الدين كمنظومة متكاملة: شروط القبول والنظرة الشمولية
الدين كمنظومة متكاملة: شروط القبول والنظرة الشمولية
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1448 هجري
عنوان المحاضرة: الدين كمنظومة متكاملة (شروط القبول والنظرة الشمولية)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك منا جميعاً سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى أخيه أبي الفضل العباس، وعلى أخته زينب الكبرى، ورحمة الله وبركاته. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزاً عظيماً.
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران – 85]. صدق الله العلي العظيم. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد.
ما هو الدين؟
لم يقع الاتفاق على مصطلح “الدين” ومفهومه، بيد أنَّ الخوض في الاصطلاح ليس بذي أهمية. ومع ذلك، من المهم تحديد معنى الدين في القرآن الكريم. فهناك الاحترام، وتعلوه مرتبة التعظيم، وأعلى مراتب التقدير والتعظيم هي التقديس؛ فما يقدّسه الإنسان هو ما يحترمه بأعلى مراتب التعظيم، فيقال: يقدّسه، أي يوليه أهمية تفوق كل شيء. وهذه العلاقة بالشيء المقدَّس هي ما يُصطلح عليه بالدين.
وقد وقع البحث في أنَّ الدين هل يقتصر على علاقة الفرد بالمقدَّس، أم أنَّه يشمل أيضاً الأمور الفردية والاجتماعية المترتبة على تلك العلاقة؟
وعلى أي حال، إنَّ هذا الكلام محض خوض في المصطلح، ولا ينبغي الانشغال به. فهناك معنى معين، سواء أُطلق عليه اسم الدين أم لا، وهو المنهاج الذي يستوعب جميع شؤون الحياة. فجميع شؤون الحياة لا تخلو من منهج، ونحن لا نطلق الدين على الإطار الضيق المقتصر على العلاقة بالمقدَّس، بل سنبين أنَّ هذه العلاقة لا يمكن أن تكون محدودة، بل هي بطبيعتها تشمل جميع شؤون الحياة، كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله. فالدين هو منهاج الحياة الشامل.
وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المنهاج بعدة عبارات، منها:
– المستقيم: أي الذي يوصل إلى الهدف، وذلك في مقابل النهج المعوج الذي يبعد عنه.
– الصراط.
– الشرع أو الشريعة.
– المنهاج.
– الطريقة.
– الوجهة: كما في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [سورة البقرة – 148].
فهم الدين: النظرة الكلية مقابل النظرة التجزئية
وهناك طريقتان لفهم هذا الدين ومضمونه؛
الطريقة الأولى: هي الطريقة التجزئية، وهي التي تنظر إلى الدين بوصفه مجموعة أمور منفصلة عن بعضها، فيُفهم كل جزء بمعزل عن الآخر، كفهم بعض العبادات كالصلاة بمعزل عن نظام العبادات الكلي.
وهنا لا بد من الإشارة إلى نقطة مهمة، وهي أننا في الفقه نبحث عن الشروط الخاصة بكل عبادة، كشروط الصلاة، وشروط الصوم، وشروط الحج، وهكذا. ولكن توجد إلى جانبها شروط عامة إنْ لم تتوفر لم تكن الأعمال مقبولة.
مثال ذلك: الإيمان؛ فهو ليس شرطاً خاصاً بالصلاة، بل هو شرط عام يتوقف عليه قبول سائر الأعمال. وقد بيّن الله عز وجل شرطاً آخر، وهو الكفر بالطاغوت، قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [سورة البقرة – 256]، فمقتضى الآية أنَّ الاستمساك بالعروة الوثقى يتوقف على الكفر بالطاغوت.
الطريقة الثانية: وهي الطريقة المترابطة، أنَّ الإسلام، كما يُستفاد من النصوص، منظومة من أمور مترابطة يترتب الأثر المطلوب على مجموعها. وقد بحث الفقهاء في مراتب الامتثال للتكليف، فذكروا أنَّ له مرتبتين:
– المرتبة الأولى: وهي مرتبة سقوط التكليف، أي خروج التكليف عن العهدة، وهو ما يُصطلح عليه بـ”براءة الذمة”.[1]
– المرتبة الثانية: وهي مرتبة قبول التكليف، أي أن يكون العمل مقبولاً عند الله تعالى.
