» 2023 » الرياضات الروحية على ضوء الروايـات والعرفان
2023 - الملتقی الأسبوعي - روحانیات مزیفة - مواسم ثقافیة

الرياضات الروحية على ضوء الروايـات والعرفان

18 يناير, 2023 401,847

موسم (روحانيات مزيفة)

تحت عنوان: “الرياضات الروحية على ضوء الروايـات والعرفان”

بمشاركة: سماحة الشيخ علی یعقوب “حفظه الله”

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

 

العناوين

– المقصود من الرياضة الروحيّة
– ميدان الرياضة الروحية
– نظرة الإسلام
– ظاهرة المتزهدين
– التصوف والعرفان
– التصوف والتشيع

الرياضات الروحية بين النصوص والعرفان

المقصود من (الرياضة الروحية)

الرياضة في الأصل هي التطويع والتذليل، وكانت كثيرًا ما تُستخدَم في الدواب الوحشية كالفرس، تُروَّض لتُركَب وتُستَخدَم، وحينما تُضاف إلى الروح أو تُقيَّد بها بنحوٍ من أنحاء التقييد فالمراد هو تطويع الروح وتذليلها أو ضبطها بشيءٍ أو نظامٍ معيِّن لأجل غايةٍ محدَّدة، ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتابه إلى عثمان بن حنيف: “وإنما هي نفسي أروْضُها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر وتثبتَ على جوانب المزلق، ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولُباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي… ” إلى آخر كلامه (صلوات الله عليه)([1]).

ويقرب من هذا الاصطلاح في الأدب الإسلامي والنصوص الشرعية اصطلاح (جهاد النفس) و(مخالفة الهوى)، إلا أنّ الاصطلاح المذكور ليس خاصًّا بالثقافة الإسلامية، فهناك رياضة روحية لدى الديانات السماوية السابقة، لا سيّما النصارى، بل هناك رياضةٌ روحية لدى بعض الديانات الأرضية، كالبوذية والهندوسية، وما انتشار البوذية في أيامنا هذه إلا لترويج هذا الجانب فيها مع العطش الروحي الذي يعيشه عالم اليوم المادي؛ حيث إن (النشاط الروحي) يلبِّي في بعض جوانبه حاجةً للنفس البشرية أيضًا، وهذا ينبهنا على خطر الغفلة عن تسليط الضوء على هذا الجانب في الإسلام.

ميدان (الرياضة الروحية)

رغمَ أن (رياضة الروح) تعمُّ كل ميدان للروح فيه نشاط وللتكليف الشرعي فيه محل إلا أنه اعتيد التركيز على عناوين ثلاثة على المستوى العملي: (الميدان الاجتماعي)، و(الميدان الفردي)، و(الميدان العبادي)، فتشمل التعامل الاجتماعي مع الناس في أحوال الرضا والغضب والصلة والقطيعة والاجتماع والعزلة وغير ذلك، وتشمل تعامل الفرد مع نفسه من مأكلٍ ومشرب وملبس ونومٍ ويقظة، وتشمل العبادات من صلاة وصومٍ وزكاةٍ وحجٍّ وغيرها… ، نعم سلوك المرء في هذه الميادين كثيرًا ما يحتاج للنظر لحيثية النفس وجهادها أو رياضتها حتى يندرج ضمن رياضة الروح، وإلا فإنه من الواضح أن الكثير من الممارسات في الميدان الفردي والاجتماعي لا تندرج ضمن رياضة الروح ما لم تُلحَظ هذه الحيثية.

نظرة الإسلام

وقد اعتنى الإسلام كثيرًا بهذه المسألة فأوجب بعض الرياضات كالصلاة والصوم والحج، وندب إلى بعضها كالمستحب من العبادات الثلاث المذكورة آنفًا كحثّه البالغ على قيام الليل وتلاوة القرآن واللجأ إلى الله ودعائه، وكبالغ مدحه للمنفقين في سبيل الله والمعرضين عن الدنيا وزخرفها، يقول (عزّ من قائل): { قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون * والذين هم للزكاة فاعلون * والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون * والذين لآماناتهم وعهدهم راعون * والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم الوارثون }([2])، وقال (سبحانه): { إن المتقين في جنَّاتٍ وعيون * آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلاً من الليل ما يهجعون * وبالأسفار هم يستغفرون * وفي أموالهم حقٌّ للسائل والمحروم }([3]).

