» 2022 » الملتقی الأسبوعي » مواسم ثقافیة » المرأة المسلمة » المرأة المسلمة _ المرأة كموضوع للتفسيرالموضوعي الاستنطاقي
المرأة المسلمة - الملتقی الأسبوعي

المرأة المسلمة _ المرأة كموضوع للتفسيرالموضوعي الاستنطاقي

16 نوفمبر, 2022 2096

موسم (المرأة المسلمة)

تحت عنوان: “المرأة كموضوع للتفسيرالموضوعي الاستنطاقي”

بمشاركة: سماحة الشيخ محمد حسن ملک زاده (حفظه الله)

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام علی سيدنا و نبينا و حبيب قلوبنا و طبيب نفوسنا أبي القاسم المصطفی محمد، صلّی الله عليه و علی أهل بيته الذين أذهب الله عنهم الرجس و طهّرهم تطهيراً، سيّما بقيّة الله في الأرضين، روحي و أرواح العالمين له الفداء

«اللهمّ كن لوليك الحجة بن الحسن، صلواتك عليه و علی آبائه، في هذه الساعة و في كلّ ساعة، وليّاً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلاً و عيناً حتی تسكنه أرضك طوعاً و تمتعه فيها طويلاً»

أما بعد، قال الله تبارك و تعالی في محكم كتابه و منيف خطابه:

<يا أيّها الناسُ إنّا خلقناكم من ذكر و أنثی و جعلناكم شُعوباً و قبائلَ لتعارَفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنّ الله عليم خبير> الحجرات، 13

و قال جلّ جلاله العظيم:

<مَن عَمِل صالحاً مِن ذَكرٍ أو أُنثی و هو مؤمنٌ فَلَنُحيينّه حياةً طيبة و لَنَجزينّهُم أجرَهم بأحسَنِ ما كانوا يعملون> النحل، 97

صدق الله العليّ العظيم

بدايةً أحمد الله تبارك و تعالی علی هذه الفرصة و علی هذه النعمة التي أنعم بها علينا جميعاً لنتكلّم عن تفسير كتابه الحكيم، و أشكر الإخوة الأفاضل أيّدهم الله في هذا المنتدی الثقافي المبارك، منتدی السيدة المعصومة ؟ص؟ للتركيز علی هذا الموضوع المهمّ، أعني «المرأة المسلمة، تحدّيات معاصرة».

طبعاً عنوان بحثي في هذا اللقاء الإيماني والمجلس العلمي، هو: «المرأة، كموضوع للتفسير الموضوعي الاستنطاقي».

و لكن بما أنّ بحثنا عن هذا الموضوع يكون مفصّلاً جدّاً و يحتاج إلی أكثر من جلسة واحدة، فقرّرنا مع الإخوة أن نُقسّم البحث إلی قسمين ونبحث في جلستين؛ ففي الجلسة الأولی نتحدّث عن نفس التفسير الموضوعي الاستنطاقي، كنظرية علميّة، و في الجلسة الثانية ندخل في صميم البحث و نشير إلی الآيات القرآنيّة حول المرأة و مسائلها و قضاياها، و نحاول أن نصل إلی بذور أوّليّة لنظريّات قرآنيّة في هذا المضمار. و بعبارة أخری، في الجلسة الأولی نتحدّث عن النظريّة، و في الجلسة الثانية نتحدّث عن التطبيق و نحاول أن نطبّق النظرية علی الموضوع.

 اتّجاهان رئيسيّان لحركة التفسير

كما تعلمون هناك اتّجاهان و منهجان رئيسيّان لتفسير القرآن الكريم: الاتجاه والمنهج الترتيبي، و الاتجاه و المنهج الموضوعي.

التفسير الترتيبي

و في المنهج الترتيبي يتناول المفسّرُ آيات القرآن آية آية و يُفسّر كتابَ الله آية تلو الأخری و سورة بعد سورة، وفقاً لتسلسل تدوين الآيات في المصحف الشريف أو وفقاً لترتيب نزول الآيات و السوَر.

فالمفسّر في التفسير الترتيبي إن أراد و تسنح له الظروف و تؤاتيه الفرصة الكافية يبدأ التفسير من سورة الحمد و ينتهي عملُه عند الانتهاء من تفسير سورة الناس مثلاً .. و إن لم يوجد عنده الوقت و الفرصة أو لم يُرد تفسيرَ جميع الآيات القرآنيّة، برغم فقد الموانع و وجود الفرصة، يكتفي بتفسير سورة أو بعض السور و الآيات، و لكن بصورة ترتيبيّة.

