تأثير البناء العلمي في الشخصية القيادية عند السيدين
تأثير البناء العلمي في الشخصية القيادية عند السيدين
مع العلامة الأستاذ سماحة الشيخ حسين المعتوق* “حفظه الله”.
التغطية المصورة:
التغطية الصوتية:
التغطية المكتوبة:
استضاف منتدى السيدة المعصومة الثقافي بمدينة قم المقدسة ضمن برنامج الملتقى الأسبوعي العلامة الأستاذ سماحة الشيخ حسين المعتوق “حفظه الله”* بتاريخ07 أكتوبر 2026 في جلسة ومحاضرة بعنوان: تأثير البناء العلمي في الشخصية القيادية عند السيدين.
البناء العلمي والفكري في شخصية السيد حسن نصر الله والسيد هاشم صفي الدين
البناء والعمق العلمي للسيد حسن نصر الله
أبدأ بالكلام عن سماحة سيّد شهداء الأمّة والمقاومة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه)، ومن ثمّ أتكلّم عن شخصيّة سماحة السيّد المجاهد السيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله تعالى عليهما)؛ ففيما يخصّ مستوى البناء العلميّ لسماحة السيّد حسن، أنهى سماحته في سنة 1980م مباحثة الحلقة الثالثة[1] مع العالم الجليل المحقّق آية الله الشيخ جواد مروي (حفظه الله تعالى)، والشيخ مطّلع تماماً على مستواه العلميّ، كما أنهى السيّد قبل ذهابه إلى النجف الأشرف في السبعينيّات دراسة كتاب «أصول الفقه» للشيخ محمّد رضا المظفّر[2] في لبنان، وكان زميله في تلك المرحلة الشهيد السعيد الحاجّ عماد مغنيّة (رضوان الله تعالى عليه)، وقد أراد الذهاب معه إلى النجف الأشرف، إلّا أنّ مشكلةً في جواز السفر حالت دون ذلك فبقي في لبنان، في حين اتّجه سماحة السيّد (رضوان الله تعالى عليه) إلى النجف الأشرف.
واهتمّ السيّد اهتماماً بالغاً بالبحث العلميّ؛ إذ إنّ الطبيعة الذهنيّة للإنسان تؤثّر في سرعة فهمه وإدراكه، ولم ينقطع عن البحث العلميّ حتّى أواخر أيّامه، وكانت ذاكرته الأصوليّة قويّةً جدّاً، حيث كنّا نجلس في خدمته أحياناً من بعد صلاة المغرب حتّى الساعة الثانية أو الثالثة ليلاً، فنقضي ساعةً في الحديث عن المستجدّات والأحداث، ونمضي بقيّة الوقت في المباحثة العلميّة، وكان يستمع إلى دروس السيّد القائد كاملةً، فإذا تشرّفنا بلقائه قرّر أبحاث السيّد القائد، وشرح ما سمعه منه، وعلّق على كلامه، كما استمرّ في المباحثة العلميّة داخل لبنان مع عدد من الشخصيّات، منهم: سماحة العلّامة الجليل السيّد علي حجازي، وسماحة الشيخ مالك وهبي، وسماحة السيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله تعالى عليه)، وغيرهم من العلماء، مواظباً على ذلك حتّى خلال تحمّله للمسؤوليّات والمهامّ القياديّة.
تنبيه: أُشير هنا إلى أنّ سماحة السيّد توفّر له وقتٌ للبحث العلميّ طوال تلك المدّة؛ لأنّ إدارة الأمور التنفيذيّة في السنوات الأخيرة كانت موكلةً إلى السيّد هاشم (رضوان الله تعالى عليه)، وأذكر أنّني كنت في خدمته قُبيل تحرير الشهيد السعيد سمير القنطار، فذكر لي أنّه لا يملك تفاصيل الإجراءات التنفيذيّة، وأنّ الأمر كلّه في عهدة السيّد هاشم، وأنّه يتابع تفاصيل ذلك عبر التلفاز كغيره، وهذا التفرّغ أتاح له وقتاً كافياً للدراسة والتحقيق؛ حتّى بلغ اطلاعه الفقهيّ والأصوليّ والفلسفيّ وفي علمي الحديث والرجال أعلى المستويات، وأستطيع الجزم بذلك تماماً.
والحاصل: أنّ سماحة السيّد لم يكن قد بلغ مرتبة الاجتهاد فحسب، بل كان في أعلى درجاته، غير أنّه لم يكن يبتغي إظهار ذلك أو التصرّف على هذا الأساس، وكان كثيرٌ من الفضلاء الذين يلتقون به يتفاجؤون بمتانة مستواه العلميّ، ومن ذلك جلسةٌ جمعته بأحد كبار الفضلاء المختصّين بعلمي الرجال والحديث، أثار خلالها سماحة السيّد مسألة روايات الواقفة[3] في مصادرنا الحديثيّة.
وهل روايات الواقفة[4] رُويت عنهم قبل الوقف أم رُويت بعده؟ ووجه الترديد في ذلك: أنّ بعض الواقفة قبل طروّ الوقف عليهم كانوا ثقاتٍ بلا إشكال، من قبيل عليّ بن أبي حمزة البطائني[5]، وعثمان بن عيسى الرواسي[6]، وزياد بن مروان القندي[7] وغيرهم؛ فلا ريب في وثاقتهم حال الاستقامة، وإنّما وقع الكلام والبحث في وثاقتهم واعتبار مرويّاتهم بعد طروّ الوقف، إذ كان لهؤلاء حالتان: حالة استقامة، وحالة انحراف[8].
وكان سماحة السيّد (رضوان الله تعالى عليه) يرجّح أنّ أغلب الروايات التي نُقلت عن الواقفة إنّما رُويت في حال استقامتهم قبل الوقف، ولم تكن بعده. وممّا يشهد لرسوخ باعه العلميّ أنّه علّق في غضون أسبوعٍ واحدٍ على دراسةٍ رجاليّةٍ تقع في نحو أربعمائة صفحة، مبيّناً وجهة نظره بدقّةٍ بالغةٍ في المناقشات السنديّة؛ فكان من الوجهة العلميّة يُعدّ عالماً جليل القدر حقّاً.
وفي إحدى المرّات قلت لسماحته: «سيّدنا، لمَ لا تكتب وتؤلّف حتّى يظهر فضلك ومستواك العلميّ؟»، فأجابني: «أنا لست بناقص حضور؛ إذ إنّني الآن أمينٌ عامّ، ومسؤوليّاتي تملأ وقتي بالخطاب والعمل، فتريدني مع ذلك أن أكتب؟ لست مستعدّاً لهذا الأمر». فلم يكن من مقاصده إبراز مقامه العلميّ أو تقديم نفسه بصفته محقّقاً وعالماً، بالرغم ممّا أوتيه من وفير العلم وغزارة الاطّلاع.