كما زخرت الروايات بمثل ذلك، وحفلت نصوص الثقلين بالأذكار والأدعية والعبادات المأثورة لشتى الأيام والمناسبات، ومن نفيس ما وصلنا في هذا السياق العديد من نصوص الذكر والدعاء المضمّنة في آيات القرآن، وقد جمعها بعض العلماء في كتبٍ صغيرة، وكذا (الصحيفة السجادية) المأثورة عن الإمام علي بن الحسين السجاد (عليه السلام)، والتي لم تصلنا بكاملها فسعى بعض العلماء لالتقاط الأدعية المروية عنه (عليه السلام) من الكتب الأخرى سعيًا لاستدراك ما سقط منها أو لِلَم شتاتها فخرجت الصحيفة السجادية الثانية والثالثة والرابعة والخامسة… ، وقد نسج على منوالهم في لمّ شتات الأدعية المبعثرة في المصادر المحدث الصالح الشيخ عبد الله بن صالح السماهيجي (رحمه الله) فصنّف (الصحيفة العلوية) فجاء المحدث النوري (رحمه الله) بـ(الصحيفة العلوية الثانية)، حتى جاء في زماننا هذا السيد محمد باقر الأبطحي (رحمه الله) فصنّف الصحائف لجميع المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام).

كما اهتم الإسلام بضبط هذه الحالة وتوجيهها بالنحو الذي يرتضيه رافضًا الانزواء المطلق والابتداع في العبادة ومحافظًا على اتزان المؤمن بين الخوف والرجاء، روى الكليني (رحمه الله) بسندٍ لا بأس به عن الحسن بن أبي سارة، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يكون خائفًا راجيًا ولا يكون خائفًا راجيًا حتى يكون عاملاً لما يخاف ويرجو([4])، وروى الشيخ (رحمه الله) بسندٍ معتبرٍ عن زرارة ومحمد بن مسلم والفضيل، قالوا: سألناهما -أي الباقرَين (عليهما السلام)- عن الصلاة في رمضان نافلةً بالليل جماعةً، فقالا: إن النبي (صلَّى الله عليه وآله) كان إذا صلَّى العشاء الآخرة انصرف إلى منزله، ثم يخرج من آخر الليل إلى المسجد فيقوم فيصلّي، فخرج في أول ليلةٍ من شهر رمضان ليصلّي كما كان يصلّي فاصطفّ الناس خلفَه، فهرب منهم إلى بيته وتركهم، ففعلوا ذلك ثلاث ليالٍ فقام في اليوم الرابع على منبر فحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: “أيها الناس، إن الصلاة بالليل في شهر رمضان النافلةَ في جماعةٍ بدعةٌ، وصلاة الضحى بدعةٌ، ألا فلا تجتمعوا ليلاً في شهر رمضان لصلاة الليل، ولا تصلوا صلاة الضحى؛ فإن ذلك معصية، ألا وإن كل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ سبيلها إلى النار”، ثم نزل وهو يقول: “قليلٌ في سُنَّة خيرٌ من كثيرٍ في بدعة”([5])

ظاهرة الزهّاد أو المتزهّدين

بالإضافة للامتثال الطبيعي لتعاليم الإسلام وتوجيهاته في الجانب الروحي والارتباط بالله (عزّ وجل)، ظهرت منذ صدر الإسلام ظاهرةٌ تتمثَّل في الجنوح نحو الزيادة في ممارسة (الرياضة الروحية)، مِمَّا عُدَّ مبالغةً في ذلك كالصمت لمدة طويلة وترك النساء والصيام طوال السنة وترك الطيبات مطلقًا وتجنّب الدخول في المعارك بين المسلمين مع أيّ طرفٍ وإن كان أحدهما على الحق البيِّن بداعي تجنّب الفتنة وغير ذلك.

