VIP programme tiers unlock progressively better withdrawal limits, personalised bonuses, and dedicated account management. Software reliability separates premium online casinos from mediocre alternatives, and independent hellspin casino partners exclusively with certified game developers whose titles undergo rigorous independent testing. Boosted odds promotions on marquee fixtures offer enhanced short-term value on selected betting markets. Request-a-bet services enable bespoke parlay creation on events or combinations not represented in the standard market offering. Multisport parlay bonuses rewarding bets combining selections across different sports disciplines drive cross-vertical engagement. Partial cash-out options enabling fractional position management give bettors granular control over risk during live events. Optimised touch controls sized appropriately for both phone and tablet screens reduce accidental bet placement errors. Push notifications for promotional offers require explicit opt-in, protecting players from unwanted interruptions. Landscape mode live casino streams maintain dealer visibility and table layout clarity on smaller screen dimensions. Swipe-based navigation between game categories mirrors familiar consumer app interaction patterns, reducing the learning curve. Widget-based quick-deposit shortcut on supported devices enables funding without navigating through the full mobile interface. Email support handling complex account issues provides a documented written record of the resolution process for both parties. A comprehensive FAQ section resolves the most common player queries without requiring direct support team intervention. Social media support channels extending the assistance options outside the platform itself increase accessibility for all players. Reality-check notifications interrupting sessions at user-defined intervals prompt players to review time and spending. Gambling activity statements summarising monthly spend, wins, and losses give players objective financial perspective. Break-the-habit messaging displayed after extended sessions applies behavioural science insights to reduce problem gambling risk.
» 2026 » التكاليف الإلهية بين أعمال الجوارح وصفات النفس
2026 - أخبار و نشاطات - الملتقی الأسبوعي - محرم 1448

التكاليف الإلهية بين أعمال الجوارح وصفات النفس

19 أغسطس, 2026 1063

التكاليف الإلهية بين أعمال الجوارح وصفات النفس

مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.

التغطية المصورة:

 

التغطية الصوتية:

 

التغطية المكتوبة:

 

الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1448 هجري

عنوان المحاضرة: التكاليف الإلهية بين أعمال الجوارح وصفات النفس

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.

السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.

 

التكاليف الإلهية: هل تشمل صفات النفس؟

وقع الخلاف بين الفقهاء (رضوان الله تعالى عليهم) في أنَّ التكاليف الإلهية هل تنحصر في الأفعال الجوارحية المباشرة الصادرة من الإنسان، كالقيام والقعود والصلاة، أم أنَّها تتعدى ذلك لتشمل الصفات النفسانية والملكات القلبية؟ فالله تعالى حين يكلّف الإنسان، هل يقتصر تكليفه على الأفعال الظاهرة، أم يتجاوزها إلى البواطن والنيات؟

ومثال ذلك: مسألة حب الدنيا؛ فهل يحرم على الإنسان حب الدنيا؟ مع أنَّ حب الدنيا ليس فعلاً، بل هو في حد ذاته أمر قد لا يكون اختيارياً بصورة مباشرة، فهل يصح تعلق الحرمة به؟ وكذلك بعض الصفات الكامنة في النفس، كصفة العُجْب، فهل يحرم على الإنسان أن يكون معجباً بنفسه؟ وهل يحرم عليه أن يعيش حالة التكبّر أو الاستعلاء أو الغرور كصفة نفسانية؟ فإنَّ التكبّر قد يكون صفة راسخة في النفس، وتارة يكون سلوكاً يمارسه الإنسان في أفعاله.

وهذا يجري أيضاً في الفخر، فقد يكون صفة تلازم النفس، وقد يكون سلوكاً يمارسه الإنسان في كلامه وتصرفاته، وحينئذٍ يكون الفخر كسلوك فعلاً من أفعال الإنسان المباشرة. وأحياناً أخرى، يعيش الإنسان الفخر كصفة من صفاته الباطنة.