والسؤال المطروح هنا: ما هو اللازم على المكلف؟ هل هو مجرد سقوط التكليف، أم أنَّ قبول التكليف واجب أيضاً؟
والجواب: أنَّه لا إشكال في ضرورة القبول ووجوبه؛ فإنَّك في موارد المولوية العرفية إذا أُمرت بأمر، وجب عليك أن تؤديه على نحو يقبله الآمر. أمّا سقوط التكليف فله حديث آخر، لكن المكلف ملزم بتحصيل القبول. نعم، لو فوّت المكلف ما به يتحقق القبول، فإنَّ التكليف يسقط، لكنه يكون قد أخلّ بالواجب.
ومثال ذلك: لو أنَّ شخصاً لم يدفع زكاة الفطر في وقتها، فإنَّ بعض الفقهاء يرى أنَّ وجوب الأداء يسقط، ولا يجب عليه القضاء، بخلاف الصلاة؛ إذ لا تدل أدلة الزكاة على وجوب قضائها بعد فوات وقتها.[2] فمع أنَّ ما يتحقق به القبول كان واجباً، فقد فات مجال تحقيقه، لكن يبقى السعي لتحصيل قبول الله للعمل أمراً لازماً. ولهذا، يجب علينا أن نتفحص شرائط القبول. فقد تؤدي الصلاة فيسقط عنك وجوبها، لكنها قد لا تكون مقبولة عند الله، ومعنى عدم القبول هو عدم استحقاق الثواب، إذ إنَّ الثواب والجنة متلازمان.
وقد وردت روايات كثيرة في موانع القبول، وهي أمور يجب على الإنسان أن يتجنبها لتكون أعماله مقبولة. فلو أنَّك صليت وأنت تنظر إلى أبويك نظر مقتٍ لهما، فإنَّ التكليف يسقط ولا يجب عليك قضاء الصلاة، لكن هذا العمل لا يكون مقبولاً. وهذا الإخلال لا يوجب القضاء، كما أنَّ الإخلال ببعض الأجزاء غير الركنية كالإخلال بالجهر والإخفات سهواً أو جهلاً لا يوجب القضاء. لكن يبقى تحصيل القبول واجباً.
إذاً، هل يمكن أن يقبل الله عملاً من إنسان يكون في حالة حرب معه؟ لا يمكن ذلك. وقد ورد في الحديث القدسي: «مَنْ آذَى لِي وَلِيّاً فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ».[3] فمن موانع القبول إيذاء المؤمن، فالله لا يقبل عبادة من يفعل ذلك. وقد ورد في المأثور أنَّ كتاب الإنسان يُعرض عليه يوم القيامة فلا يجد فيه شيئاً من حسناته، فيقول: إنَّ هذا ليس كتابي، فيُجاب: ﴿…لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾ [سورة طه – 52]، فيقول: لا أجد فيه أعمالي، فيُقال له: ذهب عملك باغتياب الناس.[4]
وعليه، يجب أن ننظر إلى نظام العبادات في الإسلام كمنظومة مترابطة متكاملة، يتوقف تحقق الغرض الإلهي منها على تحققها بمجموعها. وهذه الغايات هي مناط التكاليف الشرعية، فلها مدخلية في ملاكات الأحكام. فلا يصح أن ننظر إلى التكاليف بنظرة تجزيئية لكل مفردة، دون أن نلحظ العلاقة بين هذه التكاليف وشروطها وحالاتها بمجموعها.
والنتيجة التي نخلص إليها هي أنَّ الشريعة الإسلامية منظومة متكاملة مترابطة، يتوقف الغرض منها على هذه المنظومة بتمامها، والتي يجب أن تحقق أغراضاً معينة صُرّح ببعضها في الآيات الكريمة، وببعضها الآخر في الأحاديث الشريفة.
ومن هنا يتضح أنَّ من الخطأ الفادح دراسة الدين وفهمه بنظرة تجزيئية؛ فهذه النظرة لا تمثل الدين، ولا تكوّن رؤية صحيحة عنه، بل قد تفضي إلى رؤية مشوهة لا تتناسب مع حقيقة دين الله تبارك وتعالى. فلو أتى الإنسان بكل الأعمال مع فقدان الأوصاف التي جعلها الله للدين، لم يكن قد أتى بالدين المطلوب.