التفسير الموضوعي

و في مقابله، المنهج الموضوعيّ، و هو قائمٌ على أساس الموضوعات في حقول العقيدة و الشريعة و الأخلاق و الاجتماع و غير ذلك.

و لكن لاينحصر التفسير الموضوعي في نوع و منهج واحد؛ بل يوجد نوعان من التفسير الموضوعي؛ أحدهما تقليديٌّ و الآخر استنطاقيٌّ.

التفسير الموضوعي التقليدي

في التفسير الموضوعي التقليدي، الذي دُوّنت علی أساسه كتبٌ و دراساتٌ تفسيريّة كثيرة، يحاول المفسّر أن يختار موضوعات و عناوين قرآنيّة محدّدة، و أن يستقصي ما ورد حولها من آياتٍ قرآنيّة، و قد يفهرس لهذه الآيات، و يفسّرها و يجعل تفسير جميع هذه الآيات في رسالة واحدة أو كتاب واحد، مثلاً؛ كالتفسير الموضوعي باسم «التوحيد في القرآن» أو «العدل في القرآن» أو «النبوّة في القرآن» أو «الإمامة في القرآن» أو «المعاد في القرآن» أو «الأخلاق في القرآن» أو «التربية في القرآن» أو «الجهاد في القرآن» أو «التقوى في القرآن» أو «الصّلاة في القرآن» أو «اليهود في القرآن» و ما شابه هذه العناوين و الموضوعات المتّخذة من نفس القرآن المجيد، و تفسير الآيات المرتبطة بها تحت عنوان التفسير الموضوعي.

إلّا أنّ هذا النوع من التفسير الموضوعي لايرقى عادةً، إلى مستوى اكتشاف النظريّة القرآنيّة.

التفسير الموضوعي الاستنطاقي

أمّا النوع الآخر من التفسير الموضوعي و هو ما سمّيناه التفسير الموضوعيّ الاستنطاقي، فذاك كمنهجٍ واضح المعالم و الأسلوب، من إبداعات آية الله الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر؟ق؟.

فلقد أراد الشّهيد الصّدر لمنهجه الموضوعيّ في التفسير أن يستنطق القرآن بمسائل البشر الواقعيّة و يكتشف النظريّات القرآنيّة في مجالات العقيدة، و الأحكام، و الأخلاق، و الاجتماع، و الاقتصاد، و السياسة، و في كلّ المجالات التي تتّسع لها مساحة الإسلام، و تمتدّ إليها معالجاته. و هنا يبرز الدور الكبير لهذا المنهج في خلق الوعي بكلّ امتداداته العقيديّة و الثقافيّة و الفقهيّة و الروحيّة و الأخلاقيّة و الاجتماعيّة و السّياسيّة، فالمنهج الموضوعيّ في شموليته أضفى شموليّة على الوعي و على الصّحوة الإسلاميّة.

و قد أسّس المنهج الموضوعيّ في التفسير عند الشّهيد الصّدر لحركة علميّة أكاديميّة، تعتمد أدوات البحث العلميّ و الأكاديميّ، فإنّ اكتشاف النظريّات لايمكن التوفّر عليه من خلال قراءاتٍ تجزيئيّة متفرّقة، و إنّما من خلال تجميع الوحدات لتشكّل منتجاً واحداً هو «النظريّة» و هذا بحاجةٍ إلى ممارسة علميّة أكاديميّة متطوّرة، و ليس مجرّد تجميع نصوصٍ قرآنيّة تتحدّث عن عنوانٍ واحد …

و كما قلنا ربّما وجدت كتابات حاولت أن تختار عناوين قرآنيّة محدّدة، و أن تستقصي ما ورد حولها من آياتٍ قرآنيّة، و قد تفهرس لهذه الآيات، إلّا أنّ هذا العمل لايرقى عادةً إلى مستوى اكتشاف النظريّة القرآنيّة

 

المراد بالاتجاه التجزيئي في التفسير

و قد سمّی الشهيدُ الصدر؟ق؟ الاتّجاهَ المقابل لاتجاهه في التفسير، بالاتّجاه التجزيئي. و قال في وجه تسميته و توضيحها، بما نصّه:

«طبعاً نحن لانعني بالتجزيئية لمثل هذا المنهج التفسيري أنّ المفسّر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث، بل إنّه قد يستعين بآيات أخرى‏ في هذا المجال كما يستعين بالأحاديث و الروايات، و لكنّ هذه الاستعانة تتمّ بقصد الكشف عن المدلول اللفظي الذي تحمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كلّ خطوة من هذا التفسير فهم مدلول الآية التي‏ يواجهها المفسّر بكلّ الوسائل الممكنة، أي إنّ الهدف هدف تجزيئي؛ لأنّه يقف دائماً عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك، من النصّ القرآني و لايتجاوز ذلك غالباً.