زهد الظهور العلمي لسماحة السيد حسن نصر الله.
وهذا الموقف يذكّرني بشخصيّةٍ أخرى أذكرها عرضاً، وهي سماحة الفقيه الكبير آية الله الشيخ محمد مهدي الآصفي[9] (رضوان الله تعالى عليه). فإنّ الشيخ الآصفيّ عندما كان يحضر أبحاث السيّد الخوئيّ (قدّس سرّه) كان يتباحث في تلك البحوث مع سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (حفظه الله)، وكان زميله ومباحثه الخاصّ، وكانت ذاكرته الفقهيّة والأصوليّة متوقّدةً وقويّةً جدّاً؛ بيد أنّه كان يأبى إبراز علمه إذا استشعر أنّ في ذلك ظهوراً لذاته، حتّى إنّ من يجالسه قد يتصوّر أنّه خالٍ من الفضل أو قليل الاطّلاع. وقد شهدتُ بنفسي حينما كنّا في اجتماعٍ للمجمع العالميّ لأهل البيت مع سماحة آية الله العظمى السيّد السيستاني (دام ظلّه) مدى ما كان يُكنّه السيّد للشيخ الآصفيّ من احترامٍ خاصٍّ ومميّز، فالشيخ عَلَمٌ معروف، لكنّه لم يكن يسعى لإظهار نفسه قطّ.
وممّا يُذكر في هذا المضمار أنّه طُلب في المجمع العالميّ لأهل البيت أن يفتح الشيخ الآصفيّ مكتباً خاصّاً باسمه مستقلاًّ، لا بعنوان كونه ممثّلاً لسماحة السيّد القائد، بل كان بعض الأفاضل يميلون إلى طرح مرجعيّته؛ ولمّا كان الشيخ راقداً في مستشفى «خاتم الأنبياء» وطُلب أخذ موعدٍ منه للبدء بهذه الإجراءات، قال: «أنا لست بباقٍ، أنا لست بباقٍ»، ورفض الدخول في شيءٍ من ذلك ألبتّة. وحين خيّره الطبيب وطلب منه الاقتصار على درسٍ واحدٍ نظراً لظرفه الصحيّ، وكان يُلقي حينها بحث الخارج[10] في الفقه وبحث الخارج في الأصول إلى جانب درس التفسير، آثر درس التفسير واختاره دون غيره؛ مع أنّ درس الفقه والأصول في العرف الحوزويّ هو الذي يُبرز مكانة العالم وشخصيّته، إذ لم يكن الشيخ راغباً في إبراز نفسه إطلاقاً.
وكان الشيخ الآصفيّ دقيقاً في البحث والتحقيق؛ ولأجل ذلك لم يكن يقنع بأغلب ما طالعه في علامات الظهور، باستثناء ما رقمه سماحة العلاّمة الجليل آية الله الشيخ نجم الدين الطبسي[11]، إذ كان يرى أنّ بحثه علميٌّ رصينٌ يستحقّ العناية، وكان يتابعه باهتمامٍ بالغٍ حين كان يرسله إليه سماحة الشيخ في كرّاساتٍ قبيل طباعتها، وكان يقرّر قائلاً: «يجب أن نبحث في علامات الظهور أوّلاً بالاستناد إلى الروايات المعتبرة، ولا يصحّ أن نجمع بين الغثّ والسمين ونسير على ذلك في شأن علامات الظهور».
وحتى انطباق عنوان «الخراساني»[12]، وقد سمعتُ منه هذا الكلام، لم يكن يقبل تطبيقَ هذا العنوان على سماحة السيّد القائد (دام ظلّه)، إذ كان يقول: إنّه ليس لدينا دليلٌ على انطباق عنوان الخراسانيّ على سماحة القائد، مشدِّداً على وجوب مراعاة موازين البحث العلميّ. وكذلك في فترةٍ من الفترات كان البعض يدّعي أنّ السيّد اليمانيّ[13] هو السيّد حسن، فكان ينكر ذلك بشدّة، ملتزماً بالموازين العلميّة الدقيقة في هذا المضمار، حيث قاد الأمّة بوصفه عالماً ومحقّقاً في فكرها وثقافتها.
الروافد الفكرية والروحية لصياغة الشخصية القيادية
ولم يكن دور سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه) مقتصراً على الجانب السياسيّ أو العسكريّ، بل كان الشخصيّة الثانية بعد السيّد القائد في التأسيس للحضارة الإسلاميّة المعاصرة؛ إذ ساهم في بناء المؤسّسات الحضاريّة داخل لبنان وخارجه، وأوجد رؤيةً متكاملةً في المجالات الاجتماعيّة والثقافيّة والعقائديّة، واستطاع من خلال هذه الرؤية قيادة الأمّة وتقديم شرحٍ دقيق وفهمٍ عميق للإسلام، حيث كان شديد العناية باستيعاب الإسلام الحقيقيّ، وتأثّر في ذلك بشخصيّاتٍ بارزة تركت بصمتَها الجليّة في فكره منذ صغر سنّه.
فعندما كان في النجف الأشرف، كان سماحة السيّد الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه) يجتمع ليليّاً في بيته المتواضع بمقبرة الغريّ في غرفةٍ علويّة للإجابة عن الأسئلة، فكان سماحة السيّد حسن نصر الله حريصاً على الحضور في كلّ ليلة في محضر السيّد الشهيد، فتكوّن جزءٌ من ثقافته وفهمه للإسلام من خلال تلك الجلسات المباركة، وكان يقول عن السيّد الشهيد: لم أرَ في حياتي عالم دينٍ ولا طالب علمٍ بتواضع السيّد الشهيد الصدر.
وينقل العالِم المجاهد السيّد محمود الخطيب[14]، الذي رافق السيّد الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه) في آخر اثنتي عشرة سنة من عمره الشريف، أنّه حين عمّم السيّدُ الشهيد الصدر سماحةَ السيّد حسن ولم يكن قد بلغ عشرين سنة من عمره بعد، ذكر للسيّد محمود أنّه يتوسّم فيه معالم الشخصيّة القياديّة منذ تلك الفترة المبكّرة.