وصفة أخرى نذكرها ليتضح بها محل الكلام، وهي العصبية. إنَّ العصبية في الروايات ليست مجرد صفة مذمومة، بل هي صفة لا تجتمع مع الإيمان. ففي الرواية الصحيحة عن إمامنا ومولانا الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «مَنْ تَعَصَّبَ أَوْ تُعُصِّبَ لَهُ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَ الْإِيمَانِ مِنْ عُنُقِهِ».[1] فمن يفعل ذلك فكأنما نزع قلادة الإيمان من عنقه. بل ورد في رواية أشد من ذلك: «مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ حَبَّةٌ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ عَصَبِيَّةٍ بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ أَعْرَابِ الْجَاهِلِيَّةِ».[2]

**

إشكالية الاختيار والرد عليها بقاعدة “القدرة على السبب”

وقد يُشكل على ذلك:** بأنَّ هذه الأمور وإن كانت قبيحة، إلا أنَّه لا يمكن تعلق التكليف بها؛ لكونها أموراً غير اختيارية، والتكليف إنما يتعلق بالأمور المقدورة للمكلف التي تدخل تحت سلطانه واختياره، أما الحب والبغض وأمثالهما فليست بيد الإنسان.

والجواب: أنَّ أغلب فقهائنا الذين تعرضوا لهذه المسألة لم يقبلوا هذا الإشكال، وذهبوا إلى أنَّ هذه الأمور يمكن أن يتعلق بها التكليف. ولا نريد هنا أن نخوض في تفاصيل البحث الفقهي، ولكن نلفت النظر إلى جهة مهمة في الجواب، وهي أنَّ هذه الأمور مقدورة للمكلف، وذلك لأنَّ أسبابها مقدورة له، والقاعدة تقضي بأنَّ “القدرة على السبب قدرة على المسبب”.[3] فإذا تمكّن الإنسان من التحكم بأسباب هذه الصفات، صار المسبب ممكناً له بواسطة سببه.

مركزية القلب السليم في تحديد قيمة السعي الإنساني

والصحيح أنَّ هذه الأمور مما اهتم به الشارع اهتماماً بالغاً. ويشهد لذلك آيتان كريمتان، إحداهما قرينة على الأخرى.

الآية الأولى: قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ¤ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89]. تبيّن هذه الآية أنَّ النجاة يوم القيامة محصورة فيمن كان له قلب سليم، فمن لم يكن قلبه سليماً فلن ينجو. ففي الآية أداة حصر هي “إلا”، وهي تفيد إثبات مدخلية القلب السليم في النجاة ونفي مدخلية أي شيء آخر سواه.

والآية الثانية: قوله تعالى: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ ¤ وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ﴾ [النجم: 39-40]. وهذه الآية تبين أيضاً أنَّه لا يفيد الإنسان إلا سعيه.

فالآية الأولى قرينة على الثانية، وتوضح أنَّ السعي المطلوب ليس أي سعي، بل هو السعي الذي يطهّر النفس ويصلحها، ويجعل الإنسان ذا قلب سليم.

وذلك لأنَّ أفعال الإنسان التي تنسب إليه حقيقةً هي الأفعال الاختيارية، وهي بأجمعها أفعال النفس لا أفعال البدن. غاية ما في الأمر أنَّ أفعال النفس تنقسم إلى قسمين: أفعال مجردة عن البدن، وأفعال متعلقة بالبدن وتصدر بواسطته. فعندما يقول الإنسان “مشيت”، فمعناه أنَّ النفس هي التي مشت بواسطة البدن، وعندما يقول “ضربت”، فمعناه أنَّ النفس هي التي ضربت بواسطة اليد. وهكذا، فإنَّ هذه الأفعال إنما تنسب إلى النفس، وقيمتها وحسنها وقبحها تتوقف على الصفات الباطنة التي صدرت عنها. ومن هنا يمكن القول بصورة مختصرة إنَّ حسن الفعل وقبحه ينتهيان إلى حسن الفاعل وقبحه، فكل قبح للفعل هو في الواقع قبح فاعلي.

وعلى هذا الأساس ورد في الحديث المشهور أنَّ ضربة علي (عليه السلام) يوم الخندق تعدل عبادة الثقلين، [4] لأنَّها صدرت عن إنسان لا يقاس به أحد في دوافعه وشخصيته وصفاته، فإنَّ صفات علي بن أبي طالب (عليه السلام) لا يدانيها أحد بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

إنَّ الإسلام، قرآناً وسنة، يركّز على صفات الإنسان لا على مجرد أفعاله. فليس المطلوب من الإنسان أن يأتي بالفعل كفعل مجرد، بل إنَّ للفعل قيمة ترتبط بعناصر متعددة، منها الآثار المترتبة عليه، ومن أهمها الصفات التي ينبع منها.