و حصيلة تفسير تجزيئي للقرآن الكريم كلّه تساوي على‏ أفضل تقدير مجموعةَ مدلولاتِ القرآن الكريم ملحوظة بنظرة تجزيئية أيضاً، أي إنّه سوف نحصل على‏ عدد كبير من المعارف و المدلولات القرآنيه لكن في حالة تناثر و تراكم عددي، دون أن نكتشف أوجه الإرتباط، دون أن نكتشف التركيب العضوي لهذه المجاميع من الأفكار، دون أن نحدّد في نهاية المطاف نظرية قرآنية لكلّ مجال من مجالات الحياة.

فهناك تراكم عددي للمعلومات، إلّا أنّ مجموعَ ما بين هذه المعلومات، الروابطَ و العلاقات ما بين هذه المعلومات التي تحوّلها إلى‏ مركّبات نظرية و مجاميع فكرية، بالإمكان أن نحضّر على‏ أساسها نظرية القرآن في مختلف المجالات و المواضيع، أمّا هذا فليس مستهدفاً بالذات في منهج التفسير التجزيئي و إن كان قد يحصل أحياناً، و لكنّه ليس هو المستهدف بالذات في منهج التفسير التجزيئي».

 

التفسير التجزيئي أعمٌّ من الترتيبي و الموضوعيّ التقليدي

و يبدو أنّ الاتّجاه التجزيئي من وجهة نظر الشهيد الصدر؟ق؟ أعمّ من الترتيبي و الموضوعي التقليدي.

قال الشهيد الصدر؟ق؟:

«وأمّا ما ظهر على‏ الصعيد القرآني من دراسات تسمّى‏ بالتفسير الموضوعي أحياناً من قبيل دراسات بعض المفسّرين حول موضوعات معيّنة تتعلّق بالقرآن الكريم – كأسباب النزول أو القراءات أو الناسخ و المنسوخ أو مجازات القرآن – فليست من التفسير التوحيدي و الموضوعي بالمعنى‏ الذي نريده، فإنّ هذه الدراسات ليست في الحقيقة إلّا تجميعاً عددياً لقضايا من التفسير التجزيئي لوحظ فيما بينها شي‏ء من التشابه.

و في كلمة أخرى ليست كلّ عمليّة تجميع أو عزلٍ، دراسة موضوعيّة، و إنّما الدراسة الموضوعية هي التي تطرح موضوعاً من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية و تتّجه إلى‏ درسه و تقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده».

 

الفوارق بين الاتجاه الموضوعي و الاتجاه التجزيئي

و قد أوضح السيد الصّدر الفارق بين الاتجاه الموضوعيّ في التفسير، حسب رأيه، و الاتجاه التجزيئيّ، من خلال عدّة نقاطٍ نشير إلى بعضها:

النقطة الأولى:

الاتجاه الموضوعيّ في التفسير عند السيّد الشهيد يبدأ بالواقع الخارجيّ و بحصيلة التجربة البشريّة، و بما طرحه التطبيق التاريخيّ من أسئلة و من نقاط فراغ، ثمّ يعود إلى القرآن ليستنطق و من خلال الاستنطاق يتلقّى الأجوبة من القرآن، أما الاتجاه التجزيئيّ فيبدأ من القرآن و ينتهي بالقرآن، ليس فيه حركة من الواقع إلى القرآن، و من القرآن إلى الواقع.

قال الشهيد الصدر؟ق؟:

«أوّل أوجه الاختلاف الرئيسية بين الاتّجاه التجزيئي في التفسير و الاتّجاه الموضوعي في التفسير أنّ الاتّجاه التجزيئي يكون دور المفسّر فيه دوراً سلبياً: يستمع و يسجّل‏».