والخلاصة: إنّ سماحة السيّد تميّز بوعيٍ قرآنيّ فريد ودقّةٍ بالغة في فهم آيات القرآن الكريم ودلالاتها، كما امتلك مبنىً أصوليّاً متيناً وذاكرةً أصوليّةً حاضرة، وقدرةً فائقة على الاستنباط الفقهيّ، إلى جانب تمكّنه الاستثنائيّ من علم الحديث وتتبّعه الدقيق لمسائله؛ ولم يقتصر على المباحثة والتدريس فحسب، بل واظب على القراءة المستمرّة والاطّلاع الواسع، ممّا انعكس جليّاً على قيادته للأمّة. وكانت الشخصيّة الأولى ذات التأثير العلميّ والفكريّ المباشر عليه هي السيّد الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه)، في حين كان تأثّره بسماحة السيّد موسى الصدر مرتبطاً بجاذبيّة شخصيّته العامّة لا من الناحية العلميّة.
وقد كان تأثّره بسماحة السيّد موسى الصدر[15] من جهة جاذبيّة شخصيّته العامّة ومكانته؛ إذ كان يصلّي بمعيّة والده خلفه قبل هجرته إلى النجف الأشرف، غيرَ أنّ الشخص الذي صاغ وعيه الفكريّ وترك بصمته العميقة في بنائه العلميّ — مع أنّه لم يكن في تلك الحقبة قد انخرط في مرحلة بحث الخارج[16] عنده — هو السيّد الشهيد الصدر[17] (رضوان الله تعالى عليه). وأمّا الشخصيّة الثانية التي أثّرت في فكره تأثيراً كبيراً جدّاً، فهي شخصيّة الإمام الخمينيّ (رضوان الله تعالى عليه)؛ حيث عكف سماحة السيّد على تتبّع فكره ودراسة أطروحاته ومتابعتها بدقّة واستيعاب.
يقول سماحة السيّد: إنّه حين وفوده إلى قم المقدّسة، كان يسعى للجلوس مع أهل المعرفة والسلوك للوقوف على حقيقة العرفان الواقعيّ الأصيل، غيرَ أنّه لم يقتنع بكلام كثيرٍ منهم، وقد حضر درساً عرفانيّاً واحداً لم يُتح له الاستمرار فيه؛ إذ طُلب من الحاضرين التأمّل والتفاعل الروحيّ مع مضامين ذلك الدرس مدّة شهرٍ كامل قبل نيل الدرس الثاني، وحين حان موعده كان تكليفه الشرعيّ والعمليّ قد تعيّن بالرجوع إلى لبنان. ويذكر سماحته أنّه حاول بعد ذلك فهم حقيقة العرفان من خلال مدرسة الإمام الخمينيّ، فخرج برؤية ناصعة للعرفان الأصيل الذي طرحه الإمام. ولأنّ الإمام الخمينيّ كان يُثني على آية الله العظمى الشيخ بهجت[18] ثناءً عظيماً، كان سماحة السيّد بدوره متأثّراً جدّاً بالشيخ بهجت؛ فكان حريصاً على فهم الرؤية العرفانيّة الحقيقيّة وتطبيقها عمليّاً ونشر ثقافتها، وسرى هذا التأثير العلميّ والروحيّ إلى من حوله حتّى استطاع تكوين جيلٍ رساليّ في هذا المجال.
أمّا الشخص الآخر الذي تأثّر به تأثّراً بالغاً وشديداً جدّاً، فهو سماحة الإمام السيّد علي الخامنئيّ (حفظه الله)؛ فكان ينقل عنه كرامات إلهيّة كثيرة.
ومثال ذلك: أنّه قبيل عام 2000م، قصدوا أداء صلاة المغرب خلف سماحة القائد في وقتٍ لم يكن يلوح فيه في الأفق أدنى مؤشّرٍ سياسيّ أو عسكريّ أو أمنيّ على انسحاب الصهاينة من لبنان، غيرَ أنّ السيّد القائد التفت إلى المجاهدين عقب الصلاة — على خلاف عادته المعهودة — وقبّل رؤوسهم، وقال لهم: «ستشهدون جميعاً انسحاب الصهاينة من جنوب لبنان»، فتلقّى سماحة السيّد هذه الفكرة تسليماً وتعبّداً ونقلها إلى المجاهدين، وتحقّق الانسحاب بالفعل في عام 2000م.
وينقل سماحة السيّد هاشم صفيّ الدين[19] (رضوان الله تعالى عليه) أنّ ما عاينوه من الكرامات الإلهيّة وصدق الحديث في أمورٍ متعدّدة غرس في نفوسهم اليقين والإيمان بكلّ ما يطرحه السيّد القائد؛ وقد امتدّ أثر السيّد القائد في شخصيّة السيّد حسن ليشمل الجانبين العلميّ والفكريّ؛ إذ كان حريصاً على متابعة دروسه وخطاباته خطاباً بخطاب ودراستها بدقّة، لاسيّما وأنّ السيّد القائد استطاع خلال هذه الثلاثين سنة أن يشرح الإسلام ويقدّمه برؤية استيعابيّة متكاملة جدّاً، وهي الرؤية ذاتها التي تبنّاها سماحة السيّد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه)، حيث كان تعلّقه بسماحة القائد تعلّقاً استثنائيّاً.
في فترةٍ من الفترات جرى بيننا حديثٌ عبر الهاتف حول سماحة آية الله العظمى السيد محمود الهاشمي[20]، وتناول الحديثُ مسائلَ متعددة، فذكرتُ له فيما ذكرت: إنَّ ثَمَّةَ من يقول في إيران إنَّ الشخصية المؤهلة للقيادة بعد سماحة القائد هي السيد محمود. وكان عشقُ سماحة السيد نصر الله للسيد القائد عشاقاً استثنائياً ناشئاً من عميق معرفته به؛ فقد كانت لوعتُه وآهاتُه التي يضمرها لا يُبديها لأحد، فكان الشخصَ الوحيدَ الذي يلجأ إليه عند اشتداد الخطوب ليشكوَ إليه همومَه ويبكيَ في حضرته هو السيد القائد (حفظه الله). حتى إنه نقل له في إحدى المرات طرفاً من ذلك، فخاطبه القائدُ قائلاً: «ما زلتَ شاباً يا سيدنا»، ثم أردف: «إنَّ الله يعلم كلَّ شيء وبيده كلُّ شيء، ولكنه يحبُّ أن يخاطبَه عبدُه، فاذهب وخاطب الله تبارك وتعالى». فكان السيد يقول: انتبهتُ حينها إلى نفسي؛ لمَ لا أصنع هكذا وأسأل الله عزَّ وجلَّ؟! فصار ديدني كلَّما حلت بي معضلةٌ أن أتكلم مع الله سبحانه، فأرى المشاكلَ تُحَلُّ ببركة ذلك التوجه.
