» 2018 » العلمانية الشاملة والجزئية “قراءة في كتاب د.عبدالوهاب المسيري”.
2018 - الملتقى الأسبوعي - الملتقی الأسبوعي - جلسات فردية

العلمانية الشاملة والجزئية “قراءة في كتاب د.عبدالوهاب المسيري”.

12 ديسمبر, 2018 10142

العلمانية الشاملة والجزئية “قراءة في كتاب د.عبدالوهاب المسيري”.

بمشاركة: سماحة الشيخ هادي اللواتي.

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

  • العنوان: العلمانية الشاملة والجزئية “قراءة في كتاب د.عبدالوهاب المسيري”
  • الزمان: 12 ديسمبر 2018 الموافق 4 ربيع الثاني 1440 هجرية.
  • المتحدث: سماحة الشيخ هادي اللواتي.
  • المكان: منتدى السيدة المعصومة (عليها السلام) الثقافي – قم المقدسة

أهــم النقـاط:

1 – تعريف المصطلحين

2 – وصف لملامح المجتمع العلماني الشامل من خلال أهم المصطلحات والمفردات

3 – ثمرة العلمنة

4 – مؤشرات العلمنة

5 – نماذج وأنماط علمانية

6 – النزعة الفطرية في مواجهة العلمانية

 ضمن برنامج “الملتقى الأسبوعي” في منتدى السيدة المعصومة (عليها السلام) الثقافي استعرض سماحة الشيخ هادي اللواتي بتاريخ 12 ديسمبر 2018 قراءته لكتاب المفكر د.عبدالوهاب المسيري الموسوم بـ “العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة” وهنا عرض مقتضب لأهم ما تناوله سماحة الشيخ اللواتي:

يتطرق الكاتب المسيري لتعريف مصطلع العلمانية ودلالاته، ثم يتحدث عن جوهر النظرية مستعينا بقاموس من المفردات والمصطلحات، ثم يشير لعشرات النماذج والأمثلة التطبيقية والعملية على فكرته.

فصل الدين عن الدولة وعن سلوك الناس في الحياة العامة هي الدائرة الجزئية الاجرائية الصغيرة، ولابد من الرجوع الى الدائرة الكلية الأشمل التي تحتوي النموذج الإدراكي، فالعلمانية الجزئية هي فصل الدين عن الدولة فحسب، أما العلمانية الشاملة فهي فصل الدين عن كل القيم الإنسانية والأخلاقية والدينية وعن حياة الإنسان بحيث تنزع القداسة عن العالم ويتم تحويله إلى مادة استعمالية توظف لصالح الأقوى.

التعريف الشائع للعلمانية وهو “فصل الدين عن الدولة” : separation on of church and state  أي فصل المؤسسات الدينية (الكنيسة) عن المؤسسات السياسية (الدولة)، فإنه في الواقع حصر لعمليات العلمنة في المجال السياسي والاقتصادي فقط، ويشير إلى العلمانية الجزئية.

العلمانية الجزئية ترتبط بالمراحل الأولى لتطور العلمانية الغربية، وبمرور الزمن ومن خلال تحقق الحلقات المتتالية للنموذج العلماني تصاعدت معدلات العلمنة وتجاوزت مجالات السياسة والاقتصاد، لتصبح ظاهرة اجتماعية كاسحة، وتحولاً بنيوياً عميقاً يتجاوز التنظيم الاجتماعي نفسه (الرأسمالي والاشتراكي) لذلك فقد اتسع نطاق عمليات العلمنة ليصبح شاملا.

وظهور العلمانية في الغرب لا يرجع فقط إلى الصراع مع الكنيسة (بسبب فساد بعض رجال الدين، وارتباط مؤسسة الكنيسة الكاثوليكية مع رجال الإقطاع، وتعنت الكنيسة ورفضها الأعمى للثورة العلمية)، بل المسألة أعمق من ذلك بكثير، فترجع الى تحولات بنيوية عميقة في عالم الاقتصاد والسياسة أثّرت على رؤية الإنسان لنفسه ولله وللطبيعة.

