المؤمن الصادق ومسؤولية إقامة العدل
المؤمن الصادق ومسؤولية إقامة العدل
مع سماحة العلامة الشيخ حسين المعتوق.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
الموسم العاشورائي – محرم الحرام 1448 هجري
عنوان المحاضرة: المؤمن الصادق ومسؤولية إقامة العدل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين.
السلام عليك يا أبا عبد الله الحسين، وعلى الأرواح التي حلت بفنائك، عليك مني سلام الله أبدًا ما بقيت وبقي الليل والنهار، ولا جعله الله آخر العهد منا لزيارتكم. يا ليتنا كنا معكم، فنفوز فوزًا عظيمًا.
قال تعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾[1].
تبيّن هذه الآية الكريمة حقيقة المؤمن الواقعي، إذ إنَّ في القرآن تفريقاً بين من ينتمي إلى الله ويعدّه القرآن من المؤمنين، وبين من ينتسب إلى الإيمان ولا يعتبره منهم، قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾[2]. وقد بيّنت هذه الآية أن الإيمان هو ما يستقر في القلب ويكون فيه.
وقد فصّلت الروايات الشريفة هذه المعاني، ومنها ما ورد في الصحيح عن مولانا الباقر (عليه السلام) أنه قال: «الْإِيمَانُ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَأَفْضَى بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَصَدَّقَهُ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَالتَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ»[3].
**
حقيقة الإيمان وخصائص المؤمن الصادق
وتبيّن هذه الآية أيضاً** أن هناك أموراً إذا لم تتحقق، فإنَّ صاحبها ليس من المؤمنين، وإن جرت عليه أحكام الإسلام ولم تُسلب عنه، لكنه ليس مؤمناً. ومع ذلك، فإنَّ المسلم غير المؤمن يحصل على ثواب، ففي صحيحة حمران بن أعين، حين سأل الإمام عن قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾[4]، بيّن الإمام أن هذا يختص بالمؤمن الذي يضاعف له الثواب، أما إذا لم يكن مؤمناً وكان مسلماً فقط، فإنه يحصل على ثواب واحد على عمله[5].
ويتحصّل من الآية المتقدمة أن من أهم عناصر الإيمان عنصر الثبات وعدم التردد، وألّا يكون المرء من المرتابين المترددين. فعنصر الثبات من أهم العناصر التي يتوقف عليها تحقق الإيمان، وهو من الأمور الملازمة لوجوده، وذلك لأنَّ أداة «إنَّما» تفيد الحصر.
الأمر الآخر: هو قوله تعالى: ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾. وبعبارة أخرى، قد يستفاد من مجموع الآيات أن الله (عز وجل) يصف فئة خاصة من المؤمنين بالصدق، فيقول: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾[6]، ثم يصفهم في موضع آخر بقوله: ﴿أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾. وفي المقابل، هناك أناسٌ يكونون مؤمنين ثم يكفرون، فيقول الله عنهم: ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾[7]. وهناك أناسٌ يعاهدون الله ثم ينقضون عهدهم، فيقول عنهم: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾[8].
فهناك مؤمنون يعلم الله منذ البداية أنهم ليسوا صادقين، بينما هناك جماعة يتبيّن صدقهم، ولذا ورد في دعاء الندبة: «وَعَلِمْتَ مِنْهُمُ الْوَفَاءَ بِعَهْدِكَ فَقَبِلْتَهُمْ وَقَرَّبْتَهُمْ وَقَدَّمْتَ لَهُمُ الذِّكْرَ الْعَلِيَّ وَالثَّنَاءَ الْجَلِيَّ وَأَهْبَطْتَ عَلَيْهِمْ مَلَائِكَتَكَ وَكَرَّمْتَهُمْ بِوَحْيِكَ وَرَفَدْتَهُمْ بِعِلْمِكَ وَجَعَلْتَهُمُ الذَّرِيعَةَ إِلَيْكَ وَالْوَسِيلَةَ إِلَى رِضْوَانِكَ»[9].
فالمؤمن الصادق في هذه الآية يتميز بخاصيتين: خاصية الثبات، وخاصية الجهاد والبذل.
