» الملتقی الأسبوعي » روحانيات مزيفة – التشيّع والتصوّف
الملتقی الأسبوعي - روحانیات مزیفة

روحانيات مزيفة – التشيّع والتصوّف

12 يناير, 2023 50606

موسم (روحانيات مزيفة)

تحت عنوان: “التشيّع والتصوّف”

بمشاركة: الدكتور محمد سوري“حفظه الله”

 

 

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

 

العناوين الفرعية:

– تاريخية العلاقة بين التشيع والتصوف.
– تعريف التصوف.
– تطور وتوسع الفكر الصوفي.
انبثاق العرفان من التصوف.
– الرد على الصوفية.

 

ضمن موسم “روحانيات مزيّفة” استضاف منتدى السيدة المعصومة الثقافي فضيلة الدكتور محمد سوري بتاريخ ١١ يناير ٢٠٢٣ متحدثا حول “التصوف والتشيع” كموضوع كثيرا ما يقع محلا للتساؤلات وخصوصا من جملة المثقفين.

في هذه الكلمة المختصرة أريد التحدث عن العلاقة بين التشيع والتصوف من ناحية تاريخية.

في القرن الثامن الهجري على الأقل نلاحظ ظاهرة منتشرة في العالم الشيعي وهي انتشار الفكر الصوفي الذي قلما نرى له نظيرا قبل هذا التاريخ.

بعض علماء الشيعة انتموا إلى الفكر الصوفي، وبل البعض منهم بالغ وادعى بأن التشيع عين التصوف، والتصوف عين التشيع.

من جهة أخرى نرى الكثير من علماء الشيعة التقليديين أو الرسميين يرون بأنه لا علاقة بين التشيع والتصوف فبين الاثنين تباين كلي، وهما خطان متوازيان لا يلتقيان.

 

– تعريف التصوف
التصوف رأيت له تعريفات كثيرة في الكتب، وربما قال البعض بأنها تصل إلى ألف تعريف، ولكن كل من هذه التعريفات أشار إلى جانب معين، وحسب ما أرى أن التصوف هو: السير والسلوك نحو الوجود المطلق تحت إشراف شيخ.
فالحركة واليقظة تبدأ منذ بداية التصوف بالسلوك نحو العالم الأعلى، ولا نهاية أبدا لهذا السير، لأن المتصوف يخرج من العالم المحدود ويدخل في العالم اللا محدود ولا ينتهي.

المتصوفة وضعوا مراحل ومسالك وكل شخص يطوي منها بقدر ما يحمله من قابليات، وكل متصوف يتلقى هذه المراحل والطريق من شيخه، بحيث يكون الشيخ له إشراف وجودي على التلميذ فيطلع الشيخ على حقيقة كل تلميذ وما يحتاجه بالفعل، فالشيخ الصوفي ليس كالطبيب المعالج للمريض، بل هو أرقى من ذلك، فالشيخ مطلع على وجود التلميذ وأخبر بما يحتاجه.

لا نريد هنا الكلام عن الأقوال وصحتها أو الحكم عليها، بل أرى من الأفضل الدخول في التاريخ والتفتيش في الفكرين الشيعة والصوفية، فهل فعلا توجد بينهما علاقة ؟ ومن هم العلماء الداخلون في هذا المضمار ؟

– بداية التصوف
بدأ ظهور الفكر الصوفي في القرن الثالث الهجري تقريبا، ولكن الطرق الصوفية بدأت بالانتشار في أواخر القرن السادس الهجري تقريبا، فظهرت مثل الطريقة القادرية وهم أتباع عبدالقادر الجيلاني، والطريقة الكبروية اتباع نجم الدين الكبري.

وطريقة انتشار الطريقة الصوفية هي أن الشيخ يمتاز بسلوك وأفكار معينة، وبعد وفاته يقوم أتباعه بالحفاظ على أسلوب حياته فتنتشر بينهم أفكاره وتنشأ الطريقة باسم الشيخ، ومن هنا نلاحظ أن اسم الشيخ يؤخذ في الطريقة كالطريقة القادرية والشاذلية وغيرها.

بداية التقاء الفكر الصوفي مع الشيعي
في بدايات التاريخ الإسلامي ومن قرونه الأولى نلاحظ عدم العلاقة بين الفكرين الشيعي والصوفي إلى منتصف القرن السادس، فلا نرى لعلماء الشيعة كلاما عن التصوف سلبا ولا إيجابا، ولا نرى أن الصوفي بوصفه صوفيا قد تكلم عن التشيع.