الفهم الغيبي ومعادلة النصر والتضحية
ومن الخصائص التي ميَّزت رؤيتَه العلميةَ والروحيةَ معاً، الإيمانُ الاستثنائيُّ بالغيب؛ فقد كان فهمُه الغيبيُّ متجذراً، مقترناً بإيمانٍ راسخ بمقام أهل البيت المعصومين (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) وتعلُّقٍ عظيم بهم؛ حتى إنه في أحيانٍ كثيرة حين تحول ظروفُه دون الاستماع المباشر لمجالس عزاء الإمام الحسين (عليه السلام)، كان يستمع إلى التسجيلات الصوتية وينتحب على مصاب أبي عبد الله (عليه السلام). فلم يكن يفسِّر الوقائعَ تفسيراً مادياً صِرفاً، بل بمنظارٍ غيبيٍّ، حتى كان كثيرٌ ممن يجلسون إليه يعجبون ويقولون: أيعقل أن يتحدثَ رجلُ سياسةٍ بهذا المنطق الروحي؟! وكان يقول: قد ثبت عندي أنَّ آية الله بهاء الديني[21] (رضوان الله تعالى عليه) تشرَّف بلقاء الإمام صاحب الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف) قبل وفاته بأسبوع، وثبت عنده كذلك تشرُّفُ آية الله بهجت[22] (رحمه الله) بلقاء الإمام الحجة (عليه السلام)، وكان يعقِّب بأنَّ هذا الأمر بالغُ الأهمية، ويفتح أفقاً واسعاً لإدراك دور الإمام الحجة (عليه السلام) وتدبيره في زمن الغيبة؛ إذ كان يشدد على ضرورة استحضار وجود صاحب الزمان ودوره الفاعل في حركتنا الجهادية، وأنَّ قائدَ المسيرة في واقع الأمر هو الإمامُ المهديُّ (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
ومثال ذلك: ما جرى حين زار سماحةُ السيد محمد الحيدري[23] (حفظه الله) لبنانَ والتقى بالسيد، فقال له: إننا نتداول التفكيرَ في مرحلة ما بعد سماحة السيد السيستاني (حفظه الله)، فأجابه السيد حسن: أنا شاطرتُك هذا الهاجس، وفاتحتُ السيد القائد في هذا الشأن، فقال لي سماحة القائد: نحن نؤمن بصاحب الزمان وبوجوده، وهذا الأمر ليس بيدي ولا بيدك، بل مرجعُه إلى صاحب الزمان (عليه السلام). وذكر السيد حسن للسيد الحيدري: أنني منذ ذلك الحين رفعتُ يدي عن الخوض في ملف المرجعية؛ إذ هو موكولٌ إلى الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
والحاصل: أنَّ هذه الرؤيةَ العقائدية المتكاملة تُمثِّل ركيزةً محوريةً في مسار الأمة؛ فقد كان السيد يقول: إنَّ ما شاهده مجاهدونا من آيات الله في ساحات الوغى رسَّخ في نفوسهم عقيدةً لا تتزعزع، وكان يقرِّر أنَّ النتائج المتحققة في معاركنا كانت في الغالب أعظمَ بكثير من المقدمات المادية المتاحة، ولم تكن دونَها أو مكافئةً لها قط، وهذا برهانٌ ساطع على التدخل الغيبي والتأييد الإلهي.
فإن قيل: كيف يلتئم هذا المعنى مع ما نزل بالأمة من نوازل وفواجع، وألم يقل السيد شهيد الأمة: «جاء زمن الانتصارات وولّى زمن الهزائم»[24]؟!
فالجواب: إننا نؤكد جازمين أنه قد ولى زمنُ الهزائم وأقبل زمنُ الانتصارات حقاً، بيد أنَّ معادلة الانتصار تكافئ معادلة التضحية وتلازمها؛ إذ لا قيامَ لنصرٍ مؤزرٍ دون بذلٍ وفداء، وسنةُ التضحية سنةٌ إلهيةٌ عامة لا يُستثنى من استحقاقها حتى قادةُ الأمة وأولياؤها.
التضحية؛ فقد ضحّى أعظم قائد في عصره الإمام الحسين (عليه السلام) بنفسه وبوجوده، وأعظم قائد قبله الإمام الحسن (عليه السلام) ضحّى بنفسه من خلال السّمّ، وأعظم قائد قبله أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي استُشهد في محراب العبادة، وأعظم قائد قبلهم أجمعين هو رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، الذي يقول عنه عبد الله بن مسعود فيما رواه أحمد بن حنبل: «لَأَنْ أَحْلِفَ تِسْعاً أَنَّ رَسُولَ اللهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ) قُتِلَ قَتْلاً، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً أَنَّهُ لَمْ يُقْتَلْ»[25]؛ فالتضحيات هي مسيرة الأنبياء، ومسيرة الأولياء، ومسيرة المعصومين، ومسيرة الشهداء الذين انتصرت بهم الأمة على مدار التاريخ.
والحاصل: إنَّ التضحيات ليست معلماً من معالم الهزيمة بوجه؛ قال تبارك وتعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ [سورة البقرة: 155 – 157]؛ فهذه المسيرة إنَّما هي مسيرة الانتصار بالتضحية، وليست مسيرة الانتصار بالأدوات المتعارفة أو بالتحكّم عن بعد، بل هي مسيرة العطاء والانتصار ببذل النفس، وتمييز المؤمنين الصالحين من المنافقين، وبهذا المعنى يتحقّق الانتصار؛ إذ يفتقر النصر إلى دماء هؤلاء العلماء والصلحاء، ويحتاج إلى دماء السيّد القائد، ودماء السيّد حسن، ودماء السيّد هاشم، ودماء الشيخ نبيل، ودماء الحاجّ قاسم؛ إذ لا مناص من بذل الدماء الزاكية حتى يتحقّق الوعد الإلهي.
وكان سماحة السيّد (رضوان الله عليه) يتميّز بعمق الفهم الغيبيّ، وله عناية فائقة بذكر الله عزّ وجلّ، وبالأدعية وتحرّيها؛ إذ كان مشغوفاً بها على نحوٍ استثنائيّ، حتى نُقل عنه في أيّام تواريه المكانيّ أنّه كان يقول: «أنا لا أنام ثلاث ساعات، وما يسعني أن أوفّق لثلاث ساعات»، بيد أنّ هذه الساعات الثلاث لم تكن لتعطّل عنده صلاة الليل، ولا لتشغله عن المناجاة، ولا لتلغي كونه شخصيّةً إلهيّةً فريدة؛ ومن هنا كان آية الله العلّامة الشيخ مصباح اليزدي (رحمه الله) — وهو الذي عرفه عن قُرْب — يقول: «أنا أحتقر نفسي وتديّني أمام سماحة السيّد حسن (رضوان الله تعالى عليه)».