والسؤال: ما هو السبب في هاتين الخاصيتين؟
الجواب: أن تكليف الإنسان تحدده الغايات الإلهية العظيمة. فهناك أغراض وغايات يراها الشارع الأقدس ضرورية جداً، ومن تلك الغايات: – إقامة العدل. – إزالة الظلم.
قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[10]. هذه غاية إلهية، وهي غاية إرسال الرسل وإنزال الكتب، وهي من الواضحات التي لا تحتاج إلى نقاش.
وعليه؛ فإنَّ إقامة القسط تكليف شرعي، وما يتوقف عليه الغرض يكون واجباً. وهذا الوجوب، سواء أكان كفائياً أم عينياً، بالنظر إلى مسيرة الصراع بين الحق والباطل وكون المؤمنين دائماً قلة في مقابل أعداء الله، فإنَّ المسألة تتطلب حضور المؤمنين جميعاً في الساحة للتصدي لمؤامرات أعداء الله وإحقاق الحق وإبطال الباطل.
وكما أسلفنا، إننا في مذهبنا القائم على الإيمان بالعدل الإلهي، لا يمكن أن نفترض، حتى مع ورود نص ظاهري، أن الله (تبارك وتعالى) في مورد يمكن فيه إقامة العدل مع التمكن يقول: “لا يجب إقامة العدل”. ولا يمكن أن يقول في مورد توجد فيه القدرة على مواجهة الظلم: “لا تواجهوا الظلم”. ولو صدر هذا من الله (تبارك وتعالى) في مورد واحد، فبمقتضى قاعدة “الوقوع دليل الإمكان” لبطلت أدلة العدل الإلهي برمتها. إنَّ هذا الغرض يجب أن نثقف الناس عليه، فهو من أهم المبادئ التي يقوم عليها الفقه الإسلامي.
إنَّ هذا الغرض هو من الأمور التي يقوم عليها الفقه الإسلامي، وقد كانت ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لتثبيت هذا الأصل. فأحد دلالات ثورة سيد الشهداء (صلوات الله وسلامه عليه) هو تثبيت هذا الأصل. وحدود التكليف تبيّن أن هذا الأصل يستحق بذل الدماء، بل يستحق أن يستشهد لأجله الإمام الحسين، وتستحق أن تكون لأجله سيدتنا ومولاتنا زينب الكبرى (سلام الله عليها) شهيدة، وتستحق أن تحرق الخيام وتشرّد الأطفال. وقد قيل في ذلك: قَدْ أَصْبَحَ الدِّينُ مِنْهُ يَشْتَكِي سَقَماً وَمَا إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ الْحُسَيْنِ شَكَا فَمَا رَأَى السِّبْطُ لِلدِّينِ الْحَنِيفِ شِفاً إِلَّا إِذَا دَمُهُ فِي كَرْبَلَا سُفِكَا وَصَانَ سِتْرَ الْهُدَى مِنْ كُلِّ خَائِنَةٍ سِتْرَ الْفَوَاطِمِ يَوْمَ الطَّفِّ إِذْ هُتِكَا
إنَّ ثورة الإمام الحسين (عليه الصلاة والسلام) ليست ثورة تعبدية غير معلومة السبب، وكلماته ليست مما يحتاج إلى بحث في السند والصدور. فقوله: «إِنِّي لَمْ أَخْرُجْ أَشِراً وَلَا بَطِراً وَلَا مُفْسِداً وَلَا ظَالِماً، وَإِنَّمَا خَرَجْتُ لِطَلَبِ الْإِصْلَاحِ فِي أُمَّةِ جَدِّي»[11]، هو نص تناقلته كتب المسلمين على نحو يقطع بصدوره، فليس السند دائماً هو المدار في مثل هذه الأمور.