فالعدالة هي أساس الدين، حتى إنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) في “رسالة الحقوق” يعتبر الدين كله أداء للحقوق، [5] فإذا لم تتحقق العدالة، لم يتحقق الدين.
ونذكر مثالاً آخر برواية صحيحة السند لا نقاش فيها عند الفقهاء، وهي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. ورد فيها أنَّ إبليس (لعنه الله) قال لجنوده: «إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنِ ابْنِ آدَمَ فِي ثَلَاثٍ لَمْ أُبَالِ مَا عَمِلَ فَإِنَّهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ مِنْهُ: إِذَا اسْتَكْثَرَ عَمَلَهُ، وَنَسِيَ ذَنْبَهُ، وَدَخَلَهُ الْعُجْبُ».[6]
إنَّ هذه الرواية تبين شرائط القبول، وتدل على وجوب التخلص من هذه الصفات الذميمة، لأنَّ الإمام (عليه السلام) في مقام بيان أنَّ هذه الأمور من موانع القبول.
– فالأول: أن يستكثر عمله، فيعجب به وينبهر، ويرى أنَّه شيء عظيم. فقد يصلي أحدهم صلاة الليل، لكنه بدل أن يعيش الانكسار، يرى نفسه متفضلاً على الله. وقد ورد في الروايات ما مضمونه أنَّ الذي لا يصلي صلاة الليل خيرٌ ممن يصليها وقد استكثر عمله. ولذا قد يتفضل الله على بعض المؤمنين فيحرمهم من صلاة الليل حتى لا يدخلهم العُجب بما قاموا به.
– والثاني: أن ينسى ذنبه، فلا يعود يلتفت إلى ذنوبه الماضية.
– والثالث: أن يدخله العُجب، فيعجب بشخصيته ونفسه.
فإذا أراد الإنسان أن تكون أعماله مقبولة، فعليه أن يتجنب هذه الموانع. وقول الإمام المعصوم (عليه السلام) هو كقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ﴾ [سورة النجم – 3]، فهو كلام مطابق للواقع وحقيقي. فلا يصح للمكلف أن يتجاهل هذا البيان بحجة أنَّه لا يعنيه؛ فكيف لا يعنيه والإمام المعصوم يبين له أنَّ القبول لا يتحقق مع وجود هذه الموانع؟
فالواجب على الإنسان أن يسعى لأن يقبل الله عزّ وجلّ عمله، والله سبحانه مع هذه الأمور الثلاثة لا يقبل عمل العبد.
الدين كمشروع لصناعة الإنسان
وعليه، إذا نظرنا إلى الدين نظرةً كليةً، فإنَّ الدين يجب أن يحدث تغييراً في شخصية الإنسان؛ فهو منهاج الحياة الذي يبنيه. فإذا لم يكن ثمّة فرق بين شخصية المسلم وشخصية أعداء الله عزّ وجلّ، فما فائدة التكاليف؟ ونحن العدلية نقول إنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد الكامنة في متعلقاتها، [7] أي في الأفعال نفسها، فيجب أن يترتب على الأعمال أثر، وبملاحظة الآثار المترتبة عليها يكون الإنسان مكلّفاً. وبلحاظ الأثر المترتب على الصلاة، فإنَّ هذا الأثر باعتباره مصلحةً ضروريةً، صارت الصلاة واجبةً؛ فلولا أنَّ الأثر المترتب عليها مهم وضروري جداً، لما كانت الصلاة واجبةً. فالوجوب يكشف عن أنَّ ما يترتب على الصلاة هو أثر ملزم ومصلحة ملزمة لا بد من تحققها. وهكذا بالنسبة إلى الصوم، والحج، وسائر التكاليف التي كلّفنا الله عزّ وجلّ بها، يجب أن تحدث تغييراً في شخصية الإنسان.
ولذا فإنَّ الله عزّ وجلّ لا يتكلم عن التكاليف من زاوية الأمر والنهي فقط، بل هناك زوايا أخرى يشرح فيها التكليف، ومن تلك الزوايا قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب – 72]. فالله سبحانه يبيّن أنَّ التكاليف ليست بالأمر السهل، فقد حمل الإنسان أمانةً عظيمةً جداً، بحيث إنَّ السماوات والأرض والجبال أشفقت من حملها وأبت، ورأت أنَّ ذلك يفوق طاقتها. ولكن الله عزّ وجلّ أودع في الإنسان قابليات جعلته مؤهلاً لحمل هذه الأمانة، إلا أنَّه في غالب الأحيان لم يستثمر تلك القابليات والإمكانيات، فكانت النتيجة ما وصفه به تعالى: ﴿…إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾.