المحطة العلمية والثقافية للسيد هاشم صفي الدين
وأمّا ما يتعلّق بسماحة السيّد هاشم صفيّ الدين (رضوان الله تعالى عليه)، فقد كان كذلك إبّان وجوده في قم المقدّسة من الشخصيّات العلميّة التي واظبت على البحث والدرس، وتأصّل لديها المنهج العلميّ الرصين؛ حيث أمضى في التعلّم سنواتٍ طوالاً، وكانت أكثر الشخصيّات التي تأثّر بها علميّاً في الفقه والأصول هو سماحة آية الله العظمى الميرزا جواد التبريزي (رضوان الله تعالى عليه)[26]؛ إذ كان من تلامذته، ولازم درسه مدّةً مديدة، كما حضر في الوقت ذاته درس سماحة آية الله العظمى الشيخ الوحيد الخراساني (دام ظلّه)[27]، غير أنّه كان أشدّ تفاعلاً وانجذاباً إلى مباحث الميرزا جواد التبريزي (رضوان الله تعالى عليهما).
والأمر الآخر: هو عنايته الفائقة بالجانب الثقافيّ؛ ومثاله البارز: تأسيس «جمعية المعارف الإسلامية الثقافية» في لبنان ورعايتها؛ حتى ليصحّ لنا القول اليوم: إنّ جمعيّة المعارف أضحت منارةً لا نظير لها في عالمنا المعاصر، وهي مؤسّسةٌ انتفعنا بباكورة إصداراتها يوم نشأتها، ثمّ نمت وتطوّرت على مَرّ الأيّام. وكان من جملة مساعيه الدؤوبة — التي استفرغت شطراً وافراً من وقته في سبيل بثّ هذا الفكر الإسلاميّ الأصيل بين صفوف المؤمنين والمجاهدين — اهتمامه البالغ بالبحث في مضامين «نهج البلاغة»؛ إذ انكبّ عليه اعتناءً وتدبّراً، ولم يكن تناوله له جارياً على الأنماط المعهودة من الوقوف عند الغريب اللغويّ، واستعراض المصطلحات البيانيّة، ونحو ذلك، بل كان همّه منصبّاً على استجلاء مرامي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومقاصده؛ انطلاقاً من كونه شخصيّةً إلهيّةً تربويّةً نهضت بتزكية الأمّة وإكمال الدور النبويّ الخالد؛ أليس ذلك مصداق قوله تعالى: ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سورة الجمعة: 2]؟!
كان يعتقد أنَّ فهمَ كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ركنٌ أساس في تقويم المسيرة الإيمانية والإلهية؛ ولم يكن غرضُه من مدارسته الاستزادةَ في التأليف والتصنيف، فلم يكن الداعي إلى دراسة نهج البلاغة[28] تصنيفَ كتابٍ أو تسويدَ شرحٍ له على غرار ما يصنعه كثيرٌ من المصنِّفين، وإنَّما كان هدفه استكناهَ حقيقة الإسلام الأصيل كما جلّاها وطرحها أميرُ المؤمنين (عليه السلام)، فكان يوجّه عنايته إلى هذا المطلب تركيزاً تامّاً.
ولاية الفقيه والرؤية الاستيعابية في إدارة الأمة
ومن المسائل الأصول: التي كان يعتقد بها أيضاً، أنَّ مسألة ولاية الفقيه[29] لم تُطرح بالطريقة المناسبة في كثير من المحافل الفكرية والأوساط الثقافية. وفي هذا المضمار، أنقل مقطعاً مهمّاً لسماحة آية الله العلامة الشيخ عبد الهادي الفضلي (رضوان الله تعالى عليه)[30]، حيث ذكر أنَّ جلسةً كانت تجمعُه مع السيد الشهيد الصدر، والسيد محمد باقر الحكيم، والسيد مهدي الحكيم، والشيخ محمد مهدي شمس الدين، والسيد محمد حسين فضل الله؛ لتدارُس شؤون الأمة الإسلامية ومتابعتها؛ ونقل أنَّ المرجع السيد محسن الحكيم لم يكن لديه إشكالٌ في أدلة ولاية الفقيه من حيث المبدأ، وإنَّما كان مدار التساؤل والبحث حول كيفية قيادة الفقيه للأمة على الصعيد العملي، لا سيّما بعد أن تعقّدت الأوضاع عقب ثورة العشرين، وما أعقبها من إجبار العلماء على اعتزال الشأن السياسي بعد أن قادوا حركة الأمة وطليعتها.
وكان يرى أنَّ الخصلة الأولى للإمام الخميني (رضوان الله تعالى عليه) هي الإصرار والعناد العلمي الإيجابي في هذه المسألة؛ وأمّا الأمر الآخر الذي تميّز به الإمام، فهو أنَّه طرح ولاية الفقيه وكأنَّه رجلٌ خرج من رحم التاريخ، كأنَّما ينظر عياناً إلى الحسين (عليه السلام) وهو يُقتل، وإلى زينب (عليها السلام) وهي تُسبى، وإلى الأطفال وهم يُشرَّدون، وإلى الخيام وهي تُحرق؛ فعاش هموم الإسلام وآلامه وآماله في صميم وجدانه، وانبثقت رؤيته لولاية الفقيه من تلك الروحية العالية، ولم يكن طرحه مقتصراً على التمسك بمقبولة عمر بن حنظلة[31] ونحوها، بل كان ذلك بُعداً جوهرياً في شخصيته (رضوان الله تعالى عليه).
والحاصل: أنَّ ما يميّز سماحة السيد حسن نصر الله وسماحة السيد هاشم صفي الدين، أنَّهما كانا يسعيان لفهم حقيقة الإسلام ومقاصده، ومعرفة ما يريده الأئمة (عليهم السلام) وما كان يريده أمير المؤمنين (عليه السلام) بدقة. ومن جملة ما كان يطرحه السيد هاشم، ضرورةُ بيان كيف كان العالم قبل ولاية الفقيه وكيف صار بعدها، وكيف كان وضع الأمة قبلها وكيف آل بعدها؛ وكان يتمنّى أن يجد فرصةً للمجيء إلى قم المقدسة لإقامة دوراتٍ ولو لمدة أسبوعين، يشرح فيها فكرة ولاية الفقيه ويبيّنها بطريقةٍ متكاملة.