فالثورة ليست تعبدية، بل بيّن الإمام (عليه السلام) الملاك الذي لأجله خرج، وهو قوله: «أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الْحَقَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَأَنَّ الْبَاطِلَ لَا يُتَنَاهَى عَنْهُ؟»[12]. وفي خطبته التي كانت في منى، والتي يرويها صاحب تحف العقول، خاطب فيها جماعة من الناس قائلاً: «ثُمَّ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْعِصَابَةُ، عِصَابَةٌ بِالْعِلْمِ مَشْهُورَةٌ… وَبِاللَّهِ فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مَهِيبَةٌ… كُلُّ ذَلِكَ بِمَا يَرْجُونَ عِنْدَكُمْ مِنْ قِيَامِكُمْ بِحَقِّ اللَّهِ، وَإِنْ كُنْتُمْ عَنْ أَكْثَرِ حَقِّهِ تُقَصِّرُونَ… فَالْأَرْضَ لَهُمْ شَاغِرَةٌ، وَأَيْدِيَهُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَالنَّاسُ لَهُمْ خَوَلٌ لَا يَدْفَعُونَ يَدَ لَامِسٍ… فَالْأَرْضُ مِنْ غَاشٍّ غَشُومٍ، وَمُتَسَلِّطٍ ظَلُومٍ»[13].
تنبيه: هناك من يرى أن بعض النصوص العالية المضمون لا تحتاج إلى سند لإثبات صدورها، كما نُقل عن آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني (حفظه الله) في تعليقه على مقبولة عمر بن حنظلة[14]، حيث يرى أن مضمونها الرفيع يأبى أن يكون من وضع الوضاعين. وعلى هذا المنوال، نُقل عن سماحته أن متن زيارة عاشوراء هو الدليل على صدورها، لتطابقه مع عقائد الأئمة (عليهم السلام)، فلا يُحتاج مع هذا المتن إلى سند. فأحياناً يكون هناك إسراف في التمسك بقواعد الإثبات والنفي في غير محلها، وكأن المسألة كلها محصورة بين صحيح السند وضعيفه، وليس الأمر دائماً كذلك.
والحاصل: أن هدف ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) كان مواجهة الظلم. فالإمام لم يرد إقرار شرعية الظالم، وإنما أرادوا منه في البداية أن يعترف بحكم يزيد وشرعية الظلم، فلما رفض، خُيّر بين السلة والذلة، إما أن يبايع أو يُقتل، فكان قوله المشهور: «أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ، بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ»[15].
فهذه الثورة المباركة هي أساس لهذه القاعدة، وهي أن واقع الأمة هو مسؤولية الأمة نفسها. وغاية ما في الأمر هو دور الإمام (عليه السلام).
فالإمامة، كما نعلم، من العناوين الإضافية كالأبوة والبنوة، فلا يُتصور إمام بدون مأموم، أو أب بدون ابن، أو فوق بدون تحت. فعندما تلحظ الإمام، فإنك تلحظ المأموم. الإمام هو الذي يقوم بإقامة كل شيء من خلال المأمومين وبواسطتهم في تحقيق الأهداف. والهدف هو أن يقوم الناس بالقسط. فالإمام صاحب الزمان (عجل الله فرجه) عندما يأتي، فإنَّ الجماعة الصالحة هي التي تقيم العدالة بإمامته وقيادته. هو لا يقيمها كفرد، وإلا لو كان المطلوب من الفرد إقامة العدالة، لكان النبي (صلى الله عليه وآله) أولى بذلك من الإمام الحجة، ولكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أولى منه، لكونهما أفضل منه.
ولو كانت الإمامة لا تتوقف على حركة الأمة، وكان مجرد وجود القائد كافياً لإقامة العدالة، لتحققت على يد جميع الأنبياء والأولياء، ولكن الله جعل الإمام حجة على الخلق ليقوم الناس بالقسط، ولكن كيف؟ يقومون بذلك بواسطة إمامته وقيادته وتوجيهاته.
حجة على الخلق ليقوم الناس بالقسط، ولكن كيف يقوم الناس بالقسط؟ إنَّما يقوم الناس بالقسط بواسطة إمامته وقيادته وتوجيهاته.
ولذا عندما تتهيأ الأمة يقوم.
وهنا يُطرح السؤال: لماذا غاب الإمام؟ وقد كان آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي (قدّس سرّه) يكرر القول: تكلّموا عن أسباب الظهور أكثر من كلامكم عن علامات الظهور؛ فإنَّ أسباب الظهور هي المهمة.