ولكن في القرن السادس أشار بعض علماء الشيعة إلى كبار الصوفية، فبحسب التتبع أول من أشار للصوفية هو العالم الشيعي عبدالجليل القزويني الرازي (الذي يعد في زمانه من أكابر علماء الشيعة في الري) في كتابه الفارسي: بعض مثالب النواصب في نقض بعض فضائح الروافض.
فهذا كتاب أُلّف عام 560 هجرية، وهو رد على كتاب: بعض فضائح الروافض.

وسمى من الصوفية: الجنيد البغدادي وأبا يزيد البسطامي وأبا سعيد بن أبي الخير الميهني، وقال بأن الشيعة يمدحون الصوفية.

في نفس الفترة نرى أبا الفتوح الرازي في تفسيره الشهير: روض الجِنان وروح الجَنان، يستشهد مئات المرات بكلمات الصوفية، فينقل عن الجنيد والشبلي والميهني وأضرابهم.

هذا في شرق العالم الشيعي أي في الري، وكذلك في غرب العالم الشيعي أي في العراق آنذاك نرى نفس الشيء حاضرا، فمثلا كتاب تنبيه الخواطر وتنزيه النواظر المعروف بمجموعة ورام لورام بن أبي فراس الذي هو جد السيد ابن طاوس لأمه كثيرا ما ينقل عن الصوفية، ففي هذا التراث كمية هائلة من الفكر الصوفي، ومن الطرائف هنا أن أول من نشر الكتاب هي مكتبة الفقيه قبل 50 سنة، وقد قال محقق الكتاب في المقدمة بأن المؤلف ينقل أحاديث كثيرة عن الإمام الحسن، ولكننا حينما نراجع المصادر لا نرى هذه الأحاديث.
فتوهم المحقق أن المنقول عنه هو الإمام الحسن المجتبى أو العسكري عليهما السلام، ولكن في الحقيقة هو الحسن البصري.

ولذلك قبل 3 سنوات طبع الكتاب بتحقيق جديد، والمحقق خرّج جميع الأقوال الصوفية فيه، وقد أكثر ورام النقل عن صوفية بغداد والبصرة كالشبلي وأبي الحسين النوري والحلاج وسهل بن عبدالله التستري.

لا أعلم في الحقيقة لماذا أكثر النقل عنهم.

نلاحظ أيضا الاشارات الصوفية عند ابن طاوس، مثلا في كتابه الملهوف على قتلى الطفوف أو المشتهر في الوسط الإيراني باللهوف في بداية الكتاب يقول: لولا الأمر الخاص لنا من أهل البيت بالحزن والعزاء على الحسين (ع) لكان علينا إقامة الاحتفالات في ذكرى استشهاده، لأن الإمام باستشهاده استطاع الخروج من سجن الدنيا ومشاقها.

هذه العبارة بالضبط متناقلة عن بعض مشايخ الصوفية أنهم  يقولونها عند وفاتهم مثل أبي سعيد بن أبي الخير الميهني ومثل جلال الدين الرومي، وهذا غريب من مثل ابن طاوس، ولولا تأثره بالتصوف لما تفوه بهذا.

وأيضا نلاحظ في تراث الشهيد الأول في كتاب الدروس في كتاب الوقف يطرح سؤالا: هل يجوز الوقف على الصوفية؟

فأجاب بصحة الوقف عليهم، لأنهم عادة مشغولون بالذكر والعبادة فلا مانع من ذلك.
مع أننا نعلم بأنه في تلك الفترة كان الصوفية من أهل السنة، وهذا كان واضحا عند الشهيد الأول.

– تطور وتوسع الفكر الصوفي
حينما نصل للقرن العاشر نرى هذه الظاهرة توسعت في فترة ذروة الصوفية في إيران، حيث إنها دخلت على المستوى الرسمي في الدولة، فدخلت الظاهرة في مرحلة متقدمة جدا، وهؤلاء الصوفية كانوا أتباعا للشيخ صفي الدين الأردبيلي وهو شافعي فقها وأشعري كلاما، والطريقة الصوفية المتبعة في زمانه أصبحت أقوى طريقة في إيران، بل انتشرت جدا حتى في العراق والشام.
ولكن بما أن أحفاد صفي الدين وصلوا إلى الحكم في إيران فقد برزت وظهرت الصوفية بقوة في مرحلة أحفاد صفي الدين، وأيضا في نفس الوقت وفي نفس هذه المرحلة بدأت الصوفية تقترب شيئا فشيئا إلى الفكر الشيعي.

