السمع والعقل: طريق الهداية والبصيرة في المنظور القرآني
السمع والعقل: طريق الهداية والبصيرة في المنظور القرآني
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1448 هجري
عنوان المحاضرة: السمع والعقل: طريق الهداية والبصيرة في المنظور القرآني
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك، عليك منا جميعاً سلام الله، أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. السلام على الحسين، وعلى علي بن الحسين، وعلى أولاد الحسين، وعلى أصحاب الحسين، وعلى أخيه أبي الفضل العباس، وعلى أخته زينب الكبرى، ورحمة الله وبركاته. يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً.
﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ ¤ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].
حقيقة العقل والقلب والنفس
إنَّ العقل والنفس والقلب ثلاثة عناوين لمعنون واحد، فلا توجد ثلاثة أشياء متمايزة، أحدها العقل، والآخر القلب، والثالث النفس، بل هو شيء واحد. لكن القلب لا يتصف دائماً بأنه عقل، فالعقل دائرة أخص وأضيق من القلب. إن قيل إنَّ للإنسان نفساً، فلا محالة له قلب، لكن هذا القلب قد لا يعقل، كما في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]، فيمكن أن يكون القلب غير فاقه. لكن نفس القلب إذا فَقِهَ كان عقلاً، بل كان هو عين العقل. وذلك بخلاف ما هو معهود في الجسد المادي من كون القلب في مكان والمخ في مكان آخر؛ فإنَّ هذه الثلاثة في عالم المعنى عناوين لشيء واحد.
النفس قد تكون نفساً تعقل بالفعل، وقد لا تكون نفساً تتعقل الأشياء. وقد اعتبر القرآن أنَّ القلب هو منشأ الإدراك، ولذا في الآية المتقدمة إشارة إلى هذا الأمر، وفي آيات أُخَر، منها قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
السمع والبصر: أدوات القلب للإدراك
القلب هو منشأ الإدراك، لكن للقلب نوعين من الإدراك: أحدهما الإدراك بواسطة السمع، والآخر الإدراك بواسطة البصر.
فما الفرق بينهما؟ الظاهر أنَّ الإدراك السمعي يتعلق بالأمور التي يحصل عليها الإنسان عن طريق التبليغ والإلقاء والبيان، وهي الأمور التي تصله عبر الكتب الإلهية، فهذا هو طريق السمع. وأما الإدراك البصري فيتعلق برؤية آيات الله في الآفاق وفي الأنفس، فيرى آيات الله بقلبه، وينظر إلى آيات الله تبارك وتعالى، أي: يستمع جيداً ويقرأ الواقع قراءةً جيدةً من خلال القلب والإحساس.
لكن إذا فقد القلب قابليته، فلا يتمكن من الفقه. ولهذا يصف الله تبارك وتعالى الذين ختم على قلوبهم والذين ابتعدوا عن الحق، فيقول إنَّ لديهم قلوباً، لكن هذه القلوب لا يفقهون بها، ولا يستطيعون أن يسمعوا، ولا يستطيعون أن يبصروا.
وهذا أيضاً نراه في سورة الملك في بيان حال أصحاب النار، والذنب الذي استحقوا به جهنم، وهو عدم السمع وعدم التعقل، أي عدم إدراك الواقع بعقل، قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ¤ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10-11]. فذنبهم الذي اعترفوا به هو أنهم ما كانوا يسمعون وما كانوا يعقلون.
مفهوم الهداية وعلاقتها بالتعقل
إذن، بهذين الأمرين تتحقق الهداية. وقد وقع كلام في معنى الهداية في القرآن، واشتهر القول الذي اختاره سعد الدين التفتازاني في حاشيته على الكشاف، من أنَّ الهداية تارةً يراد بها إراءة الطريق، وأخرى يراد بها الإيصال إلى المطلوب، [1] وفصّل القول في دلالتها بحسب تعديتها ولزومها، كأن تكون متعدية بنفسها، أو باللام، أو بحرف الجر (إلى)، وهو بحث طويل لا يسع المقام للخوض فيه. لكن الذي يظهر أنَّ الهداية ليس لها معانٍ متعددة.
وعليه، فإنَّ من لا يسمع ولا يبصر تُنزع عنه صفة التعقل وصفة الفقه، فالرؤية نفسها بحاجة إلى استعداد النفس وطهارتها، فهي شرط لتحققها، وبدون ذلك لا يمكن للإنسان أن يبصر الحقيقة والواقع.
