتلاك الأشياء الخارجية والتصرف بها على وفق المعادلات الإلهية.

وحتى يطبّق الإنسان المعادلات الإلهية لابد أن يكون عالما بها، وهذا ما يضطرنا للدخول في مقولة العلم.

تحليل مقولة العلم

من خلال تحليل مقولة العلم تتضح العلاقة بين (وعلم آدم) وبين (إني جاعل في الأرض خليفة).

العلم نستطيع تحليله إلى ٣ معامِلات:

  1. معامِل مسؤول عن إنتاج الحركة.
  2. معامِل مسؤول عن ضبط الحركة وفق مسار خاص.
  3. معامِل مسؤول عن استمرار الحركة، فما دام هناك علم هناك حركة.

فالعلم مسؤول عن أصل الحركة وضبطها واستمرارها.

فالعلم هو الضمان الوحيد لتحقيق الأمور الثلاثة.

ومن خلال ذلك نستطيع فهم العلاقة المنطقية بين الخلافة وبين خلق الأشياء لابتلاء الإنسان، فإن الإنسان يرتبط بالأشياء الخارجية بوصفه خليفة، بشرط مراعاة المعادلات الإنسانية التي يلزم أن يكون عالما بها، وحينئذ يكون الابتلاء ناظرا إلى درجة الارتباط وتناسبه مع القوانين المطلوب تفعيلها.

 

عنصر العلم إذا فُقد عند الخليفة فيسبب تعطيل الحركة، فالنبي آدم (ع) حتى يمارس دور الخلافة يحتاج إلى العلم ولكنه حينما لم يستحضر هذا العنصر لم ينجح في امتحان الشجرة وخرج من الجنة، وطبعا كان ذلك منه مخالفة الأولى ولم يرتكب محرما.

الآيات التي تعرضت لهذا المشهد بينت أن الشيطان هو الذي غيّب هذا العنصر (فأزلهما الشيطان) (فوسوس لهما الشيطان)، فالوظيفة الشيطانية هي العبث بالمفاهيم وبالتالي يغيب عنصر العلم بالواقع، والنتيجة هي الانحراف عن المسار الصحيح.

في حالة تبدل المسار من المسار الصحيح إلى المسار الخاطئ فإنه يبرز أمامنا عنصر التذكير، فالتذكير مقابل للنسيان، والنسيان معادل للجهل، فيتحصل أن التذكير معادل للعلم.

يقول تعالى: <وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ55 وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ56>[10]، ويقول: <كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ 151 فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ152>[11].

والله سبحانه وتعالى يطالبنا بتذكر ما تلقيناه من الكتاب (واذكروا نعمة الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شيء عليم).

ويصرح القرآن بأن التذكير وظيفة النبي (ص): (فذكّر إنما أنت مذكّر).

وقد قال أمير المؤمنين (ع): (واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لمّا بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه واتخذوا الأنداد معه، واجتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته فبعث فيهم رسله، وواتر إليهم أنبيائه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسي نعمته، ويحتجوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول).

_______________________________________

[1] المائدة: 104

[2] آل‌عمران: 51

[3] الأنعام: 153

[4] البقرة: 31

[5] البقرة: 30

[6] یونس: 13_14

[7] الأعراف: 69

[8] النمل: 62

[9] هود: 7

[10] الذاريات: 55_56

[11] البقرة: 151_152

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×