وهذه مسألة مهمة،  ومن هنا نجد الآيات والروايات تبيّن ترتب الثواب والعقاب على الصفات النفسانية. مثلاً: يقول تعالى في وصف أهل النار: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ ¤ تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ ¤ قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ¤ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ¤ فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: 7-11]. فالقرآن يعتبر أنَّ ذنب هؤلاء الأساسي هو أنَّهم لم يكونوا يسمعون أو يعقلون، وهم أنفسهم يعترفون بأنَّ هذا هو سبب مصيرهم. إذن، مسألة عدم التعقل هي التي أودت بهم إلى هذا المصير، وقد أكدت الآيات والروايات على أهمية صفة العقل وخطورة فقدانها، قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 100].

وكذلك صفة العصبية،  فهي صفة خبيثة جداً، وللإسلام موقف حاسم منها، حيث يجب أن يكون دافع الإنسان نحو الفعل هو اتباع الحق، لا الانحياز النفسي الأهوج. وللإمام الخميني (قدس سره) كلام مهم في كتابه الأربعون حديثاً في شرح حديث: «مَنْ تَعَصَّبَ عَصَبَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِعِصَابَةٍ مِنْ نَارٍ»، [5] حيث يتناول ماهية هذا العقاب الإلهي وعلاقته بتجسم الأعمال.[6]

إنَّ العصبية قد تكون للنفس والذات، كعصبية إبليس، والروايات واضحة في ذم جميع أشكالها. فالشارع لا يريد منك مجرد العمل، بل يريدك أن تتصف بصفات معينة، وأنت ملزم بتحصيل تلك الصفات.

ولذا ورد في رواية صحيحة معروفة عن إمامنا الصادق (عليه السلام) أنَّه قال: «آفَةُ الدِّينِ الْحَسَدُ وَالْعُجْبُ وَالْفَخْرُ».[7] والآفة هي ما إذا دخل على شيء أفسده وأذهب قيمته وأثره. فالفخر الذي قد نعيشه ونتحدث به في مجالسنا هو آفة للدين، بمعنى أنَّه يقضي على الدين ويفسده. إذن، يأمرنا الله عز وجل بأن نتخلص من صفات معينة.

وبعبارة أخرى،  إنَّ للصفات مدخلية أساسية في الأفعال، بل هي أصل الأفعال. وخلاصة ما يأمر به الإسلام تتجلى في ميزان النجاة الذي طرحته الآيات بعناوين متعددة لمعنون واحد.

أحد هذه العناوين هو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ¤ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 9-10]. وقد جاء هذا الجواب بعد عدة أقسام عظيمة: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا ¤ وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا ¤ وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا ¤ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا ¤ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ¤ وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا ¤ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: 1-7]. وفي هذا التأكيد البالغ دلالة على أنَّ تهذيب النفس وإصلاحها ليس بالأمر الهين. وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ¤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ [الأعلى: 14-15].

وجواب هذا القسم، بعد كل ذلك التأكيد البالغ، هو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّىٰهَا ¤ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا﴾[8] (سورة الشمس: 9-10). وهذا يؤكد أن تهذيب النفس وتغييرها وإصلاحها ليس بالأمر الهيّن.

وبعبارة أخرى: عند التدقيق في الآيات الكريمة، يظهر أنها تبيّن أن الحياة بنيت على الابتلاء، وأن مستقبل الإنسان الأخروي متوقف على تصرفه المناسب مع هذا الابتلاء، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (سورة الملك: 2). ثم تأتي الآيات لتبيّن حتمية الافتتان وحيثية الصراع، والذي يكون جزء منه صراعاً في داخل النفس، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتْرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 2). فلا يمكن بلوغ الجنة بغير فتنة، ولا يصل إليها الإنسان دون أن يُبتلى بشتى أنواع الابتلاء، ولا يكتمل له إيمان، الذي هو شرط قبول الأعمال، بغير ثبات.

﴿إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ﴾ (سورة الحجرات: 15). فالمؤمن هو الذي لا يعيش حالة التردد، بل يملك حالة الثبات. إذن، ليس المطلوب مجرد أداء الأفعال، بل امتلاك صفات معينة.

والأوضح من ذلك كله: أنه يستحيل دخول الجنة بغير حب الله تعالى أولاً، ثم حب رسوله (صلى الله عليه وآله)، وحب أهل بيته عليهم السلام، مع أن الحب في حد ذاته أمر غير اختياري.