وصف لملامح المجتمع العلماني الشامل من خلال أهم المصطلحات والمفردات:

  1. التطبيع: رد الظواهر إلى المادة والقانون الطبيعي، وأن الإنسان جزء لا يتجزأ من الطبيعة، ومعرفته تتلخص في اكتشاف قوانين الحركة الطبيعية، والطبيعة لا تعرف هدفا أو غاية، ومن هنا يتم تحييد العالم عن أية معيارية كالقيم الدينية أو الأخلاقية أو الإنسانية أي على الإنسان أن يرى ذاته والعالم ضمن مرجعيّة ماديّة كامنة في الأشياء.
  2. التعاقد : أن تتحول العلاقات بين البشر من العلاقات الإنسانية التراحمية الى علاقات تعاقدية مضبوطة خاضعة لحسابات الربح والخسارة، إذ العالم بأسره أصبح أشبه بالسوق والمصنع.
  3. هيمنة النماذج البيروقراطية الكمية : مؤسسات ضخمة تدير المجتمع من خلال نماذج وآليات كميّة لا تكترث بخصوصيات الأفراد، وهذا يعني تنميط الواقع والبشر، وتحويل المجتمع إلى آلة ضخمة تقرر لكل فرد وظيفته ومكانه ورغباته وأحلامه.

أدى هذا إلى ظهور مصطلح المجتمع التكنولوجي أو المجتمع التكنوقراطي في عام 1919 م بمعنى حكم الخبراء الفنيين أي مجتمع يحكمه المهندسون والخبراء ويطبقون فيه آخر اكتشافات وتطورات العلم والتكنولوجيا لحل كل مشاكله، لترشيد الواقع والتحكم فيه، فالقوة الحقيقية هي بيد هؤلاء الخبراء والفنيين دون الرجوع إلى أُطر فكريّة وفلسفيّة كليّة.

ثمرة العلمنة

أدت عمليات الترشيد والتطبيع والحوسلة والتشييء والتنميط إلى ظهور الإنسان ذي بعد الواحد، وهذا الإنسان هو من نتاج المجتمع الحديث، وبذلك يسود ضرب من غياب الحرية في إطار ديمقراطي سلس معقول، وعليه ظهر إنسان تمت تنقيته من كل المبادئ باستثناء مبدأ السعادة وإمتاع الذات، وتم تفريغه من كل المقاصد والقيم إلا مقصد البقاء وحفظ النفس، ولم تعد لديه من حرية سوى حرية اختيار بديل من البدائل المتوفرة، فهو إنسان وظيفي فَقَدَ العقلَ النقدي المتجاوز، يُعرّف في ضوء وظيفته التي توكل إليه، ويتم تدجينه ضمن العقلانية المادية التكنولوجية.