آنذاك بعد تعنون الدولة الإيرانية بأنها دولة شيعية جاء إلى إيران علماء جبل عامل وكذا علماء البحرين وبعض علماء العراق فرأى هؤلاء العلماء شيئا غريبا وهو أن الحكام يعتقدون بالأئمة الاثني عشر ولكنهم لا يعرفون شيئا من الفكر الشيعي لا فقها ولا كلاما ولا غير ذلك، ولذلك بدأ هؤلاء العلماء مثل المحقق الكركي ووالد الشيخ البهائي بتصحيح الفكر المزيج بالتصوف، وواجهوا مشاكل كثيرة سواء من عامة الناس أو من علماء إيران، وذلك لتشبع الذهنية العامة وتمسكها بالفكر الصوفي.

– انبثاق العرفان من التصوف
العلماء الإيرانيون آنذاك المتمسكون بالصوفية قالوا بأننا لسنا من الصوفية، بل نحن من العرفاء حتى يتجنبوا الاصطدام بأؤلئك العلماء، ومن هنا بدأ مصطلح العرفان بالظهور في الأوساط العلمائية الشيعية.
العلماء المؤيدون للصوفية قاموا بتشذيب بعض المطالب الصوفية، وادعوا بأن المطالب العرفانية مستقاة من فكر أهل البيت لا من الفكر الصوفي.

إلى أن نصل إلى زماننا هذا ونحن في الحقيقة نتنفس في الخطاب الصفوي أي تلك المسائل التي كانت عالقة في أذهان الناس في الحقبة الصفوية ما زالت موجودة.

– الرد على الصوفية
ومن هذا الوقت أي من القرن العاشر نرى ظهور رسائل في الرد على الفكر الصوفي وتوجد مئات الرسائل والكثير منها ما زال مخطوطا.
الفكر الصوفي موجود قبل القرن العاشر مثل الفكر الحلاجي، ولكن لا توجد ردود عليه، نعم هناك ردود على هذا الفكر مثل ردود الشيخ المفيد والشيخ الطوسي في الغيبة، ولكنها ليست ردودا على الصوفية بالتحديد، بل هي ردود عليهم من باب دعوى البابية وما شابه.

في المقابل لم يقف الطرف الآخر مكتوف اليد، بل حاولوا توجيه مسلكهم بما ينسجم مع الفكر الشيعي حتى يقللوا من المشكلة.

إلى أن نصل إلى زماننا هذا حيث يوجد الإمام الخميني والعلامة الطباطبائي من المدافعين عن الفكر العرفاني، وإلى الآن المسألة لم تحسم، فنحن نرى في قم هناك علماء يدرّسون كتب ابن عربي وصدر الدين القونوي والفناري ويدعون بأنه العرفان الشيعي الذي يختلف عن الفكر الصوفي تماما.

– من التصوف إلى العرفان
محاولة الانتقال من التصوف إلى العرفان لم تكن سهلة أبدا، فقد واجه العلماء مشكلة كبيرة، ثم حذفوا من التصوف كتبا كثيرة، وغيروا الاسم من التصوف إلى العرفان، بل يتبرؤون من الصوفية، ولكن كل هذا في الحقيقة تغيير في الاسم لا المسمى.
وأيضا أزالوا فكرة العلاقة بين المريد والمراد أي التلميذ والشيخ، وهي من عمدة المسائل في التصوف، بحيث إذا لم يكن للشخص شيخ فلا ينعقد التصوف أصلا، ومن هنا برزت مقولتهم المعروفة في كتبهم: من لم يكن له شيخ فشيخه الشيطان.

فلابد في الطريقة الصوفية من الشيخ، ولابد أن يكون المريد بيد المراد كالميت بيد الغاسل.
هذه المسألة تبرأ منها العرفاء، وقالوا نحن إنما نعتقد بوجود الأستاذ والتلميذ، ولذا نقل عن السيد علي القاضي أن البحث عن الأستاذ نصف العمر ليس ضياعا للعمر.

هنا مسألة المريد والمراد تغيرت في العرفان الشيعي على مستوى اللفظ، ولكن يبدو أن المضمون لم يتغير.

وأيضا قضية الرقص الصوفي أو السماع يرى عرفاء الشيعة بل حتى عامة الناس المعتقدين بالتصوف لا يعملون بها، لأنهم يرون بأنها لا يمكن أن تنسجم مع البيئة الشيعية.

محاولة تغيير التصوف إلى العرفان الشيعي لم تكن ناجحة أحيانا، فالعلماء المخالفون للتصوف رأوا أن الاسم فقط تغير وإلا فالمحتوى واحد، فلو فتحنا واحدا من الكتب العرفانية الحالية لا نكاد نجد مسألة واحدة لا يمكن إرجاعها إلى الفكر الصوفي.

ولذا يبدو أن العرفان الشيعي لم يأت بشيء غير التصوف، بل استطاع تلميع صورة التصوف في الوسط الشيعي.

 

 

 

قیم هذا المقال!

نتيجة 4.00

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×