فالهداية بمعنى واحد، وحقيقتها، لا مجرد شروطها، تتحقق بأمرين: السمع والبصر، أو السمع والعقل. فمن الذي يبصر ويسمع؟ إنَّه القلب، فإذا أبصر سُمي عقلاً، وإذا لم يبصر لم يكن عقلاً، فيصدق عليه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: 179].
إنَّ أول ما يطرحه القرآن في سير الإنسان المؤمن، أنَّ الذي على الصراط المستقيم هو الذي يرى ويبصر ويسمع. فما معنى الضلال والتيه في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: 7]؟ معناه أنَّه لا يرى ولا يسمع. فإذا كان الإنسان لا يبصر ولا يسمع، ولا يعقل، فلا يمكن أن يكون في طريق الأنبياء، ولا يمكن أن يسير في طريق الصالحين. وهذه السورة التي تجب علينا قراءتها في اليوم عشر مرات على الأقل، يتبين منها أنَّ الإنسان الذي لا يملك وعياً ولا بصيرة، ولا يسمع ولا يعقل، لا يمكن أن يكون سائراً في طريق الأنبياء، حتى لو كان يصلي ويصوم.
المعنى العملي للسمع والعقل
فالصلاة إنما تصح في ظرف يكون فيه المصلي على هدى، في ظرف عدم الضلالة، ووضوح الرؤية، فحينئذٍ تكون صلاته صحيحةً، وصيامه صحيحاً، واتجاهه صحيحاً، ويكون سائراً نحو الله عز وجل، محققاً للهدف على الصراط المستقيم. وإذا لم يكن كذلك، فهو لا محالة منحرف، سائر في الصراط المعوج الذي لا يحقق الهدف.
وما معنى أن نسمع أو نعقل؟ ليس المراد به السمع المادي في مقابل الأصم، بل المقصود هو الاهتمام والانتباه لما يُلقى إليه. ففي العرف قد يكلم أحدنا الآخر وهو يسمعه بسمعه المادي، ثم يقول له: أنت لم تسمعني. وما مراده بذلك؟ مراده أنَّك لم تكن منتبهاً إليه، ولم تُعِر كلامي اهتماماً. فالذي يستمع ليس من يدخل الكلام في أذنه فقط، بل من يعتني بما يسمع، بحيث يساهم هذا الاستماع في تكوين رؤيته وقراره وحركته.
وأما العقل أو البصر، فمعناه أن نفهم الواقع باستيعاب، وألا ننظر إليه بسذاجة، بل نحلل كل شيء تحليلاً صحيحاً. فأحياناً يكون الإنسان متديناً، لكنه عند وقوع أقل حدث لا يقرأ الأمور قراءةً صحيحةً، بل ربما يشك في الله عز وجل.
لأنَّ الفاصل بين المتقين وغيرهم هو الفهم الغيبي. إنَّ انعدام الفهم الغيبي يؤدي إلى قراءة معينة للأحداث. والإيمان بالغيب ليس مجرد اليقين به، بل هو عقد القلب على أساس الرؤية الغيبية؛ فالإيمان عقد قلبي، فإذا لم يعقد قلبه لم يؤمن. ومقتضى ذلك بناء الأمور على أساس الرؤية الغيبية، وعلى أساس عظمة الله، وعلى أساس أنَّ الله موجود. هذه الرؤية الغيبية للواقع تعني النظر إليه من خلال القرآن، فهو السراج الذي تبصر به، كما قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ ۛ فِيهِ ۛ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]، فهو النور الذي ترى به الواقع.
ويتفرع على ذلك أنَّ الحياة نفسها تحتمل رؤيتين متقابلتين؛ فهناك من ينظر إليها على أساس أنها ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: 37]، وهناك من لا ينظر إليها بهذا الأسلوب، بل يراها شيئاً مؤقتاً زائلاً، ومقدمة لحياة أبدية. فقد يعيش أخوان في دنيا واحدة، ولكل منهما رؤيته الخاصة.
تحدي الاستماع للقرآن وتطبيق رؤيته
إنَّ أول مشكلة حقيقية تواجهنا نحن المؤمنين هي الاستماع إلى القرآن. فالله عز وجل يقول: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: 204]. ولكن من المؤسف أننا نعترف بأنَّه في أوساطنا، لا يُحترم القرآن أثناء تلاوته دائماً، بل يتبادل الناس الحديث والسؤال عن الأخبار، بينما يُتلى كتاب الله عز وجل. إنَّ حق تلاوته هو ما بيّنه تعالى: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121].