ومن الشخصيات البارزة التي عُرِفَت ببعض ذلك الربيع بن خُثَيم الثوري، المعروف بيننا اليوم بـ(الخاجة ربيع)، وهو من المخضرمين -أي الذين عاصروا الجاهلية والإسلام- إلا أنه تابعي، ذُكِرَ في الزهَّاد الثمانية وقد روي في التواريخ طلبه مع جماعةٍ من أمير المؤمنين (عليه السلام) في صفين أن يعفيهم من القتال في صفين وأن يضعهم على ثغرٍ من الثغور بداعي تجنّب قتال أهل القبلة، كما حُكي عنه صمته لمدة عشرين عام([6])، ويشبهه في بعض ذلك عبد الله بن عمر حيث إنه كان يتزهَّد ويتعبَّد، وقد روي أنه لم يشارك في صفين لذات الداعي، وكذلك حين صار الأمر ليزيد([7])، ومثلهما آخرون عديدون.

وتنقل لنا الروايات مواجهات بين الأئمة (عليهم السلام) وبين بعض الأفكار التي كانت تشيع بين هؤلاء، بل بين بعض أشخاص المعاصرين لهم منهم، فقد روى الكليني (رحمة الله عليه) بسنده عن عبد الله بن سنان، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: بينا أنا في الطواف وإذا برجلٍ يجذب ثوبي وإذا هو عبّاد بن كثير البصري، فقال: يا جعفر بن محمد، تلبس مثل هذه الثياب وأنت في هذا الموضع مع المكان الذي أنت فيه من عليٍّ (عليه السلام)؟ فقلتُ: ثوبٌ فرقبيٌّ اشتريته بدينار، وكان عليٌّ (عليه السلام) في زمانٍ يستقيم له ما ليس فيه، ولو لبستُ مثل ذلك اللباس في زماننا لقال الناس: “هذا مُراءٍ مثل عبّاد”([8])، وروى (رحمه الله) بسندٍ صحيحٍ عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: اللحم ينبت اللحم، ومن تركه أربعين يومًا ساء خلقه، ومن ساء خلقه فأذِّنوا في أذنه([9])، وروى بسنده الصحيح أيضًا عن أبي عبد الله (عليه السلام): كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لَحِمًا يُحِبُّ اللحم([10]).

التصوف والعرفان

ليس بين أيدينا تأريخٌ دقيقٌ لاستعمال مصطلحَي (الصوفي) و(العارف) وتكوّن الجماعة التي يُطلَق عليها، إلا أن بعض النقولات تشير إلى أن أول من عُرِفَ باسم (الصوّفي) هو أبو هاشم الكوفي، وهو من رجال القرن الثاني([11])، وربما كان ذلك في أواخر القرن الهجري الأول، وأما اصطلاح (العارف) فالظاهر أنه متأخرٌ عنه وقد حكي رواجه في القرن الهجري الثالث وأنه جرى في كلمات سرّي السقطي المتوفى في حدود منتصف القرن الثالث([12]).

أما مناسبة التسمية، فقيل إن (الصوفي) ناشئةٌ من التزام لبس الصوف ومعروفية هذه الجماعة به، وقيل غير ذلك، وأما (العارف) فقيل لبلوغهم مقامًا في معرفة الله، وقد ظلَّ الترابط قائمًا بين (الصوفية) و(العرفاء) مستمرًا حتى حين كما سيأتي، وفي هذا المقام يصرِّح الشهيد مطهري أن إطلاق التصوف على هذه الجماعة كان بلحاظ الجهة الاجتماعية، بينما إطلاق العرفان بلحاظ الجهة المعرفية([13]).