وهذه زاوية من الزوايا التي تشرح حقيقة الإسلام والتكاليف وما هو مطلوب من الإنسان.
مكانة أهل البيت ودلالتها على عظمة الدين
وتتجلى هذه النظرة في عبارات أهل البيت عليهم السلام التي تعرّف بالإسلام بالدلالة الالتزامية، [8] فنحن نصفهم في الزيارة الجامعة الكبيرة بأنَّهم: “أَوْلِيَاءُ اللهِ وَأَصْفِيَاؤُهُ، وَأُمَنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ… وَمَحَالُّ مَعْرِفَةِ اللهِ، وَمَسَاكِنُ بَرَكَةِ اللهِ… وَالدُّعَاةُ إِلَى اللهِ، وَالْأَدِلَّاءُ عَلَى مَرْضَاةِ اللهِ، وَالْمُسْتَقِرُّونَ فِي أَمْرِ اللهِ، وَالتَّامُّونَ فِي مَحَبَّةِ اللهِ، وَالْمُخْلِصُونَ فِي تَوْحِيدِ اللهِ، وَالْمُظْهِرُونَ لِأَمْرِ اللهِ وَنَهْيِهِ”.[9] وفي موضع آخر من الزيارة نفسها نخاطبهم: “خَلَقَكُمُ اللهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ، حَتَّى مَنَّ عَلَيْنَا بِكُمْ، فَجَعَلَكُمْ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ”.[10]
وفي هذه العبارات ثلاث دلالات، بعضها بالدلالة المطابقية وبعضها بالدلالة الالتزامية.
الدلالة الأولى: عظمة هؤلاء الأئمة ومكانتهم، فهم كما جاء في النص: “خَلَقَكُمُ اللهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ”.
الدلالة الثانية: عظمة الدين، فليس أي أحد يكلّفه الله ببيان الدين، بل الذي يبيّن الدين يجب أن يكون أقدس الناس وأعظمهم وأشرفهم، وأن يكون ممن وُصفوا بأنَّهم أنوار جعلهم الله بعرشه محدقين.
الدلالة الثالثة: مكانة الإنسان في الإسلام، فالله لا يولي هذا المقام أي أحد، فالإمامة ليست لمن كان براً أو فاجراً، بل إنَّ المؤمن الذي لا يبلغ درجات الكمال لا يصلح لها، فالإمام يجب أن يكون ممن “خَلَقَكُمُ اللهُ أَنْوَاراً فَجَعَلَكُمْ بِعَرْشِهِ مُحْدِقِينَ”.
والله سبحانه لم يخلقنا على هذا النحو، بل خلقنا وسخّر لنا كل شيء، سخّر السماوات والأرض والعالم بأسره، لأنَّه يريدنا لأمر عظيم. وهذا الإمام العظيم الذي يجب أن يُطاع يدل على أنَّ الدين ليس أمراً عادياً، ولا يجوز أن يُنظر إليه برؤية ساذجة وبسيطة.
والنتيجة: أنَّ الدين الإلهي هو مشروع صناعة الإنسان، مشروع صناعة أولياء الله. وهذا الدين ليس بسيطاً، فبعض الأفهام الساذجة للدين لا تتناسب مع قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ…﴾ [الأحزاب – 72]. إنَّ الفهم الذي يتناسب مع هذه الآية الكريمة هو أن ننظر إلى الدين كمنظومة مترابطة متكاملة، يتحقق الغرض منها بمجموعها. وهذا التفسير للدين يتناسب مع عظمة الله، فهو المشرّع والمكلّف، والله عزّ وجلّ لا يفعل شيئاً بسيطاً. ومن هنا، فإنَّ جزءاً من معرفة الدين هو إدراك عظمة المشرّع الخالق، كما ورد في الدعاء: “اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ…”.[11]
“…فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ، اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي”.[12] فإذا لم أعرف الله، لن أقدر على معرفة رسوله وعظمة ما قام به (صلى الله عليه وآله). وإذا لم أعرف النبي، فلن أعرف عظمة من يكمل مسيرته. وإذا لم أعرف الحجة، فلن أعرف الدين وعظمة ما قام به وما تحمّله. فهذا هو الدين، ومقتضى ذلك أن نعرفه معرفةً صحيحةً، وأن ننظر إليه بعمق، وأن نفهم لماذا خلقنا الله، وما معنى أنَّه لم يخلقنا عبثاً، وما الذي يجب علينا أن نفعله.