نحن في زمن الفتن نحتاج إلى هذا القرآن المهجور، نحتاج أن نقرأه ونطالعه، لنرى كيف يفسر حركة التاريخ، وظاهرة الصراع وآثاره، لا في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) فقط، بل في كل زمان. وكيف يفسر حركة الإنسان المؤمن المستقيم الذي تتنزل عليه الملائكة تواصلاً واستمراراً: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ¤ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ…﴾ [فصلت: 30-31].
هذا الفهم مهم جداً، فيجب أن ننظر إلى الأمور ونستمع إلى القرآن. إنَّ ظاهرة استماع القرآن بهذا المعنى، وظاهرة قراءة الواقع برؤية إلهية، ليستا مجرد شرط للهداية، بل هما حقيقة كون الإنسان على هدى. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ [البقرة: 5]. وقد بيّن القرآن أنَّ من لم يتصف بصفات الهداية، ولم يكن على هدى، فهو بالضرورة لا يسير في طريق الأنبياء.
فهم بالضرورة ليسوا في الصراط المستقيم، بل هم في الحالة المعوجة غير المستقيمة. وتأسيسًا على ذلك، يجب أن ننظر في كيفية قراءتنا للأحداث التاريخية؛ فالذي يقرأ الأحداث تارةً يتأثر بالقرآن في قراءته، وتارةً أخرى يكون بمعزلٍ عنه.
خطورة الرأي الشخصي في مقابل النص الإلهي
والقراءة بمعزلٍ عن القرآن مآلها أن القرآن ليس كتاب هدى. فما معنى أن يكون كتاب هدى؟ وما معنى قوله تعالى: ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2]؟ هل يقتصر معنى الهدى على بعض المسائل الشرعية التي تُستقى منه فحسب؟ كلّا. فإذا قرأتُ الأحداث والتاريخ والأمور بمعزلٍ عن القرآن، بل قد يتوهم بعضهم فيقول: أنا لا أتعارض مع الدين، فالدين في مكان ورؤيتي في مكان آخر.
والإشكال: كيف يكون الدين في مكان ورؤية الإنسان في مكان آخر، والله تعالى قد بيّن؟ فإذا كان الله قد بيّن، فهل يسوغ أن تكون للإنسان وجهة نظر؟ إنَّه حيث بيّن الله فلا يجوز أن تكون للإنسان وجهة نظر في مقابل ذلك. ومن هنا نشأت الحساسية عند علمائنا من أن تكون للمرء رؤية في مقابل الله، ولذا عدّوا أموراً من المحرمات، منها: – نسبة ما ليس من الدين إلى الدين، وهذا واضح؛ فإنَّه تشريع محرّم وافتراء على الله عزّ وجلّ. – نسبة ما لم يُعلم من الدين إلى الدين، وهذا أيضاً تشريع باطل ومحرّم.
ولذلك حتى في الأحكام الشرعية، إذا لم يثبت الاستحباب، فلا يجوز الإتيان بالعمل بقصد الاستحباب، بل بقصد رجاء المطلوبية.[2] نعم، الفقهاء القائلون بقاعدة التسامح في أدلة السنن يجيزون قصد الاستحباب؛ لأنَّ الروايات عندهم تثبت الاستحباب. وأما من لا يقبل هذه القاعدة، فيقول: إنَّ الرواية الضعيفة لا يجوز البناء عليها في إثبات الاستحباب، بل يجب الإتيان بالعمل برجاء المطلوبية.
ومثال ذلك: ما ذكره آية الله العظمى السيد الخوئي قدّس سرّه الشريف في مقدمة كتابه منهاج الصالحين، حيث أشار إلى أنَّ بعض المستحبات المذكورة في رسالته العملية مبنية على قاعدة التسامح في أدلة السنن، وأنه حيث لا يقول بهذه القاعدة، فإنَّه يؤتى بتلك الأعمال برجاء المطلوبية.[3]
تنبيه: توجد حساسية بالغة من أن تنسب إلى الدين ما ليس منه، والأمر الآخر هو أن يكون لديك رأي في مقابل الله، فلا تنسب هذا الرأي إلى الله، ولكن الله عزّ وجلّ بيّن أمراً وأنت لديك شيء آخر. كأن تقول: هذا رأيي في الحدث، وتفسر الأمور على خلاف السنن الإلهية التي بيّنها الله، وهذا ليس من حقك.