ومع مرور الأيام، بالإضافة لما عُرِفَ به المتصوفة من سلوكٍ اجتماعيٍّ وعبادي، ظهر لهم مذاق أدبيٌّ خاص، ولعلَّ ذا النون المصري في القرن الثالث شكّل مرحلةً فارقةً في ذلك؛ إذ حُكيَ عنه أنه أول من استعمل الرمزية في بيان المطالب العرفانية.

كما أنّه قد ظهر لهم أيضًا مذاقٌ معرفيُّ وفكريٌّ واستنباطيٌّ خاصٌّ بهم، ظهرت علائمه على ألسنة أعلامهم، كالحسين بن منصور الحلاج وغيره، ورغم مرورهم بمراحل متوالية اتسعت فيها بنيتهم المعرفية إلا أنّ البروز المعرفي لديهم شكّل نقلةً كبيرةً بعد عدة قرون، أي في القرن السابع، على يد محي الدين ابن عربي صاحب (الفتوحات المكية) و(فصوص الحكم) حتى قيل إن العرفان الإسلامي تكامل على يديه.

وقد رافق التصوّف بشتى مراحله أصحاب دعاوى ارتباطٍ بالغيب والمقامات الإلهية الخاصة، مما زاد من المسألة حساسية.

يرى الشهيد مطهري أن القرن العاشر شكَّل مرحلةً فاصلة، انفصل فيها (العرفان) عن (التصوّف)؛ بمعنى أنه لم يعد أقطاب المتصوّفة يملكون مقامات علمية وفكرية عالية وغرقوا في الآداب والظواهر، وفي الجانب الآخر برز في العرفان النظري الذي شيَّد أركانه ابن عربي أعلامٌ لا ينتمون لأي طريقةٍ صوفية كصدر الدين الشيرازي والفيض والقاضي سعيد القمي([14]).

وفي قبال ذلك، هناك من يرى أن حقيقة التصوّف غير مختصةٍ بالطرق الصوفية المعهودة، ويرى بذلك عدم انفكاك العرفاء عن المتصوفة، إلا أنّ الحساسية الشيعية من لفظ (التصوّف) قد استدعى تجنُّب استخدامه.

التصوف والتشيع

لم يُروَ على لسان المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام) أي تعرُّضٍ للتصوُّف أو المتصوفة بلفظه في كتبنا المعتمدة سوى ما في الكشي حول أحمد بن هلال([15])، نعم ورد في (كشف الغمة) على لسان راوٍ([16])، وورد في (حديقة الشيعة) بعض النصوص([17])، إلا أنها متفرَّدات لا يُعلَم اعتبارها، بل لا يُعلَم اعتبار نسبة الكتاب للمقدس الأردبيلي (رحمه الله) أصلاً، وهكذا الحال في غير هذه النصوص بحسب التتبع.

إلا أنَّ العلاقة بين التشيُّع والتصوُّف ظلَّت شائكةً حساسة، ولعلَّ ذلك يرجع للروايات المشتملة على مواجهة بعض المتصوفة أو أسلافهم كالحسن البصري وسفيان الثوري، وأوضح من ذلك مخالفة جملةٍ من أهل التصوّف لجملةٍ مما تعرَّضت له الروايات من ممارسات اجتماعية وشرعية وأفكار عقائدية كما تقدَّم، كما أنَّهم اصطدموا بأصحاب دعاوى المقامات والارتباط بالغيب، فمن الجو الذي تشير له النصوص بين الأصحاب وأعلام المتصوّفة الأوائل كالحسن البصري، إلى مواجهات المتقدمين كالشيخ المفيد في رسالته في الرد على الحلاج، إلى غير ذلك من ردود ضُمِّنت في المصنّفات العقدية، إلى زمن الدولة الصفوية حيث عمَّ الابتلاء بهم والمواجهات المحتدمة والرسائل العديدة في ذلك، حتى أن بعض مَن صنّفهم البعض كمتصوفة مثل صدر الدين الشيرازي قد صنفوا أيضًا في الرد عليهم.