تنبيه: كان الشيخ الفضلي (رحمه الله) يرى كذلك أنَّ طرح ولاية الفقيه كان طرحاً ناقصاً حين عُزلت عن المنظومة الشاملة للنظام الإسلامي؛ فالحاكم وإن كان صلبَ المنظومة وقِوامها، إلا أنَّها تبقى منظومةً متكاملة الأركان؛ ودستور الجمهورية الإسلامية الذي أشرف على صياغته نخبةٌ من كبار الفقهاء ومراجع التقليد طرح ولاية الفقيه طرحاً متكاملاً بوصفها أساساً للنظام الإسلامي، وليس مجرّد مفردةٍ معزولةٍ ومجرّدةٍ عنه.
وقد واكب هذا المسارَ اهتمامٌ متكاملٌ ببناء وعي الأمّة ورسم معالم فكرها؛ ومن ثَمَّ فإنّ المدارس التي شُيِّدت في لبنان، وسائرَ المؤسّسات الثقافيّة والتنمويّة والاقتصاديّة وما شاكلها، لم تؤسَّس وفق فهمٍ سطحيٍّ أو رؤيةٍ مجتزأة، وإنّما بُنيت على أساس هذه الرؤية الحضاريّة المتكاملة للإسلام، بالاستناد إلى خلفيّةٍ علميّةٍ رصينة، وفهمٍ فقهيٍّ معرفيٍّ عميق لأحكام الدين ومقاصده، وهو الفهمُ عينه الذي ظلّ يؤكّده ويحثّ عليه السيّد القائد الإمام الخامنئي (دام ظلّه).
ومن الشواهد على ذلك: ما كان ينقله سماحة السيّد الشهيد حسن نصر الله (رضوان الله تعالى عليه) بقوله: «نحن لولا الرؤية الاستيعابيّة المتكاملة لسماحة السيّد القائد أين كنّا الآن؟ لكنّا بلا ريب في حال تصادمٍ دائم؛ إذ كان كثيرٌ من مشاريعنا وأنماط تفكيرنا قبل قيادته مشوباً بالنزوع التصادميّ، فبدل أن تسعى التيارات المتديّنة إلى استيعاب بعضها بعضاً واحتواء التباينات، استغرقها الخلاف، فوقفت جماعةٌ في قبال جماعة، وصار المرء يتقرّب إلى الله تبارك وتعالى بالصراع والمحاربة الداخليّة، في حين كانت رؤية سماحة القائد قائمةً على خلاف ذلك تماماً».
ومثال ذلك ما ينقله سماحة الشيخ المروي: متولّي الروضة الرضويّة المقدّسة (حفظه الله تعالى)، إذ يروي أنّه كان مرّةً في مدينة مشهد، ولمّا عاد والتقى بسماحة القائد “قدس سره” بادره بالسؤال: «هل زرتَ فلاناً من العلماء؟» فأجابه الشيخ المروي: يا سيّدنا، إنّ فلاناً هذا يسبّكم وهو مناوئٌ لكم، فقال له القائد: «لا بأس بذلك، امضِ وزُرْه». ويقول الشيخ المروي: إنّني ما زلت مستمرّاً في زيارته والتواصل معه إلى الآن امتثالاً لتوجيه السيّد القائد، مع كونه باقياً على موقفه المعارض للسيّد.
ومن الشواهد التاريخيّة المعروفة أيضاً الموقفُ من السيّد حسن الطباطبائي القمّي (رحمه الله)[32]، حيث استوعبه السيّد القائد في أواخر عمره وأحاطه بكريم رعايته.
ويُضاف إلى ذلك: ما ذكره سماحة الشيخ محمّدي كلبايكاني حين سُئل عمّا يعهده إليه السيّد القائد في بعض الأحيان؛ إذ قال: «ثمّة فئةٌ من المعمّمين لا يسأل عنهم أحدٌ البتّة، ولا يملكون تأثيراً اجتماعيّاً، ولا يمثّلون حالة ضغطٍ علينا، غير أنّهم كانوا في حقبة النظام السابق محسوبين على الشاه، والآن قد كبروا في السنّ، ويأمرني السيّد القائد بمتابعة أوضاعهم، والسؤال عنهم، وقضاء حوائجهم؛ فصرتُ بتكليفٍ مباشرٍ من سماحة القائد أزور عوائلهم وأتفقّدهم واحداً واحداً للوقوف على ما يحتاجون إليه، مع أنّ هؤلاء كانوا محسوبين على أيّام الشاه، وهم الآن معزولون عن الجميع ولا تأثير لهم نهائيّاً في المجتمع، بيد أنّ سماحة القائد يتعامل معهم بهذه الروح الاستيعابيّة الواسعة». ولأجل ذلك كان سماحة السيّد حسن يشدّد دائماً على ضرورة التحلّي بهذه الرؤية الاستيعابيّة.
ومن المصاديق التي ذكرها السيّد نادماً على استعجال الموقف فيها: مسألةُ التطوّرات في مصر؛ حيث استبشر كثيرٌ منّا بسقوط حُكم الإخوان المسلمين، فلمّا التقينا بسماحة السيّد القائد لم يكن هذا رأيه، بل كان يرى أنّ سقوط الإخوان في ذلك الظرف يصبّ مباشرةً في مصلحة الولايات المتّحدة الأمريكيّة؛ قال السيّد: «فاستغفرنا الله عزّ وجلّ على أن كانت لدينا رؤيةٌ تخالف رؤية سماحة القائد». ونظيرُ ذلك ما كان من قضيّة الشيخ صبحي الطفيلي، فعندما قُبلت استقالته، قال لي سماحة السيّد القائد: «لو شاورتُموني لقلتُ لكم تمهّلوا قليلاً».
والحاصل في هذا الباب: ضرورة حماية الكيان القياديّ والتفاني في حفظه، كما قرّره الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر في حديثه عن المرجعيّة الرشيدة: «فيجب الالتفاف حولها، وحماية مصالحها، والذوبان في وجودها العظيم، بقدر ذوبانها في هدفها العظيم، وليست المرجعية الصالحة شخصاً، وإنما هي هدف وطريق»[33].
وقد جسّد سماحة السيّد حسن نصر الله هذا المضمونَ تجسيداً عمليّاً تامّاً، واشتُهر بالتزامه بقاعدة «منجّزيّة الاحتمال»[34] في هذا المجال؛ فكان إذا احتمل رغبة السيّد القائد في أمرٍ ما، عدّ مجرّد الاحتمال منجِّزاً للتكليف في حقّه وبادر إليه، وإذا احتمل أنّ شيئاً لا يرتضيه السيّد القائد كفّ عنه ولم يقربه. وكان يؤكّد دوماً أنّ سرّ الانتصارات وأصلَ أساس الولاية إنّما هو طاعة الوليّ الفقيه، ولذلك كلّما وفد عليه بعض الإخوة من إيران ممّن تعتريهم حالةٌ من التذبذب أو التردّد، شدّد عليهم ولفت أنظارهم بحزمٍ إلى محوريّة الالتزام بولاية الفقيه.