فتفسير حركة التاريخ وتفسير الواقع على خلاف السنن الإلهية هو وقوف في مقابل الله عزّ وجلّ. والنكتة نفسها التي من أجلها حُرّم التشريع بمعنييه الأول والثاني، يحرُم هذا أيضاً. فكما أنه لا يجوز أن تنسب إلى الدين ما ليس منه، وما لم تعلم نسبته إلى الدين لا يجوز أن تنسبه إليه، فكذلك إذا بيّن الله عزّ وجلّ شيئاً، فلا يحق لك أن تُبدي رأيك، ولا يجوز أن يكون لك رأي في مقابل الله تبارك وتعالى.
وبعد أن يطمئن المؤمنين بوعد النصر، يقول تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ۖ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ﴾ [الروم: 60]. ومع ذلك، قد يتساءل بعضنا أحياناً: الله وعد بالنصر، فأين هو النصر؟ والجواب: هل وعد الله بالنصر يعني أن تنتصر بغير شهداء؟ أو أن تنتصر بغير تضحيات؟ الآن نحن نرى استشهاد القادة، فهل يعني هذا أننا انهزمنا؟ وأين هي الهزيمة؟ نعم، استشهد السيد القائد، لكن ماذا يعني أننا انهزمنا؟ بدمائه المباركة انتصرنا، انتصرنا بدمه الشريف. استشهد السيد حسن رضوان الله تعالى عليه، وهُدمت بيوتنا، فهل هذا يخالف وعد الله؟ إنَّ وعد الله حق، ولكن هنا تتزلزل كثير من النفوس وتضطرب.
والحاصل: أنَّه يجب أن نستمع إلى القرآن، ونستمع إلى آيات الله، ونبصر الواقع بوعي كامل. فهؤلاء الذين لديهم هاتان الصفتان، يقول الله تعالى عنهم: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18]. فهؤلاء هم أصحاب العقول، وأصحاب الوعي والبصيرة.
إذن، هذه القواعد يجب أن نفهمها ونرجع إليها،
بناء وعي الأمة وضرورة جهاد التبيين
ونبني شخصيتنا بهذا الأسلوب، ونصنع عقلنا وتفكيرنا.
وهنا سؤال: يجب أن نقوّم عقل الأمة ووعيها، ونحكم عليها بالاستقامة أو الانحراف من خلال وعيها وثقافتها؛ فلا يمكن للأمة أن تسعى نحو الله بأكثر من قدر استيعابها ووعيها وثقافتها. فبقدر ما تستوعب التعاليم الإلهية، تتجه نحوها، وبقدر ما تعيش الضلالة، فأنت لست على الصراط المستقيم؛ لأنَّ الصراط المستقيم هو صراط غير الضالين. وإنَّ أهم شيء اليوم هو جهاد التبيين.
فمع كل ما تحقق من إنجازات، نحتاج أن نوضح الإسلام أكثر، ونبين تعاليمه بشكل أدق، وهذا هو تكليفنا اليوم. انظروا إلى أعداء الإسلام، كيف جاؤوا أول شيء وشوهوا الإسلام، وجعلوا الناس تنظر إلى الدين الإسلامي بالطريقة التي رسموها لهم، والشعوب مغيّبة، وكثير منها قاصرة وليست مقصّرة؛ لأنها لا تفكر، وقد أُعدمت شخصيتها. والآن شيئاً فشيئاً بدأت الشعوب تكتسب شخصيتها، بعد أن رُبّيت على التملق والذل والاستسلام وعدم التفكير. أحياناً نذكر في بعض المجالس بحثاً علمياً، فيقال: يا شيخنا، أعطنا الزبدة. فالآخر لا يريد أن يفكّر، ويريدك أن تفكّر نيابةً عنه.
أصلاً التفكير أحياناً متعب، فالبعض يتعب من التفكير، وهو مستعد أن يحمل الأثقال، لكنه لا يفكّر. هذا هو واقع الشعوب، ويجب أن ننقل حركة الشعوب إلى الوعي. فالإسلام دائماً يؤكد على هذا الأمر، ففي الحديث أنَّ الله تعالى لمّا خلق العقل قال له: «أَقْبِلْ» فَأَقْبَلَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: «أَدْبِرْ» فَأَدْبَرَ، ثُمَّ قَالَ: «وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي مَا خَلَقْتُ خَلْقاً هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْكَ، وَ لَا أَكْمَلْتُكَ إِلَّا فِيمَنْ أُحِبُّ».[4] ولذلك قال أهل النار: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 10]. فالقرآن يعتبر عدم السمع وعدم العقل ذنباً، ولذا قال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 11].