يوثّق ذلك السيد حيدر الآملي عند ذكره سبب تأليفه كتاب (جامع الأسرار) قائلاً: “أما بعد، فإني لما فرغت من رسالة (منتخب التأويل) المشتملة على بيان كتب الله الآفاقية والأنفسية و… (..) التمس مني جماعةٌ من إخواني الصالحين السالكين سبيل الله لطلب مرضاته أن أكتب لهم كتابًا جامعًا مشتملاً على معظم أسرار الله (تعالى) وأسرار أنبيائه وأوليائه (عليهم السلام) حاويًا لا سيّما على أسرار التوحيد وأقسامه وتوابعه ولوازمه (..) مبنيًّا على قاعدة الموحدين المحققين من أهل الله المسمّين بالصوفية، موافقًا لمذهب الشيعة الإمامية الاثنا عشرية، مطابقًا لأصول كلّ واحدٍ منهم وقواعدهم، بحيث يرتفع به التنازع من بينهم بالكلية، ولا يحتاجون بعده إلى كتابٍ آخر فيه؛ لأن من بين الفرق الإسلامية والطوائفة المختلفة المحمدية ليس أحد ينكر على الطائفة الصوفية  مثل طائفة الشيعة، ولا على الشيعة مثل الطائفة الصوفية مع أن مأخذهم واحد ومشربهم واحد… الخ”([18]).

تسرّب الأجواء الصوفية للشيعة

ورغم العلاقة الشائكة، إلا أن ذلك لم يمنع من وجود أثرٍ صوفيٍّ أو عرفاني على مجموعةٍ من علماء الشيعة، وقد تنوّع طور هذا الأثر ولونه ونمطه، فبعضهم كان متأثِّرًا بالمذاق الأدبي فقط لا أكثر، حتى أنَّا نجد هذا النوع من الأثر موجودًا لدى بعض العلماء الشديدين في نقدهم للتصوّف والعرفان –كبعض الأخبارية-، ولعلّ هذا الأثر هو الأوسع انتشارًا بينهم.

ومِمَّا حصل من تأثُّرٍ أيضًا التأثُّر ببعض الأفكار والأطروحات الأخلاقية، وهنا نلحظ على سبيل المثال أثر كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي على بعض المصنّفات الأخلاقية، ونلحظ أيضًا حضور بعض الكلمات والمواعظ للحسن البصري وسفيان الثوري في مثل (مجموعة ورام) وغيرها.

ولعلّه من المناسب في هذين المقامَين الالتفات لما قاله السيد أحمد ابن طاوس (رحمه الله) في مقدمة كتابه (زهرة الرياض) حيث يقول: “وفي هذه الأيام كنتُ مِمَّن سرح في رياض العِبَر فكره، واستراح إلى نوعٍ من أنواع المعقولات خاطره وسِرُّه، فدرَّت قريحتي بكلماتٍ على قواعد الصوفية في عدة فنون وغير ذلك من معانٍ والحديث ذو شجون… “([19]).

وهناك تأثرٌ بمدىً ومستوىً أكبر ممّا سبق حصل لدى أمثال السيد حيدر الآملي، وهو التأثُّر الفكري والمعرفي، وربما قيل إنه أول من لوحِظَ فيه هذا النحو من التأثُّر، إلا أنه ربما سبقه في ذلك بعضٌ في البحرين والحلة وبعض مناطق إيران، حيث نلمس بعض الأثر في كلمات الشيخ علي بن سليمان الستراوي وتلميذه ابن ميثم، نعم مستوى تأثر السيد حيدر لم يُلحَظ لدى أحدٍ قبله.

تسرب التصوف عبر بعض النصوص

ما تقدَّم أكثره تأثرٌ صريحٌ أو مباشرٌ بكلمات المتصوفة، وقد حصل تأثرٌ غير صريح أو غير مباشر، أعني التأثُّر بنصوص صوفية إلا أنها نُسِبَت لأهل البيت (عليهم السلام)، ولعلّه هو الذي يفسِّر جملةً من التأثُّر الأدبي، لا سيّما عند بعض ناقدي التصوف.