وكانت هذه عبارته لأهل العراق، إذ قال: «إذا أراد إخواننا في العراق خير الدنيا والآخرة، فعليهم أن يكونوا تحت رأي الوليّ الفقيه[35]»، حتّى إنَّه أبلغ إحدى الشخصيّات هذا المضمون مرّةً مستشهداً بالقول: «إنَّ العلاّمة الطباطبائيّ[36] لمّا ورد النجف الأشرف طلب نصيحةً من السيّد عليّ القاضي (رضوان الله تعالى عليه)[37]».
والحاصل: أنَّه (رضوان الله تعالى عليه) كان يشدّد دائماً على لزوم الالتزام بالولاية والارتباط الوثيق بها، مؤكّداً أنَّ الولاية هي سرّ القوّة ومناط الانتصار، وفي ذلك درسٌ بالغ الأهمّيّة.
[1] «دروس في علم الأصول» للشهيد السيّد محمد باقر الصدر، وهي الحلقة العليا من الحلقات الأصولية الثلاث التي وضعها كمنهج دراسي لمرحلة السطوح. — المحقق
[2] يُعدّ كتاب «أصول الفقه» للشيخ محمّد رضا المظفّر (ت 1383هـ) من أبرز الكتب التدريسيّة المعتمدة في الحوزات العلميّة تمهيداً لمرحلة السطوح العالية. — المحقق
[3] الواقفة: هم القائلون بالوقف على إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) وعدم الاعتقاد بإمامة من بعده من الأئمّة (عليهم السلام). وتُعدّ مسألة حجيّة مرويّاتهم قبل الوقف وبعده من المباحث الرجاليّة الدقيقة. يُنظر: جديدي نژاد، محمد رضا. معجم مصطلحات الرجال والدراية. ص 186. — المحقق
[4] الواقفة: فرقةٌ وقفت على إمامة الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام)، فأنكرت وفاته وزعمت أنّه المهديّ القائم، ورفضت الإقرار بإمامة ابنه الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام). — المحقق
[5] عليّ بن أبي حمزة البطائنيّ الكوفيّ: من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم (عليهما السلام)، ثمّ صار من أقطاب حركة الوقف وجاحدي إمامة الرضا (عليه السلام) بعد شهادة الكاظم (عليه السلام). — المحقق
[6] عثمان بن عيسى العامريّ الكلابيّ الرواسيّ: من وجوه الواقفة وشيوخهم، وكان وكيلاً للإمام الكاظم (عليه السلام) بمصر، ويُذكر أنّه تاب بعد ذلك ودفع الأموال للإمام الرضا (عليه السلام)، وقد وثّقه جمعٌ من الأعلام واعتمدت الطائفة مرويّاته. — المحقق
[7] زياد بن مروان القنديّ: كان من وكلاء الإمام الكاظم (عليه السلام)، ومن أركان الواقفة الذين أنكروا شهادته وإمامة الرضا (عليه السلام) استئثاراً بما في أيديهم من أموال الحقوق. — المحقق
[8] يُنظر تفصيل مسألة العمل بروايات الواقفة والتفريق بين حالتي الاستقامة والوقف في: المامقاني، عبد الله. تنقيح المقال في علم الرجال. تحقيق محمد رضا المامقاني، ط1، مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث، 1431هـ، ج 1، ص 493. — المحقق
[9] الشيخ محمّد مهدي الآصفيّ (1357 – 1436هـ): فقيهٌ ومفكّرٌ ومحقّقٌ إسلاميّ، من أبرز تلامذة الإمام الخوئيّ والشهيد الصدر، شغل منصب الأمين العامّ للمجمع العالميّ لأهل البيت، وكان ممثّلاً لقائد الثورة الإسلاميّة في النجف الأشرف. — المحقق
[10] «بحث الخارج»: أعلى مراحل الدراسة في الحوزة العلميّة، حيث يُلقي الأستاذ درسه استدلاليّاً ومقارناً بين الآراء دون التقيّد بمتن كتابٍ معيّن، تمهيداً لبلوغ الطالب ملكة الاجتهاد. — المحقق
[11] الشيخ نجم الدين الطبسيّ (حفظه الله): فقيهٌ ومحقّقٌ وباحثٌ رجاليّ، وأستاذ بحث الخارج في الحوزة العلميّة، عُرف ببحوثه التخصّصيّة في الحديث ودراساته الموسّعة حول القضيّة المهدويّة وعلامات الظهور. — المحقق
[12] الخراسانيّ: شخصيّةٌ ممهِّدة ورد ذكرها في روايات علائم الظهور، يخرج من بلاد المشرق براياتٍ سود نصرةً للإمام المهديّ (عجّل الله فرجه). وتُنظر الروايات في مظانّها من كتب الغيبة والحديث. — المحقق
[13] اليمانيّ: قائد حركةٍ ممهِّدة لظهور الإمام المهديّ (عجّل الله فرجه) يخرج متزامناً مع حركتي السفيانيّ والخراسانيّ، ووُصفت رايتُه في الروايات بأنّها أهدى الرايات لكونها تدعو إلى الحقّ وإلى صاحب الأمر. وتُراجع رواياتُه في مظانّها، ككتاب الغيبة للشيخ النعمانيّ. — المحقق
[14] هو السيّد محمود الخطيب، من تلامذة السيّد الشهيد محمد باقر الصدر وملازميه في النجف الأشرف، وله مرويّات ومذكّرات وثّقت محطّات من سيرته. وتُنظر هذه الواقعة في: العاملي، أحمد عبد الله أبو زيد. محمد باقر الصدر (السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق). ج 3، ص 420. — المحقق
[15] السيّد موسى الصدر (1347 – 1398هـ / 1928 – 1978م): عالم دين ومفكّر إسلاميّ بارز، أسّس المجلس الإسلاميّ الشيعيّ الأعلى في لبنان وحركة المحرومين وأفواج المقاومة اللبنانيّة (أمل)، اختُطف وغُيِّب في ليبيا عام 1978م. — المحقق
[16] بحث الخارج (أو درس الخارج): المرحلة العالية من الدراسات التخصّصيّة في الحوزة العلميّة، وتُعقد بعد إتمام مرحلتي المقدّمات والسطوح؛ حيث يطرح الأستاذ المسائل الفقهيّة أو الأصوليّة بأدلّتها الموسّعة ويناقش آراء الأعلام دون التقيّد بمتن كتاب معيّن، ترسيخاً لملكة الاجتهاد والاستنباط لدى الطالب. — المحقق