ويتضح ذلك في الروايات التي تبيّن أثر الحب والبغض؛ فلو أن رجلاً صفّ بين الركن والمقام يعبد الله، ثم لقيه وهو مبغض لأهل البيت عليهم السلام، لأكبه الله على وجهه في النار يوم القيامة.[9] وقد يقول قائل: أنا لا أرتب أثراً على هذا البغض. والجواب: أن البغض في ذاته هو ما يدخلك النار؛ فبغض علي بن أبي طالب (عليه السلام) يدخل النار، وحبه يدخل الجنة. بل إن هذا الحب هو منشأ دخول الجنة، وذلك البغض هو منشأ دخول النار، فالمرء يدخل النار بسبب بغضه.

إذن: نحن مطالبون بجملة من العمليات والإجراءات، منها: –

أولاً: اكتساب بعض الصفات المفقودة في النفس، إذ يجب علينا اكتسابها.

ثانياً: الالتفات إلى أن بعض الصفات تجعلها الروايات متلازمة مع الإيمان وجوداً، كالصبر، فقد ورد عن المعصوم (عليه السلام): «الصَّبْرُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ لَا إِيمَانَ لَهُ».[10] فعدم الصبر يكشف عن عدم الإيمان، ووجود الإيمان يستلزم وجود الصبر.

كما يستفاد من بعض الروايات أن بعض الصفات تضعف الإيمان في مرتبة من مراتبها، وتنافيه في مرتبة أخرى، ومثال ذلك حب الدنيا؛ فحب الدنيا إذا وجد في الإنسان أدى إلى ضعف الإيمان، لكنه إذا وصل إلى مرتبة متقدمة أدى إلى سلب الإيمان. فالإنسان يجب أن يخلّص نفسه من حب الدنيا، فهو أشبه بالمرض الذي يمكن التعايش معه في مرتبة من المراتب، لكنه إذا كان مرضا لا يقف عند حد، فإنه سيستمر في التطور إلى أن يصل بالإنسان إلى سوء العاقبة.

ولذا كانت إرادة الدنيا سبباً لدخول النار في القرآن، وإرادة الآخرة سبباً لدخول الجنة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ ٱلْءَاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾ (سورة الإسراء: 19).

وفي المقابل: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصْلَىٰهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (سورة الإسراء: 18)، وهذا تهديد صريح لمن يريد الدنيا ويرغب فيها.

إذن: هناك صفة في النفس اسمها حب الدنيا، يجب التخلص منها لأنها مرض، تماماً كمن يصاب بالسرطان، فإنه قد يعيش معه فترة، لكن طبيعة السرطان أنه مرض يتطور، فإذا تطور أكثر بلغ مرحلة لا تمكن معها الحياة. وهكذا حب الدنيا، فإنه يضعف الإيمان، وقد لا يتنافى معه في بداياته.

كربلاء: صراع حب الحسين وحب الدنيا

ولنأتِ إلى كربلاء والحسين (عليه السلام)؛ كان أهل الكوفة في طليعة من استجاب للإمام، فأهل المدينة لم يسألوا عنه، وأهل مكة لم يسألوا عنه، أما أهل الكوفة فعلى الأقل سألوا عنه وكانوا يعشقونه. بل أكثر من هذا، قاتل بعضهم مع مسلم بن عقيل، وخرج معه أربعة آلاف رجل. والتوابون الذين خذلوا الحسين ثم عشقوه، بذلوا أرواحهم ليكفّروا عما فعلوا، وهذا يكشف عن مستوى العشق لديهم، حيث قبل أربعة آلاف رجل بالقتال حتى الموت لعل ذلك يغسل العار الذي لحقهم.

فما هي مشكلة أهل الكوفة؟ يمكن تقريب الفكرة بمثال يذكره فقهاؤنا، وهو أنه لو كان هناك غريقان لا تستطيع إنقاذهما معاً، وكان كل منهما عزيزاً على نفسك تعشقه وتذوب فيه، فإنك ستنظر إلى صفة الحب في قلبك، أيهما تحبه أكثر؟ فإن كنت تحب الأول أكثر، أنقذته وغرق الثاني، وإن كنت تحب الثاني أكثر، أنقذته وغرق الأول. لقد كان أهل الكوفة على هذا النحو، اجتمع فيهم حب الحسين وحب الدنيا.

كانوا يحبون الإمام الحسين (عليه السلام) ويعشقونه، وبعضهم كان مستعداً للبذل والعطاء في سبيله، لكنه لا يضحي بالدنيا لأجل الحسين. كان يعطي ما دون التضحية بالدنيا، حتى من ماله، وهذا ما يظهر من قصة الطرماح بن عدي الذي قدم بعض العون للإمام، لكنه لم يكن مستعداً لبذل روحه، فكان يعطي ما دون النفس، ويعطي الأموال والفرس، لكنه لا يعطي الدنيا لأجل الإمام الحسين (عليه السلام).