ولعلّنا نستطيع التأريخ لهذا النحو من التأثُّر بالسيد علي ابن طاوس (رضوان الله عليه)، فقد كان هناك نحوٌ من التسامح والتساهل في رواية الأدعية والأذكار والأعمال قبلَه، إلا أن السيد في مقدمة كتابه (المهمات والتتمات) –وهو كالذيل أو الشرح لكتاب جده (مصباح المتهجد)، يجمع جملةً من الكتب- نظَّر للتساهل بنحوٍ ربما فتح الباب لمستوىً أوسع من التساهل والتسامح في روايات السنن، يقول (رحمه الله) في الاعتذار عن روايته للروايات المشتملة على المطعون في بعض رجالها وعدم ذكر الأسناد في موارد عديدة: “أقول ولو لم يكن من العذر الواضح والمخرج الصالح في كل ما يكون في هذا الكتاب من رواية عن من روي عنه مطعنٌ بسبب من الأسباب أو حديثٍ لم أذكر إسناده لبعض الأعذار إلا ما رويت عن جماعة من ذوي الاعتبار وأهل الصدق في نقل الآثار بإسنادهم إلى الشيخ المُجمَع على عدالته أبي جعفر محمد بن بابويه (تغمده الله برحمته) فيما‌ رواه من كتاب (ثواب الأعمال) عن صفوان بن يحيى المتفق على ورعه وأمانته، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: من بلغه شيءٌ من الخير، فعمله كان له أجر ذلك وإن كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) لم يقله… “([20])، وقد بان أثر ذلك في موارد، يظهر أن منها ما ورد من أعمال ليلة العاشر في (الإقبال)، وهو من كتب (المهمات والتتمات) أيضًا([21]).

ومن أمثلة النصوص المتسربة أيضًا كتاب (مصباح الشريعة)، حيث نسبه بعضٌ إلى الإمام الصادق (عليه السلام)، إلا أنَّ أحوال الكتاب تشهد ببطلان هذه النسبة، يقول في ذلك السيد الخميني (رحمة الله عليه): “وأما رواية (مصباح الشريعة) الدالّة على التفصيل بين وصول الغيبة إلى صاحبها وعدمه، فلا تصلح للاستناد إليها؛ لعدم ثبوت كونها روايةً فضلاً عن اعتبارها، بل لا يبعد أن يكون كتابه من استنباط بعض أهل العلم والحال ومن إنشاءاته”([22])، والمراد من “أهل الحال” واضح، المقصود بذلك هو العرفاء، ويقول السيد المرعشي النجفي (رحمه الله): “وما درى المسكين في العلم والتتبع والتثبّت والضبط أن كتاب (مصباح الشريعة) وما يشبهه من الكتب المودعة فيها أمثال هذه المناكير ممّا لفّقتها أيادي المتصوّفة في الأعصار السالفة وأبقتها لنا تراثًا”([23]).