وقد ورد عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: “مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ دِينٌ دَخَلَ الْجَنَّةَ”.[13] وفي رواية أخرى عنه (عليه السلام): “إِذَا بَلَغَكُمْ عَنْ رَجُلٍ حُسْنُ حَالٍ فَانْظُرُوا فِي حُسْنِ عَقْلِهِ، فَإِنَّمَا يُجَازَى بِعَقْلِهِ”.[14] بل إنَّ الله سبحانه في حديث قدسي يخاطب العقل قائلاً: “مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَلَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ”.[15]
فيجب أن ننظر إلى الدين بهذه النظرة العميقة، حتى نعرف أنَّ الحديث عن المعصومين ليس مجرد حديث عن مقامهم، بل هو سبيل لمعرفة الدين. فالمعصوم الذي هو قدوة لنا ليس مجرد رمز، والله سبحانه لا يأمر بمجرد محبة النبي، بل يأمر بالتأسي به، ومن يحب النبي حقاً يتأسى به، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب – 21]. فهناك ملازمة بين التأسي والمحبة، وملازمة بين التأسي والاتباع، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران – 31].
ومن هنا يتضح خطأ بعض التصورات عن الدين، كتصوّر أنَّه يقتصر على قراءة القرآن وأداء الصلاة. فكم من قرّاء القرآن يدخلون النار، وهم الذين تخلوا عن مسؤولياتهم بحجة الانشغال بقراءة القرآن. إنَّ قراءة القرآن ليست مطلوبةً بنحو الموضوعية، [16] وإنما هي طريق لترتب الأثر عليها. فالعقلاء ليس غرضهم أصل القراءة والألفاظ والعبارات، فهذه ليست مطلوبةً لذاتها قطعاً، وإنما هي مطلوبة بالنظر إلى مضامينها، والمضمون بدوره مطلوب بالنظر إلى الأثر المترتب عليه. وإلا فلو كان هذا المضمون مجرد بحث نظري لا يترتب عليه أثر في بناء شخصية الفرد والمجتمع، لما كان مطلوباً. فكل هذه الأمور إنما هي مطلوبة لتحقيق تلك الغايات.
تحريف الدين وكربلاء كمعيار للفرقان
ولكن الذي حدث هو أنَّ الدين صار لُعبةً بيد الطواغيت.
ومثال ذلك: ما يُنقل عن الوليد بن يزيد بن عبد الملك، أنَّه استفتح القرآن الكريم فخرجت له آية: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم – 15]، فوضع المصحف أمامه ورماه بسهم، وخاطبه قائلاً: أتُوعِدُ كلَّ جبّارٍ عنيدِ *** فها أنا ذاكَ جبّارٌ عنيدُ إذا ما جئتَ ربَّكَ يومَ حشرٍ *** فقلْ يا ربِّ مزَّقني الوليدُ[17]
ويروي البخاري في صحيحه، وأحمد بن حنبل في مسنده بتفصيل أكبر، عن أنس بن مالك أنَّه قال: “مَا أَعْرِفُ شَيْئاً مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ”، قِيلَ: “فَالصَّلَاةُ؟”، قَالَ: “أَلَيْسَ قَدْ صَنَعْتُمْ فِيهَا مَا صَنَعْتُمْ؟”.[18] وفي رواية المسند أنَّه كان يبكي ويقول ذلك، فلما سألوه عن الصلاة، قال: “أَوَلَيْسَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَا صَنَعَ الْحَجَّاجُ فِي الصَّلَاةِ؟”.[19] فالدين الذي كان في زمان النبي (صلى الله عليه وآله) قد استُبدل بغيره، وهذا هو الواقع.
والحاصل: أنَّ الدين هو منهاج الحياة، ولا أحد يخلو من دين ما، ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة – 148]، فكل إنسان له دين، ولكن أين هو الدين الحق؟ وما هي الأطروحة الحقيقية؟ لقد كانت كربلاء هي المحطة التي بُيّنت فيها حقيقة الدين الذي أراد الإمام الحسين (عليه السلام) إظهاره، وهو ما يتجلى في خطبته: “أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَاناً جَائِراً مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللهِ، نَاكِثاً لِعَهْدِ اللهِ، مُخَالِفاً لِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، كَانَ حَقّاً عَلَى اللهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ”.[20]
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران – 8].