و قال رحمه الله:

«و خلافاً لذلك، المفسّر التوحيدي و الموضوعي، فإنّه لايبدأ عملَه من النّص، بل من واقع الحياة، يركّز نظره على‏ موضوع من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، و يستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنساني حول ذلك الموضوع من مشاكل، و ما قدّمه الفكر الإنساني من حلول، و ما طرحه التطبيق التاريخي من أسئلة و من نقاط فراغ، ثم يأخذ النصّ القرآني، لا ليتّخذ من نفسه بالنسبة إلى‏ النّص دورَ المستمع و المسجّل فحسب، بل ليطرح بين يدي النّص موضوعاً جاهزاً مشرّباً بعدد كبير من الأفكار و المواقف البشرية، و يبدأ مع النّص القرآني حواراً، سؤالًا و جواباً، المفسّر يسأل و القرآن يجيب، المفسّر على‏ ضوء الحصيلة التي استطاع أن يجمعها من خلال التجارب البشرية الناقصة، من خلال أعمال الخطأ والصواب التي مارسها المفكّرون على‏ الأرض، لابدّ و أن يكون قد جمع حصيلة ترتبط بذلك الموضوع، ثم ينفصل عن هذه الحصيلة ليأتي و يجلس بين يدي القرآن الكريم، لايجلس ساكتاً ليستمع فقط بل يجلس محاوراً، يجلس سائلًا و مستفهماً ومتدبّراً، فيبدأ مع النّص القرآني حواراً حول هذا الموضوع، و هو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح و النظرية التي بإمكانه أن يستلهمها من النّص، من خلال مقارنة هذا النّص بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار و اتّجاهات.

و من هنا كانت نتائج التفسير الموضوعي نتائج مرتبطة دائماً بتيّار التجربة البشرية؛ لأنّها تمثّل المعالم و الاتّجاهات القرآنية لتحديد النظرية الإسلامية بشأن موضوع من مواضيع الحياة.

و من هنا أيضاً كانت عملية التفسير الموضوعي عملية حوار مع القرآن الكريم و استنطاق له، و ليست مجرّد استجابة سلبية، بل استجابة فعّالة و توظيفاً هادفاً للنّص القرآني في سبيل الكشف عن حقيقة من حقائق الحياة الكبرى‏.

قال أمير المؤمنين؟ع؟ – و هو يتحدّث عن القرآن الشريف–:

“ذلك القرآن فاستنطقوه و لن ينطق، و لكن اخبركم عنه: ألا إنّ فيه علم ما يأتي، و الحديثَ عن الماضي، و دواءَ دائكم، و نظمَ ما بينكم”».

و باعتقاد الشهيد الصدر؟ق؟، أنّ التعبير بالاستنطاق في هذا الحديث العلوي الشريف، أروع تعبير عن عملية التفسير الموضوعي بوصفها حواراً مع القرآن الكريم و طرحاً للمشاكل الموضوعية عليه بقصد الحصول على‏ الإجابة القرآنية عليها.

 

 النقطة الثانية:

إنّ في التفسير الموضوعي الاستنطاقي، الذي يتجلّی فيه التحام القرآن مع الواقع و الحياة، «تبقى‏ للقرآن قدرته على‏ القيمومة دائماً، قدرته على‏ العطاء المستجدّ دائماً، قدرته على‏ الإبداع دائماً؛ لأنّ المسألة هنا ليست مسألة تفسير لفظ، طاقات التفسير اللغوي ليست طاقات لا متناهية، بينما القرآن الكريم دلّت الروايات على‏ أنّه لاينفد، و صرّح القرآن الكريم بأنّ كلمات الله لاتنفد [انظر قوله تعالى: <وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ> لقمان: 27. و قوله تعالى: <قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا> الكهف: 109.

القرآن الكريم عطاؤه لاينفد بينما التفسير اللغوي ينفد؛ لأنّ اللغة لها طاقات محدودة، و ليس هناك تجدّد في المدلول اللغوي، و لو وجد تجدّدٌ في المدلول اللغوي فلا معنى‏ لتحكيمه على‏ القرآن، و لو وجدت لغة أخرى‏ بعد القرآن لا معنى‏ لأن يفهم القرآن من خلال لغة جديدة أو مصطلحات جديدة أو ألفاظ تحمل مدلولات وضعية استحدثت بعد القرآن.