ومنها أيضًا ذيل دعاء عرفة، أي دعاء عرفة المروي عن الحسين (عليه السلام) في (الإقبال)([24])، وأمر هذا الذيل عجيبٌ؛ فإنه ليس غير منسجمٍ مع سبك وتعابير أهل البيت (عليهم السلام) المبثوثة في كتب علمائنا المعتمدة فحسب، بل إنه غير منسجمٍ مع ما قبله من الدعاء أيضًا، وتعابير أهل التصوّف ظاهرةٌ فيه، وقد انفردت بهذا الذيل بعض نسخ (الإقبال) ومنها انتشر، وقد صرّح العلامة المجلسي بعدم وجدان هذا الذيل في جملةٍ من نسخ الإقبال ومصباح الزائر أيضًا ونقل مؤيِّدًا عن بعض العلماء انسجام الذيل مع المتصوفة واحتمال أخذه عن بعض مشايخهم، يقول (رحمه الله): “قد أورد الكفعمي (رحمه الله) أيضًا هذا الدعاء في (البلد الأمين) وابن طاوس في (مصباح الزائر) كما سبق ذكرهما، ولكن ليس في آخره فيهما بقدر [ورقةٍ] تقريبًا، وهو من قوله: >إلهي أنا الفقير في غناي< إلى آخر هذا الدعاء، وكذا لم [توجد] هذه الورقة في بعض النسخ العتيقة من (الإقبال) أيضًا، وعبارات هذه الورقة لا تلائم سياق أدعية السادة المعصومين أيضًا، وإنما هي على وفق مذاق الصوفية، ولذلك قد مال بعض الأفاضل إلى كون هذه الورقة من مزيدات بعض مشايخ الصوفية ومن إلحاقاته وإدخالاته، وبالجملة هذه الزيادة إما وقعت من بعضهم أولاً في بعض الكتب وأخذ ابن طاوس عنه في (الإقبال) غفلةً عن حقيقة الحال، أو وقعت ثانيًا من بعضهم في نفس كتاب (الإقبال)، ولعلّ الثاني أظهر على ما أومأنا إليه من عدم وجدانها في بعض النسخ العتيقة وفي (مصباح الزائر)، والله أعلم بحقائق الأحوال”([25])، والثاني هو المتعيِّن إذ ثبت فعلاً أنه من مناجيات ابن عطاء الاسكندري، وقد وصلتنا ضمن (الحكم العطائية)([26])، نعم النسخ المطبوعة من (مصباح الزائر) خاليةٌ من ذكر الدعاء.

ومنها أيضًا رواية عنوان البصري، التي تلوح فيها أدبيات التصوّف، من كلماتٍ وتعامل منسوبٍ للإمام (عليه السلام)…

ختام

وجود هذه التأثيرات لا ينفي أهمية الحاجة للرياضة الروحية، بل إنه يؤكدها وينبِّه على أهمية التأصيل والتنقيح لمسائلها، لا سيِّما في عصرنا هذا الذي ابتلينا فيه بالعطش الروحي وارتواء البعض من غير الماء المعين من أهل بعض الديانات والاتجاهات الأخرى؛ فإن لم يروَ هذا العطش من العين الصافي روي من تلك العيون الكدرة، وتراثنا غنيٌّ زاخرٌ بالخير الوفير.

_____________________________________________________________

([1]) نهج البلاغة: كتابه إلى عثمان بن حنيف…

([2]) سورة المؤمنون: 1- 10.

([3]) سورة الذاريات: 15-19.

([4]) الكافي 2: 71.

([5]) تهذيب الأحكام 3: 69-70.

([6]) راجع: قاموس الرجال 4: 333-341.

([7]) راجع: قاموس الرجال 6: 538-542، وتاريخ الطبري 5: 342.

([8]) الكافي 6: 443.

([9]) الكافي 6: 310.

([10]) الكافي 6: 309.

([11]) رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 8: 253 عن تاريخ التصوف في الإسلام (د. قاسم غني): 19.

([12]) رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 8: 254، عن تذكرة الأولياء.

([13]) رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 8: 234.

([14]) رؤى جديدة في الفكر الإسلامي 8: 272-273.

([18]) جامع الأسرار: 3-4 [ط1 انجمن ايرانشناسي فرانسه].

([19]) زهرة الرياض: 14 [ط1 مؤسسة آل البيت عليهم السلام]

([20]) فلاح السائل: 11-12 [ط1 مكتب الإعلام الإسلامي].

([21]) الإقبال 3: 45-48 [ط1 بوستان كتاب]

([22]) المكاسب المحرمة 1: 481.

([23]) إحقاق الحق 1: 184، الحاشية.

([24]) الإقبال 2: 74… . والذيل غير مذكورٍ في طبعة بوستان كتاب.

([25]) بحار الأنوار 95: 227.

([26]) شرح الحكم العطائية (للمواهبي): 292-305 [ط1 دار الآفاق العربية].

قیم هذا المقال!

نتيجة 5.00

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×