وإذا استشهد الإمام الحسين، فهو يبكي ويتألم لأنه يعشقه ويحبه، لكنه في الوقت ذاته يحب الدنيا أيضاً. هذه كانت مشكلة أهل الكوفة، فماذا كان أثر حب الدنيا يوم عاشوراء؟ كان مانعاً أساسياً من تأثير حب الإمام الحسين.

فائدة: إن حب الإمام الحسين مؤثر حتماً، لكن تأثيره يتوقف على عدم المانع. فليس حب الإمام الحسين عديم الأثر، بل له أثره، لكن هذا الأثر مشروط بعدم وجود المانع، فإذا وجد المانع صار الحب بلا أثر، مع أن الحب موجود ومتحقق في عالم النفس.

فإذا لم يقضِ الإنسان على حب الدنيا، يأتي اليوم الذي يخذل فيه سيد الشهداء. وإذا لم يقضِ على حب الدنيا، يأتي يوم يقف فيه بوجه صاحب الزمان صلوات الله وسلامه عليه. ولذا، فإن هذه المنعطفات في الحياة هي محطات لبناء النفس، في ظل طبيعة الحياة الابتلائية.

تنبيه: هناك أمران لا ينفصلان عن الحياة:

الأمر الأول:

الصعوبات. إن الشيء الثقيل على النفس لا يمكن التغلب عليه إلا ببناء اللياقة والقوة، وهذا البناء يجعل من الصعب سهلاً أو ممكناً. فإذا كانت لديك اللياقة والقوة، صار الصعب ممكناً، بل قد يسهل عليك ما كان صعباً.

الأمر الثاني:

المشاكل. إن المشاكل تحتاج إلى بناء الحكمة والوعي والعقل. فكيف تواجه المشاكل؟ أحد عناصر مواجهتها هو بناء الحكمة والعقل والفهم.

والحاصل: أن مستقبلنا الأخروي يتوقف على النفس، والله لا يغير وضعنا إلا إذا غيرنا ما بأنفسنا، فهذه سنة إلهية تكوينية، لا يمكن أن نتغير إلا بالبدء من داخل الذات. فالتغيير يبدأ من النفس، وإذا بدأ منها صار تغيير الواقع ممكناً، بل حتمياً. أما إذا لم نغير أنفسنا، فلا يمكن لواقعنا أن يتغير، أو قد يتغير إلى الأسوأ. فالبقاء على الحال غير ممكن، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (سورة الرعد: 11) يعني التغيير إلى الأحسن، لكن إذا لم نغير أنفسنا، فلننتظر أن أمورنا سوف تتجه إلى الأسوأ.

إذن: ما الذي ينبغي علينا فعله؟ يجب أن نقرأ القرآن والروايات، لنرى تأكيد الآيات والروايات على كيفية تغيير أنفسنا وتطهيرها، وإلا صرنا ممن قال فيهم: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ (سورة المائدة: 41). فالإنسان يجب أن يسعى للطهارة، وأن يخلّص نفسه من التلوث. إذا بكى الإنسان على الحسين، انعكس نور الحسين في مرآة قلبه، وإذا انعكس نوره (عليه السلام) في مرآة القلب، وصل القلب إلى قابلية أكبر، وبدأت القذارات تتساقط منه، فيُبنى هذا القلب ليصبح طاهراً ويتجه نحو الطهارة.

وأحياناً يعطينا الله صفات مؤقتة، فإذا استثمرنا الفرصة لهذه الصفات، كرقة القلب التي تذكرها الروايات، فليبدأ الإنسان بالدعاء. إذا شعرت برقة القلب، أو بحالة بكاء، فادعُ الله عز وجل، واذكر السيدة زينب (عليها السلام)، واجعل ذكر وقوفها على جسد أخيها الحسين سبباً لأن تتغير من الداخل.

سبب لتطهر من الداخل.

ولكننا نحتاج أيها الأحبة أن نبكي على الحسين قليلاً، وأن نرتبط به شيئاً فشيئاً، حتى يلين هذا القلب. ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾؟ [الحديد: 16]. أما آن لهذه القلوب أن تخشع لذكر الله؟ وما بالها لا تبكي؟ وأعني بكاء المرء على نفسه.[11] فما الذي حال دون ذلك؟

وهذا هو ما يوجهنا إليه الشرع، فإنَّ الله يريد أن يطهرنا، ولكن ﴿…وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 27]. فهم يريدون ألا نتخلص من شهواتنا، ورغباتنا الدنيوية، وتعلقنا بدار الدنيا.