مؤشرات العلمنة

  1. تقوم الدولة بكثير من الوظائف التي كانت الأسرة تضطلع بها في السابق مثل التعليم وتنشئة الأطفال، الأمر الذي يجعل الأسرة لا وظيفة لها، ومن هنا تنشأ حقوق المرأة وحقوق الطفل، وبهذا تبدأ الأسرة كوحدة متكاملة مبنية على التراحم في الاختفاء، ولعل الاحتفالات الهستيرية بعيد الميلاد وتحول ذلك إلى أهم الاحتفالات هو تعبير عن هذا الاتجاه.
  2. التشابه بين الحضانة التي تضم أبناء بلا آباء وبيوت المسنين التي تضم آباء بلا أبناء، فهذا تعبير عن انتزاع الإنسان من بيئته والتجرد من التراحم، فيتم تنشئة الأطفال بكفاءة عالية في مرحلة مبكرة فتتراجع الخصوصية الجوانية التي يتعذر على الطفل أن يكتشفها مع المربية بديلا للأم، ويتم ترحيل المسنين الذين توقـفوا عن الإنتاج إلى أن ينتهي وجودهم الجسدي.
  3. الرياضة بدلا من أن تكون وسيلة لتهذيب الجسد والنفس، يصبح الهدف تحقيق الأرقام القياسية التي تتجاوز قدرة الإنسان ويتم التدريب بقسوة؛ إذ يصبح الرياضي جسدا محضا لا يستطيع التحكم فيه، برامج المصارعة الحرة (الإباحية الرياضية) تركز على القيمة العضلية للجسد خارج أية أطر إنسانية وأخلاقية بحيث ترى العالم كغابة داروينية محايدة معقمة من القيمة، وتصبح قمة اللذة ارتطام كتلة جسدية بشرية بكتلة أخرى وإلحاق الأذى بها، وبينما كانت اللعبة في الماضي بحد ذاتها تستدعي الثناء عليها، أصبح الآن الهدف الوحيد من المباريات هو الفوز والغلبة.

وفي نهاية الأمر يُستخدم اللاعبون في بيع السلع، فهم يمنحون بركتهم المادية لأنواع معينة من الأحذية أو صوابين الحلاقة والشعر أو العطور وغيرها من السلع.

  1. العنف الدرامي المتمثل في شخصيات كطرزان والكاوبوي وجيمز بوند وتوم وجيري وغيرها، وهي شخصيات تجسد منطق القوة المحض ممزوجة بالدهاء والمكر، فهي غير ناتجة عن أي منظومات قيمية وأخلاقية، بل عن فكرة أن الصراع من أجل البقاء سنة الحياة، والبقاء هو للأقوى والأكثر دهاء ومكرا.
  2. ازدادت معدلات السرقة والعنف والاغتصاب في الدول الأكثر تقدما وتطورا بشكل كبير، بل تشير المعدلات إلى أن انعدام الأمن والخوف من جرائم العنف والقتل يتزايد كلما زاد المجتمع تقدما وتطورا تكنولوجيا، فمثلا الطفل الأمريكي يشاهد 18 ألف جريمة قتل على التلفزيون قبل أن ينتهي من مدرسته الثانوية حسب دراسة أجريت عام 1977م.!
  3. في السويد مثلا، الانتحار يُعد ثالث أسباب الوفيات بعد أمراض القلب والسرطان.
  4. الاستهلاك الهائل، الولايات المتحدة وحدها استهلكت في المئة سنة الماضية موارد طبيعية أكثر مما استهلكه الجنس البشري بأسره عبر تاريخه الطويل.

نماذج من العيش العلماني

  1. النازيون

تم استخدام خط التجميع في فرز المساجين، وهذه الطريقة كانت تستخدم في الأصل في مذبح الحيوانات إذ تعلق جثث الحيوانات على سير متحرك أمام الجزارين، وقد طبق نفس الأسلوب على المساجين فكانوا يقفون صفا واحدا ويعطى كل واحد منهم رقما (يتم التعامل معهم كأرقام وأشياء).

كان يتم فرز مساجين النازيين بناء على مقياس المنفعة، فقسم تتم إبادته على الفور، وقسم تتم إبادته من خلال الجوع والعمل المضني، وقسم يعقّم و قسم يؤلمن.

كان يتم تحييد المصطلح فبدلا من استخدام القتل والترحيل استخدم مصطلح التنظيف والتطهير، مثلا: جرت إبادة المعوقين والمرضى باعتبارها نوعا من الصحة العرقية/ القتل الرحيم/ الأداتي/ المحايد/ العلمي (المصطلح العلمي الدقيق المنفصل عن القيمة والعواطف).