“السَّلَامُ عَلَى الشَّيْبِ الْخَضِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْخَدِّ التَّرِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْبَدَنِ السَّلِيبِ… السَّلَامُ عَلَى مَنْ غُسْلُهُ دَمُهُ، وَالتُّرَابُ كَافُورُهُ”.[21]
[1] براءة الذمة مصطلح أصولي وفقهي يعني فراغ ذمة المكلف من التكليف الموجه إليه، إما بامتثاله أو بسقوطه عنه لسبب ما.
[2] هذه المسألة خلافية بين الفقهاء؛ فالمشهور يذهب إلى أنَّ من لم يخرجها في وقتها لعذر أو لغير عذر لا تسقط عنه وتبقى في ذمته، ويجب عليه إخراجها بقصد القربة المطلقة لا الأداء ولا القضاء. يُراجع: النجفي، محمد حسن. جواهر الكلام. ج 15، ص 433.
[3] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 352، باب “من آذى المسلمين واحتقرهم”، ح 7. والنص في المصدر: «فقد آذنني بالمحاربة».
[4] النراقي، محمد مهدي. جامع السعادات. ط7، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 1428 هـ، ج 2، ص 228. وقد نقله عن بعض الأخبار.
[5] يُراجع: الصدوق، محمد بن علي. الخصال. تحقيق علي أكبر الغفاري، جماعة المدرسين، 1403 هـ، ص 564. حيث يفتتح الإمام (ع) رسالته بقوله: «اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ لِلَّهِ عَلَيْكَ حُقُوقاً مُحِيطَةً بِكَ… وَأَصْلُ هَذِهِ الْحُقُوقِ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْكَ…».
[6] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 2، ص 314، باب “العجب”، ح 2.
[7] العدلية: هم القائلون بالحسن والقبح العقليين الذاتيين للأفعال، وأنَّ أحكام الشارع تابعة للمصالح والمفاسد الواقعية في متعلقاتها. يُراجع تفصيل هذا المبحث في كتب علم الكلام، مبحث العدل، وفي كتب أصول الفقه، مبحث الملازمات العقلية.
[8] الدلالة الالتزامية: هي دلالة اللفظ على معنى خارج عن معناه الموضوع له، لكنه لازم له في الذهن، كدلالة لفظ “حاتم” على الكرم.
[9] ابن بابويه، محمد بن علي (الشيخ الصدوق). من لا يحضره الفقيه. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1413 هـ، ج 2، ص 613.
[10] المصدر نفسه. ج 2، ص 615.
[11] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 337، باب “في الغيبة”، ح 5.
[12] المصدر نفسه.
[13] المصدر نفسه. ج 1، ص 11، كتاب “العقل والجهل”، ح 3.
[14] م. س.، ص 27، ح 29.
[15] م. س.، ص 10، ح 1.
[16] الموضوعية والطريقية: مصطلحان أصوليان. فالمطلوب الموضوعي هو ما يُطلب لذاته، كمعرفة الله. أما المطلوب الطريقي فهو ما يُطلب لكونه وسيلة ومقدمة لتحصيل مطلوب آخر، كقراءة القرآن التي هي طريق لفهم معانيه والعمل بها.
[17] الذهبي، شمس الدين. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام. تحقيق عمر عبد السلام التدمري، ط2، دار الكتاب العربي، 1993 م، ج 8، ص 316.
[18] البخاري، محمد بن إسماعيل. صحيح البخاري. تحقيق محمد زهير بن ناصر الناصر، ط1، دار طوق النجاة، 1422 هـ، ج 1، ص 112، كتاب “مواقيت الصلاة”، باب “تضييع الصلاة عن وقتها”، ح 530.
[19] ابن حنبل، أحمد. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط وآخرون، ط1، مؤسسة الرسالة، 1421 هـ، ج 20، ص 296، ح 12975.
[20] الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الرسل والملوك. تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار المعارف، 1967 م، ج 5، ص 403.
[21] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 98، ص 321، باب “كيفية زيارته صلوات الله عليه”.