والسؤال المطروح: هل سقط هذا التكليف بالغيبة؟ أم أنَّ هذه الغيبة كانت مؤشراً على وجود التكليف، وعلى أنَّ الناس ليسوا على قدر المسؤولية؟
والجواب: أنَّ الغيبة تدل على وجوب التكليف، بل هي أكثر تأكيداً في دلالتها على وجوبه. فلماذا غاب الإمام؟ إنَّه غاب لأنه لم يكن يستطيع أن يحفظ نفسه، وكان يمكن أن يُقتل في أي لحظة؛ وذلك لأنَّ الأمة قد خذلته، كما يُنقل عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في سياق صلحه قوله: «لقد خذلتني الأمة وبايعتك يا ابن حرب». لقد خذلته الأمة وتخلّوا عنه.
لذلك أصبح الإمام غير مبسوط اليد، فلم يستطع أن يفعل شيئاً، وفقد القدرة على إقامة العدل. والحال نفسه ينطبق على أمير المؤمنين (عليه السلام)؛ فلماذا لم يقم العدل في مساحات واسعة؟ لأنَّه كان يخاطب جنوده قائلاً: «يَا أَشْبَاهَ الرِّجَالِ وَلَا رِجَالَ»[16]، فكيف يقيم العدل بجنودٍ يعتبرهم أشباه الرجال ولا رجال؟ لم يقدر الإمام (عليه السلام) على ذلك.
وفي رواية أنَّ سُدَير الصيرفي دخل على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له: «يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا يَسَعُكَ الْقُعُودُ عَنْ نُصْرَتِكَ وَقَدْ كَثُرَ مَوَالِيكَ وَشِيعَتُكَ وَأَنْصَارُكَ؟». فنزل الإمام (عليه السلام) عن دابته وأمره بالنزول، ثم نظر إلى قطيع من الجداء فقال: «يَا سَدِيرُ وَاللَّهِ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُودُ». قال سدير: فعددتها فإذا هي سبعة عشر[17].
والشاهد هنا: أنَّ الإمام (عليه السلام) يبيّن أنَّ المشكلة ليست في العدد فحسب، بل في وجود أنصار يمكن الاعتماد عليهم كقيادات تتحمل المسؤولية معه. فربما كان لديه مؤمنون متدينون، لكنهم ليسوا أهلاً للقيادة؛ قد يكونون صالحين لأجوبة المسائل الشرعية، ولكن لا ينفعون لقيادة الأمة. وهذا لا يعني سلب صفة الإيمان عنهم، بل إنَّهم غير مؤهلين لهذا الموقف وهذه المهام الجسيمة. فالإمام (عليه السلام) يقول: لو كان عندي سبعة عشر رجلاً أعتمد عليهم، لكنت تحركت. إذن، المشكلة تكمن في الأمة.
وهنا سؤال: عندما تكون هذه المشكلة قائمة، وهذا الغرض الإلهي –إقامة العدل– يجب تحققه، والشارع الأقدس يلزم بتحققه ولا يرضى بتفويته، وإذا كان قد فات فسبب فواته هو تقصير الناس، فهل يسقط الحكم الشرعي؟
الجواب: لا، لا يسقط الحكم الشرعي. ولكن ما هو الحكم الشرعي؟ هو أنَّه يجب على الأمة أن تحاول وتستمر في المحاولة، وتواصل السعي لإقامة العدل.