تم توجيه المشرفين على عمليات الإبادة بالتحلي بالبرود والتجرد عن أي مشاعر إيجابية أو سلبية، فلا يسمح لهم بإساءة معاملة المساجين وهم في طريقهم إلى أفران الغاز، ولا يسمح لهم بالتعاطف مع الضحايا أو تخفيف العقوبات وأشكال التعذيب.

أوضح مواطن نازي أنه سمّم 80  امرأة بالغاز أثناء خدمته وحينما سُئِلَ عن مشاعره، صرّح ببرود أنه لم تكن لديه أية مشاعر على الإطلاق، ولم يشغل رأسه بالأسئلة الأخلاقية.!

  1. اللحظة السنغافورية

يتحول الإنسان هناك إلى وحدة اقتصادية قادرة على الانتاج والاستهلاك اليومي الهائل وتحقيق أعلى معدلات البيع والشراء، وكأن البلد مجموعة من السوبرماركتات والفنادق والمصانع، فيتسابق الجميع ليصبحوا أبطال إنتاج وأبطال استهلاك في نفس الوقت، يضخمون الحاجات الاستهلاكية بشكل لا محدود فمثلا ينتجون حذاء للرياضة وحذاء للمشي وحذاء للعمل وحذاء رسمي وهكذا.. في كل عمل.

  1. اللحظة التايلندية

أصبح قطاع البغاء فيها من أهم مصادر الدخل القومي، وهو تعبير عن الإنسان الجسماني الذي تحول الى أداة للمتعة، والحديث عن تطوير القطاع السياحي يخبئ عادة نزعة تايلندية عميقة يتحاشى الجميع مواجهتها، في هذا النموذج يصبح جسد المرأة جهازا استثماريا يجلب أرباحا ضخمة، وتتحول قصة صاحبة هذا العمل الى سيرة ذاتية وكتاب يحقق أعلى المبيعات والأرباح.

النزعة الفطرية في مواجهة العلمانية

الإله الخفي: hidden God بمعنى الضمير، أي ثمة شيء ما غير مادي كامن في الإنسان يدفعه نحو الخير، وإن لم يفعل ذلك يشعر بالذنب وكأنه أنكر بعدا أساسيا من وجوده، وبعبارة أخرى فهو تعبير عن البحث غير الواعي للإنسان المادي عن “المقدس” فهذا الإنسان المادي الملحد تفضحه بعض الظروف ويشعر في أعماق نفسه بتناقض ما، فهو يتطلع لأن يصل الى المقدس، كثير من الفلسفات العدمية تعبير عن شوق الإنسان إلى أن يجد معنى في عالم بلا معنى صنعه بنفسه، ويبحث عن القداسة في عالم محايد، وأن يجد “الله” في عالم آلي مادي.

صرّح أوبنهايمر (مكتشف المعادلة التي أدت الى تطوير القنبلة النووية) عن أول شيء فعله بعد اكتشاف المعادلة الشهيرة، فكانت إجابته سريعة قاطعة : “لقد تقيأت”. ذاك الضمير التي تجاهد العلمانية لمحو أثره من الإنسان يكمن في أعماقه قبس إلهي يميزه عن عالم الطبيعة وقد يطفح إلى السطح أحيانا ويلفت الإنسان إلى بعد آخر لا يمت إلى العلمانية بصلة.

نعم ذاك جانب آخر في الوجود الإنساني متجاوز للطبيعة وغير خاضع لقوانينها، مرتبط بإنسانية الإنسان (الحس الخلقي/ الحس الجمالي/ الحس الديني)، وهذا الإنسان يطرح تساؤلات عن العلل الأولى والغرض من الوجود في الكون، وهو دائم النظر والتدبر والبحث، فالإنسان = الحيوان الميتافيزيقي، فهو قادر على استخدام عقله، وصاحب إرادة حرة، وقادرعلى صياغة منظومة أخلاقية غير نابعة من حاجته المادية والغريزية والجسدية، وهو قادر على الالتزام بها.

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×