والنتيجة: أنَّ التعقل، بحسب المنطق القرآني، ودلالة القرآن على لزوم هذه الأمور، هي آكد من دلالة ظهور الأمر في الوجوب. ومن ثمَّ، فإنَّ دلالة القرآن أشد وأوسع على لزوم بناء العقل والوعي، وأنَّ المشكلة في عقل المجتمع مشكلة كبيرة.
ولذا اعتبر أمير المؤمنين (عليه السلام) أنَّ ضعف العقل والعلم والوعي إمارة الهلاك، حيث قال: «النَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَ مُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَ هَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ، يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ، وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ».[5] فإذا لم يكن الإنسان عالماً ربانياً ولا متعلماً على سبيل نجاة، فإنَّه يصبح من الصنف الثالث: همجاً رعاعاً. ثم يصف (عليه السلام) أصناف المتعلمين، فيذكر منهم: «…أَوْ مُنْقَاداً لِحَمَلَةِ الْحَقِّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ فِي أَحْنَائِهِ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ لِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ».[6] فهذا وإن كان يسمع كلام أهل الحق ويصلي ويصوم، لكن ليس لديه وعي، فينقدح الشك في قلبه عند أول شبهة، فلا يكون من أهل النجاة.
أما الصنف الذي أراده أمير المؤمنين (عليه السلام) فهم الذين «هَجَمَ بِهِمُ الْعِلْمُ عَلَى حَقِيقَةِ الْبَصِيرَةِ، وَ بَاشَرُوا رُوحَ الْيَقِينِ، وَ اسْتَلَانُوا مَا اسْتَوْعَرَهُ الْمُتْرَفُونَ، وَ أَنِسُوا بِمَا اسْتَوْحَشَ مِنْهُ الْجَاهِلُونَ… آهِ آهِ شَوْقاً إِلَى رُؤْيَتِهِمْ».[7] فهذا هو النمط من البشر والمؤمنين الذين يحبهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وهم الذين ذكرناهم سابقاً، والذين عناهم قوله تعالى: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: 52]. هؤلاء هم الذين يقول الله لنبيه (صلى الله عليه وآله) فيهم: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ سَلَامَ مَنْ لَوْ كَانَ مَعَكَ بِالطُّفُوفِ، لَوَقَاكَ بِنَفْسِهِ حَدَّ السُّيُوفِ، وَ بَذَلَ حُشَاشَتَهُ دُونَكَ لِلْحُتُوفِ. السَّلَامُ عَلَيْكَ سَلَامَ الْمَفْجُوعِ الْمُسْتَكِينِ. السَّلَامُ عَلَى الشَّيْبِ الْخَضِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْخَدِّ التَّرِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْبَدَنِ السَّلِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الرَّأْسِ الْمَقْطُوعِ، السَّلَامُ عَلَى الثَّغْرِ الْمَقْرُوعِ بِالْقَضِيبِ، السَّلَامُ عَلَى مَنْ غُسْلُهُ دَمُهُ، وَ التُّرَابُ كَافُورُهُ، وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ.
[1] التفتازاني، سعد الدين. حاشية التفتازاني على الكشاف. تحقيق مصطفى حسين أحمد، ط1، دار الكتب العلمية، 2013 م، ج 1، ص 89.
[2] قاعدة التسامح في أدلة السنن: هي قاعدة فقهية مفادها جواز العمل بالروايات الضعيفة في أبواب السنن والمستحبات، استناداً إلى أخبار “من بلغ”، وهو مبنى مشهور بين المتقدمين، وخالف فيه جمع من المتأخرين كالسيد الخوئي.
[3] يُنظر: الخوئي، أبو القاسم. منهاج الصالحين. ط28، مدينة العلم، 1410 هـ، ج 1، ص 10 (مقدمة المصنف).
[4] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 1، ص 10، كتاب العقل والجهل، ح 1.
[5] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، دار الهجرة، 1414 هـ، ص 496، الحكمة 147.
[6] المصدر نفسه.
[7] المصدر نفسه.