إذن هذا العطاء الذي لاينفد للقرآن، هذه المعاني التي لاتنتهي للقرآن، التي نصّ عليها القرآن نفسه و نصّت عليها أحاديث أهل البيت؟عهم؟، هذه الحالة من عدم النفاد، تكمن في هذا المنهج، في منهج التفسير الموضوعي؛ لأنّنا نستنطق القرآن، و إنّ في القرآن علم ما كان و علم ما يأتي؛ لأنّ في القرآن دواء دائنا، لأنّ في القرآن نظم ما بيننا، لأنّ في القرآن ما يمكن أن نستشفّ منه مواقف السماء تجاه تجربة الأرض‏».

 

أمّا النقطة الثالثة:

المنهج الموضوعيّ من وجهة نظر السيّد الشهيد منهجٌ توحيديّ، لأنّه:

أولًا: يوّحد بين التجربة البشريّة وبين القرآن الكريم.

و ثانيًا: يوّحد بين مدلولات الآيات التي تشترك في الموضوع في مركّب نظريّ واحد، ليخلص بالتالي إلى تحديد إطار نظريّةٍ واضحةٍ ترسمها تلك المجموعة القرآنيّة ككلّ بالنسبة إلى ذلك الموضوع.

 

و النقطة الرابعة:

الاتجاه التجزيئيّ يكتفي بإبراز المدلولات التفصيليّة للآيات القرآنيّة، بينما التفسير الموضوعيّ الاستنطاقي يتطلّع إلى ما هو أوسع من ذلك، حيث يُحاول أن يتوصّل إلى مركبٍ نظريّ قرآنيّ، يحتلّ في إطاره كلّ واحدٍ من تلك المدلولات التفصيليّة موقعه المناسب، وهذا ما نُسميه بلغة اليوم بالنظريّة، يصل إلى نظريّة قرآنيّة عن التوحيد، نظريّة قرآنيّة عن النبوّة، نظريّة قرآنيّة عن المذهب الإقتصاديّ، نظريّة قرآنيّة عن سنن التأريخ … و هكذا.

وكما تعلمون، في هذا العصر، في كثير من الأمور الثقافيّة و الاجتماعيّة و السياسيّة و الحكوميّة، و في حقل العلم و البحوث العلميّة، كالعلوم الإنسانيّة و الدراسات الاجتماعيّة من منظور إسلامي، يمتنع أن يحلّ الإفتاء والفتوی، بمعناهما التقليدي، محلّ النظرة المنظوميّة و النظريّة الإسلاميّة، بمعناها الفنّي المضبوط. فبدلاً عن «الإفتاء و التقليد»، في تلك الحقول و الموارد، نستفيد من «التنظير و التطبيق»، أي التنظير الإسلامي و تطبيق النظريّات الإسلاميّة في الحياة الإنسانيّة و كلّ ما يرتبط بها، من عمق وجود الإنسان و نفسه و باطنه إلی الأنظمة الاجتماعيّة و الدولة و الحضارة. (انظر: كتاب «ما هو الاجتهاد»، ص 50.)

 

معطيات منهج الموضوعي الاستنطاقي

أمّا بالنسبة إلی معطيات هذا المنهج التفسيري، فمن الواضح جداً أنّ للمنهج الموضوعي الاستنطاقي في التفسير معطياتِه الكبيرة، منها:

  1. اكتشاف النظريّات القرآنيّة و الإسلاميّة؛ يقول الشّهيد الصّدر و هو يتحدّث عن هذا المنهج: «و هذا هو الطريق الوحيد للحصول على النظريّات الأساسيّة للإسلام و القرآن تجاه موضوعات الحياة المختلفة».
  2. الاستعانة بالتجربة البشريّة؛ يقول الشّهيد الصّدر و هو يحدّد أدوات التفسير: «أن ي ستوعب – يعني المفسِّر – ما أثارته تجارب الفكر الإنسانيّ حول الموضوع محل البحث من مشاكل، و ما قدّمه الفكر الإنسانيّ من حلول، و ما طرحه التطبيق التاريخيّ من أسئلةٍ و من نقاط فراغ، ليطرح بعد ذلك بين يدي النص موضوعًا جاهزًا مشرّباً بعددٍ كبيرٍ من الأفكار و المواقف البشريّة». و يقول: «و من هنا كانت نتائج التفسير الموضوعيّ نتائج مرتبطة دائمًا بتيّار التجربة البشريّة».
  3. التجديد و الإبداع: يقول الشّهيد الصّدر و هو يتحدّث عن المزيّة الحيويّة لهذا المنهج في كونه «القادر على التجدّد و الإبداع باستمرار، باعتبار أنّ التجربة البشريّة تغني هذا التفسير بما تقدّمه من موادٍ تُطرح بين يدي القرآن الكريم لكي يستطيع هذا المفسّر أن يستنطق أجوبته عليها».