ولذلك يركز الإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) في كتابه الحكومة الإسلامية على أمرين يثبت بهما هذه الحقيقة، ويثبت بهما ولاية الفقيه أيضاً:
الأمر الأول: أنَّ للإسلام أهدافاً وغايات، وهذه الأهداف لا يمكن أن تتحقق بدون دولة إسلامية، وبدون الدخول في العمل السياسي والاجتماعي؛ وإلا سوف تتعطل أهداف الإسلام، وتعطيل أهداف الإسلام بالضرورة غير ممكن وغير جائز. بل كما يذهب آية الله العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) في بعض أبحاثه، إلى أنَّ روح الحكم الشرعي هي الغرض والملاك. فإذا كان هناك شيء نعلم أنَّ الشارع الأقدس يريده، ولا يرضى بفواته، وسبب فواته ليس سوى تقصير المكلفين، فيجب السعي لتحقيق هذا الغرض، ويصير واجباً شرعياً. وهذا من البديهيات. خصوصاً ونحن العدلية[18]، القائلين بأنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد. أمَّا لو قلنا إنَّ الحكم لا علاقة له بالمصلحة والمفسدة، كما تذهب إليه بعض الاتجاهات، لكان الأمر شيئاً آخر. إذن، هذا غرض يجب تحقيقه، وهو لا يمكن أن يتحقق دفعةً واحدة، فجميع الأغراض الكبرى تتحقق بالتدريج عبر مراحل متعددة، وفي كل مرحلة يجب تحقيق نتيجة معينة.
الأمر الثاني: الذي يذكره الإمام، هو أنَّ مضامين الأحكام نفسها تأبى عدم الانخراط في هذه الشؤون. فالإسلام فيه أحكام اقتصادية، وسياسية، وعسكرية، واجتماعية، وتربوية. ويذكر الإمام بصفته أحد أعظم الفقهاء المدققين في النصوص، أنَّه بعد التأمل في آيات القرآن الكريم، فإنَّ نسبة الآيات ذات الصلة بالأمور الفردية البحتة إلى الآيات التي تتعلق بالأمور الاجتماعية والسياسية ونحوها، لا تصل إلى عشرة بالمئة، بينما تسعون بالمئة من الآيات تتعلق بأمور من قبيل قوله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [سورة البقرة: 193]، ونحو ذلك مما لا يخفى على من له أدنى قراءة للقرآن الكريم.
والحاصل: أنَّ القرآن كتاب الجهاد، وكتاب الدعوة إلى التضحية، كما في قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ ٱنفِرُواْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱثَّاقَلْتُمْ إِلَى ٱلْأَرْضِ ۚ أَرَضِيتُم بِٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا مِنَ ٱلْأٓخِرَةِ ۚ فَمَا مَتَٰعُ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا فِى ٱلْأٓخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [سورة التوبة: 38]، وقوله: ﴿فَلْيُقَٰتِلْ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشْرُونَ ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْأٓخِرَةِ﴾ [سورة النساء: 74]. فالقرآن الكريم هو كتاب التضحية والجهاد والمواجهة والصراع مع أعداء الله عز وجل، وهو الكتاب الذي يحث الأمة ويدعوها إلى التحرك نحو إقامة العدل.
ولكن هذا الأمر تعطّل؛ لأنَّ تفسير القرآن نفسه أصبح بكيفية تعطل مفاهيمه. وفي هذا السياق، أشار الإمام الخميني (قدّس سرّه) في وصيته الإلهية إلى هذه الحقيقة، حيث ذكر أنَّ بعض كتب التفسير جعلت التفسير نفسه عائقاً أمام فهم القرآن؛ فقد طرحوا مضامين فلسفية وعميقة، لكنَّهم حجبوا المعاني الواضحة في القرآن الكريم، مع أنَّ هذه الأمور واضحة الدلالة فيه، وهذا هو منهج سيد الشهداء (عليه السلام).
وهذا ما يقوم عليه فقه الإسلام الأصيل، لا الإسلام الذي يتبع الطواغيت. ولذلك كان هدف الإمام إقامة إسلام رسول الله، وفي مقابله هناك إسلام أمريكا، وإسلام يزيد، وإسلام أولئك الذين عملوا سنين في المدارس وغيرها على فصل الدين عن السياسة.
شواهد من مواقف الفقهاء في التصدي للطاغوت
وقد ذكر المحقق النائيني (قدّس سرّه) في كتابه تنبيه الأمة وتنزيه الملة أمرين[19]:
الأمر الأول: أنَّ القبول بالطاغوت من مصاديق الكفر بالله عز وجل، لقوله تعالى: ﴿…فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ…﴾ [سورة البقرة: 256]، ومقتضاه وجوب الكفر بالطاغوت ورفضه.