ولقد كانت عاشوراء نموذجاً لبناء الإنسان؛ فقد كان هناك أناس اتجهوا إلى الآخرة يوم عاشوراء، وأناس آخرون لم يقرروا ذلك، مثل عمر بن سعد الذي منعته طموحاته الدنيوية ورغبته في ملك الرَّيّ.

أو أن يصل الإنسان إلى درك من القبح، فيذهب إلى قصر الإمارة قائلاً:[12] > أَوْقِرْ رِكَابِي فِضَّةً أَوْ ذَهَبَا ** ** إِنِّي قَتَلْتُ السَّيِّدَ المُحَجَّبَا > قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ أُمًّا وَأَبَا

السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، سلامُ مَنْ لو كان معك بالطفوف لوقاك بنفسه حدَّ السيوف، وبذل حشاشته دونك للحتوف. السلام عليك سلام المفجوع المستكين، السلام على الشيب الخضيب، السلام على الخد التريب.

تعنّيت للمعركة بهم… أدور يا عم على وليدي هم… وسوط الشمر موجّع متنها… طردني وخلاني سليبة…

﴿…إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156].

 

 

[1] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 308، باب العصبية، ح 1.

[2] المصدر نفسه. ج 2، ص 308، ح 3.

[3] هذه قاعدة عقلية وفقهية معروفة، ومفادها أنَّ من يملك القدرة على إيجاد العلة أو السبب لشيء ما، فإنه يملك القدرة على إيجاد ذلك الشيء (المعلول أو المسبب) بالواسطة، فيصح تكليفه به.

[4] يُراجع: الحاكم النيسابوري، محمد بن عبد الله. المستدرك على الصحيحين. تحقيق مصطفى عبد القادر عطا، ط1، دار الكتب العلمية، 1990م، ج 3، ص 34، حيث روى ما يقرب من هذا المعنى بلفظ: «لَمُبَارَزَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ لِعَمْرِو بْنِ عَبْدِ وُدٍّ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَفْضَلُ مِنْ أَعْمَالِ أُمَّتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

[5] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 2، ص 308، باب العصبية، ح 2.

[6] يُراجع تفصيل هذا المبحث عند الإمام الخميني في شرحه للحديث الثاني والثلاثين من كتابه الأربعون حديثاً، حيث يحلل ماهية العقاب على العصبية وعلاقته بتجسم الأعمال.

[7] المصدر نفسه. ج 2، ص 292، باب الحسد، ح 13.

[8] ورد في النص المفرّغ قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ¤ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّىٰ﴾ (سورة الأعلى: 14-15)، والظاهر أن المحاضر قد استشهد بها لمعناها القريب، إلا أن الآية التي تمثل جواب القسم لسياق الآيات المذكورة في المقطع السابق (سورة الشمس) هي ما أثبتناه في المتن.

[9] مضمون مستفاد من روايات عدة وردت في كتب الفريقين، منها ما رواه الصدوق في ثواب الأعمال وعقاب الأعمال، ص 207، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “لَوْ أَنَّ عَبْداً عَبَدَ اللَّهَ أَلْفَ عَامٍ ثُمَّ جَاءَ بِبُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَأَكَبَّهُ اللَّهُ عَلَى مَنْخِرَيْهِ فِي النَّارِ”. وأيضاً: المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1403 هـ، ج 27، ص 171، ح 8.

[10] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 89، باب “الصبر”، ح 7. مع اختلاف يسير في اللفظ.

[11] إشارة إلى مضامين أدعية التوبة والاستغفار، كدعاء أبي حمزة الثمالي، حيث يبكي الداعي على حاله ومصيره: «أَبْكِي لِخُرُوجِ نَفْسِي، أَبْكِي لِظُلْمَةِ قَبْرِي…».

[12] تُنسب هذه الأبيات إلى سنان بن أنس النخعي أو خولي بن يزيد الأصبحي، وهما ممن يُذكر تورطهما في قتل الإمام الحسين (ع)، وقد وردت في مصادر تاريخية متعددة بصيغ متقاربة. يُراجع: الخوارزمي، الموفق بن أحمد. مقتل الحسين. تحقيق محمد السماوي، ط1، أنوار الهدى، 1423 هـ، ج 2، ص 43.

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

  • ×