و هنا أرغب أن أؤكد علی أنّ من أهمّ تجلّيّات الإبداع الصّدري في مجال التفسير الموضوعيّ هو التأسيس العلميّ لمنهج التفسير الموضوعيّ؛ ربّما سبقت الشّهيد الصّدر محاولاتٌ في التفسير الموضوعيّ، فوجدنا مَن تناول عناوين و موضوعات قرآنيّة و قد أطلق على ذلك «التفسير الموضوعيّ» كونه يعالج موضوعًا معيّنًا واحداً.

إلّا أنّ هذه الكتابات لم تؤسَّس لمنهج تفسيريّ له مكوّناته و صفاته و ملامحه و أدواته، كما هو مشروع الشّهيد الصّدر، ثمّ إنّ هذه الكتابات لم تحاول أن تكتشف نظريّات قرآنيّة، بقدر ما هو تجميعٌ و فهرسة للآيات القرآنيّة ذات الصّلة بالعنوان الواحد، و ربّما تقدّمت بعض الكتابات أكثر من ذلك في استنتاجاتها و معالجاتها (يقرأ؛ المدخل إلى التفسير الموضوعيّ للدكتور عبد الستّار فتح الله (1986))، بينما تجاوز الشّهيد الصّدر عمليّة التجميع و الفهرسة و الاستنتاجات العاديّة و المعالجات السريعة إلى اكتشاف النظريّة القرآنيّة.

 

تطبيقات لمنهج الموضوعي الاستنطاقي من قِبل الشهيد الصدر؟ق؟

أمّا الشهيد الصدر؟ق؟ مااكتفی بالتأسيس العلميّ لمنهج التفسير الموضوعيّ فحسب، بل مارس تطبيقاتٍ لهذا النوع من المنهج التفسيري بشكلٍ مستقل أو من خلال أبحاثه الأخرى، كالتالي:

  1. دراسات اجتماعيّة:

«خلافة الإنسان و شهادة الأنبياء»، و «الإنسان المعاصر و المشكلة الاجتماعيّة» و «السّنن التأريخيّة في القرآن الكريم».

  1. دراسات اقتصاديّة و مصرفيّة:

حاول الشهيد الصّدر أن يطبّق منهجه التفسيريّ في دراساته الاقتصاديّة و المصرفيّة؛ «اقتصادنا» حيث حاول اكتشاف النظريّة الاقتصاديّة في الإسلام، و تناول عناوين كثيرة (الملكيّة/ الإنتاج/ التوزيع): «الصورة الكاملة للاقتصاد في المجتمع الإسلاميّ»، «البنك اللاربويّ في الإسلام» و «الأسس العامّة للبنك الإسلاميّ في المجتمع الإسلاميّ».

  1. دراسات حول نظريّة الشّورى، و نظريّة ولاية الفقيه.

و دراسات أخرى انعكس تأثير المنهج التفسيريّ عليها. و يمكن للمتتبّع لكتابات الشّهيد الصّدر المتنوّعة أن يكتشف هذه المنهجيّة العلميّة التي مارسها السيد الشّهيد ممّا أعطى لنتاجاته الفكريّة دوراً تأسيسيّاً واضحاً.

*******

و بحمد الله و المنّة، إلی هنا و في هذه الجلسة، تكلّمنا بصورة إجماليّة، عن التفسير الموضوعي الاستنطاقي، و عن منهج الشّهيد الصّدر التفسيريّ الذي حرّك أسلوباً يعتمد لغة البحث العلميّ الأكاديميّ في معالجة المفاهيم القرآنيّة و المفاهيم الإسلاميّة.

أمّا تطبيق هذا المنهج التفسيري علی المرأة كموضوع عامّ و المسائل المرتبطة بها، بعنوان أنّها موضوع واقعيٌّ، للتوصّل إلی نظرية كاملة و رؤية شاملة عن المرأة و قضاياها من وجهة نظر الإسلام فيحتاج إلی فرصة أخری، كما أشرت إليه في بداية البحث.

 

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×