الأمر الثاني: أنَّه سواء قلنا بالولاية العامة للفقيه، أو قلنا بأنَّ التصدي لمؤامرات الأعداء وحفظ نظام المسلمين من الأمور الحسبية[20]، فإنَّها تثبت للفقيه من باب الحسبة، ولذا لا يوجد خلاف بين الفقهاء في أصل وجوب التصدي.
ومن شواهد ذلك أنَّ آية الله العظمى السيد الخوئي (قدّس سرّه) أصدر في بداية انتصار الثورة الإسلامية فتوى أعلنها للشعب الإيراني بوجوب انتخاب نظام الجمهورية الإسلامية. لم يقل لهم: أنتم أحرار، بل أفتى بالوجوب، وهذه هي ولاية الفقيه. ويُنقل عن أحد المؤمنين من الكويت أنَّه كان لديه مبلغ كبير من الخمس، فاستأذن السيد الخوئي، فأجازه السيد إجازةً مطلقة في صرف الخمس لدعم الجبهة في الجمهورية الإسلامية.
هذا كان موقف فقهائنا دائماً، وهذه هي مدرستهم. ومن يريد أن يعرف موقف السيد الخوئي، فلينظر إلى موقفه في الانتفاضة الشعبانية. ويُنقل عن أحد الإخوة اللبنانيين أنَّه في الأيام التي كان فيها السيد علي الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه) رئيساً للجمهورية، زارهم الشهيد السيد محمد تقي الخوئي (قدّس سرّه)، وكان دائمًا يتحدث عن الإمام الخميني، وعن أنَّ والده السيد الخوئي كان يدعو للإمام الخميني يومياً. وعندما زار السيد الخامنئي، كان السيد محمد تقي يحثهم على استقباله، بل وعزم على الخروج بنفسه متلثماً لاستقباله، لولا أنَّهم منعوه خوفاً على سلامته.
هذه أمور يجب أن تُعلم. هؤلاء هم فقهاؤنا الذين نعتز بهم، وهذه كانت مدرستهم دائماً، وإن حاول البعض إبراز الأمور على خلاف ذلك.
والخلاصة: أنَّ الإسلام يأمرنا بإقامة الدين كتكليف، وهذا أصل مهم في الفقه تدل عليه الآيات الكثيرة. وبتعبير السيد الخوئي (قدّس سرّه) في بحث الجهاد، فإنَّ آيات الجهاد بلغت حداً من الكثرة لا يتناسب مع التخصيص، وتأبى التخصيص، فلا يمكن تخصيصها بحسب الزمان أو بأمر آخر. وإنَّما يسقط الجهاد في حالة واحدة، وهي حال عدم القدرة، لأنَّ التكليف مشروط بالقدرة فقط. وفي الأزمنة التي لم تكن فيها مواجهة في زمن الأئمة عليهم السلام، كان ذلك بسبب عدم توفر القدرة، وكانوا يسمحون بالعمل بمقدار القدرة، وبالمقدار الذي لا يؤدي إلى نقض الغرض. فالقرآن يدعونا إلى إقامة الدين ومواجهة الظلم.
أولاً: إنها تأبى التخصيص بالنظر إلى كثرتها.
ثانياً: إنها تأبى التخصيص بلحاظ الأصل الاعتقادي؛ وذلك لأنها لو خُصّصت في مورد واحد، لكان مؤدّاه أن الله عز وجل لا يأمرنا بمواجهة الظلم في ذلك المورد، ولا يأمرنا بإقامة العدل فيه، وإذا صحّ أن الله لا يأمر بذلك في مورد ما، فإن الوقوع دليل الإمكان.[21]
وحينئذٍ تسقط أدلة العدل الإلهي برمتها، فلا يبقى دليل يثبت العدل الإلهي بمعناه التام؛ لأنه إذا قبل الله بذلك، لأمكن أن يصدر منه أيضاً، والعياذ بالله، وهو أمر غير معقول وغير ممكن بحسب مبانينا العقدية.
والخلاصة: أن الحسين (عليه السلام) يمثل هذه الحقيقة. فعندما نتحدث عن الحسين، وعندما نتحدث عن كربلاء وعاشوراء، فإننا نتحدث عن مدرسة الجهاد، ومدرسة العدالة، ومدرسة التصدي للظلم، ومدرسة مواجهة الفساد، ومدرسة التضحية والفداء من أجل الدين. فهذا هو مقتضى الحديث عن الحسين (عليه السلام)، وهذه هي لغته.
السَّلَامُ عَلَيْكَ سَلَامَ مَنْ لَوْ كَانَ مَعَكَ بِالطُّفُوفِ لَوَقَاكَ بِنَفْسِهِ حَدَّ السُّيُوفِ، وَبَذَلَ حُشَاشَتَهُ دُونَكَ لِلْحُتُوفِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ سَلَامَ الْمَفْجُوعِ الْمُسْتَكِينِ، السَّلَامُ عَلَى الشَّيْبِ الْخَضِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْخَدِّ التَّرِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الْبَدَنِ السَّلِيبِ، السَّلَامُ عَلَى الرَّأْسِ الْمَقْطُوعِ، السَّلَامُ عَلَى الثَّغْرِ الْمَقْرُوعِ بِالْقَضِيبِ.[22] السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَايَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنَ، وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ.
[1] سورة الحجرات: 15.
[2] سورة الحجرات: 14.
[3] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 26، باب في أن الإيمان ما استقر في القلب، ح 1.
[4] سورة الأنعام: 160.
[5] يراجع: الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط4، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ، ج 2، ص 24-25، باب في أن الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، ح 2.
[6] سورة الأحزاب: 23.
[7] سورة المنافقون: 3.
[8] سورة البقرة: 27.
[9] القُمّي، عباس. مفاتيح الجنان. قسم الأدعية، دعاء الندبة.
[10] سورة الحديد: 25.
[11] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ط2، مؤسسة الوفاء، 1983 م، ج 44، ص 329.
[12] ابن شعبة الحراني، الحسن بن علي. تحف العقول عن آل الرسول صلى الله عليهم. تحقيق علي أكبر الغفاري، ط2، مؤسسة النشر الإسلامي، 1404 هـ، ص 245.
[13] المصدر نفسه، ص 237-238.
[14] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 1، ص 67، باب اختلاف الحديث، ح 10.
[15] المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. ج 45، ص 8.
[16] الشريف الرضي، محمد بن الحسين. نهج البلاغة. تحقيق صبحي الصالح، ط1، دار الهجرة، 1414 هـ، ص 70، الخطبة 27.
[17] الحر العاملي، محمد بن الحسن. إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات. تحقيق أبو طالب تجليل التبريزي، ط1، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، 2002 م، ج 4، ص 450.
[18] العدلية: مصطلح كلامي يُطلق على المدارس التي تؤمن بالعدل الإلهي كأصل من أصول الدين، كالشيعة الإمامية والمعتزلة، وتقرر أن أفعال الله معللة بالحِكَم والمصالح، وأن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها.
[19] النائيني، محمد حسين. تنبيه الأمة وتنزيه الملة. تحقيق جواد الورعي، ط1، مركز انتشارات دفتر تبليغات إسلامي، 1382 هـ. ش.
[20] الأمور الحسبية: هي الأمور التي علم الشارع بضرورة تحققها في الخارج، ولم يعيّن لها مكلفاً خاصاً، كالقضاء ورعاية الأيتام وحفظ النظام العام. وقد أثبت الفقهاء ولاية الفقيه على هذه الأمور من باب القدر المتيقن.
[21] قاعدة عقلية مفادها أن وقوع الشيء في الخارج هو أكبر برهان على إمكانه، إذ لو كان ممتنعاً لما وجد.
[22] مقتبس بتصرف من زيارة الناحية المقدسة. يُراجع: ابن المشهدي، محمد بن جعفر. المزار الكبير. تحقيق جواد القيومي الأصفهاني، ط1، مؤسسة النشر الإسلامي، 1419 هـ، ص 505-507.