[17] آية الله العظمى السيّد محمّد باقر الصدر (1353 – 1400هـ / 1935 – 1980م): فقيه وأصوليّ وفيلسوف ومفكّر إسلاميّ مجدّد، من أبرز مراجع النجف الأشرف، صاحب المؤلّفات التأسيسيّة كـ«فلسفتنا» و«اقتصادنا» و«دروس في علم الأصول»، استُشهد على يد النظام البعثيّ عام 1400هـ. — المحقق
[18] آية الله العظمى الشيخ محمّد تقي بهجت الفومني (1334 – 1430هـ / 1916 – 2009م): من كبار فقهاء الإماميّة ومراجع التقليد في العصر الحديث، عُرف بزهده الشديد ومقامه الرفيع في السلوك العرفانيّ والأخلاق في الحوزة العلميّة بقم المقدّسة. — المحقق
[19] السيّد هاشم صفيّ الدين (1384 – 1446هـ / 1964 – 2024م): عالم مجاهد وأحد أبرز قادة المقاومة الإسلاميّة في لبنان، تولّى رئاسة المجلس التنفيذيّ لحزب الله، واستُشهد إثر غارة صهيونيّة غادرة على الضاحية الجنوبيّة لبيروت عام 2024م. — المحقق
[20] السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (1367 – 1440 هـ / 1948 – 2018 م)، فقيه ومرجع ديني، من أبرز تلامذة الشهيد السيد محمد باقر الصدر، تولى رئاسة السلطة القضائية ومجمع تشخيص مصلحة النظام في الجمهورية الإسلامية الإيرانية. — المحقق
[21] السيد رضا بهاء الديني (1327 – 1418 هـ / 1908 – 1997 م)، فقيه وعارف جليل ومربٍّ أخلاقي بارز في حوزة قم العلمية، اشتُهر بالزهد والمقامات المعنوية. — المحقق
[22] الشيخ محمد تقي بهجت الفومني (1334 – 1430 هـ / 1916 – 2009 م)، فقيه وأصولي ومرجع تقليد، ومن أبرز أعلام العرفان والأخلاق في الحوزة العلمية بقم، وتتلمذ على العارف السيد علي القاضي والشيخ محمد حسين الغروي الأصفهاني. — المحقق
[23] السيد محمد الحيدري، عالم دين وخطيب عراقي، إمام جامع الخلاني في بغداد، وعضو سابق في مجلس النواب العراقي، وله مؤلفات ونشاطات فكرية وسياسية. — المحقق
[24] أطلق سماحة السيد حسن نصر الله هذه العبارة الشهيرة في مهرجان «الانتصار الإلهي» بالضاحية الجنوبية لبيروت بتاريخ 22 أيلول/سبتمبر 2006 م، إثر انتصار المقاومة الإسلامية في حرب تموز. — المحقق
[25] الشيباني، أحمد بن حنبل. مسند الإمام أحمد بن حنبل. تحقيق شعيب الأرنؤوط، ومحمد نعيم العرقسوسي، وإبراهيم الزيبق، ط 1، مؤسسة الرسالة، ج 7، ص 205، ح 4136.
[26] الميرزا جواد التبريزي (1345 – 1427 هـ): فقيه ومرجع ديني، من أساطين تلامذة السيد الخوئي، اشتُهر بأبحاثه الفقهية والأصولية العميقة في الحوزة العلمية بقم وبدفاعه عن الثوابت العقائدية. — المحقق
[27] الشيخ حسين الوحيد الخراساني (دام ظله): مرجع ديني معاصر، ومن كبار أساطين تدريس الفقه والأصول في الحوزة العلمية بقم المقدسة. — المحقق
[28] نهج البلاغة: مجموع ما اختاره الشريف الرضي (أبو الحسن محمد بن الحسين الموسوي، ت 406 هـ) من خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ورسائله وحكمه ومواعظه. — المحقق
[29] ولاية الفقيه اصطلاحاً: ولاية الفقيه الجامع لشرائط الفتوى والعدالة في إدارة شؤون الأمة وتدبير أمور النظام وإقامة الحكومة الإسلامية وتطبيق الشريعة في عصر الغيبة. (انظر: فتح الله، أحمد. معجم ألفاظ الفقه الجعفري. ص 453). — المحقق
[30] الشيخ عبد الهادي الفضلي (1354 – 1434 هـ / 1935 – 2013 م): فقيه ومفكر إسلامي، ولد في البصرة وتخرّج في كلية الفقه بالنجف الأشرف، وتتلمذ على أعلامها كالسيد الحكيم والسيد الصدر، وله مؤلفات فقهية وأصولية وفكرية عديدة. (انظر: عبد الحميد، صائب. معجم مؤرخي الشيعة. ج 1، ص 547). — المحقق
[31] الكليني، محمد بن يعقوب. الكافي. ج 1، ص 67، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث، ح 10.
[32] هو السيّد حسن بن السيّد حسين الطباطبائي القمّي (1329 – 1428هـ)، فقيهٌ إماميّ، استقرّ في مدينة مشهد ودرّس في حوزتها، وكانت له مواقف نقديّة حيال بعض مسارات إدارة الدولة بعد قيام الجمهوريّة الإسلاميّة، وقد أحاطه السيّد القائد في أواخر حياته بالرعاية والتواصل الاستيعابيّ. يُنظر: الغروي، محمّد. مع علماء النجف الأشرف. ج 2، ص 526. — المحقق
[33] الحائري، كاظم الحسيني. مباحث الأصول. ج 1، ص 146.
[34] «منجّزيّة الاحتمال»: مبنى أصولي قرّره السيّد الشهيد محمّد باقر الصدر ضمن مسلك «حقّ الطاعة»، ومفاده أنّ مقتضى المولوية الذاتيّة للشارع شمولُ حقّ الطاعة لكلّ ما يُحتمل كونه تكليفاً، فيكون الاحتمال بنفسه منجِّزاً للتكليف عقلاً ما لم يثبت ترخيصٌ مؤمِّن، بخلاف مسلك المشهور القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان. وقد طبّقه السيّد حسن نصر الله هنا على إرادة الوليّ الفقيه باعتبار أنّ مجرّد احتمال رغبته في فعلٍ كافٍ في إثبات لزوم الاتّباع والامتثال عملاً. — المحقق
[35] المراد به الفقيه الجامع لشرائط الفتيا والقضاء، المتولّي لإدارة شؤون الأمّة وتنفيذ الأحكام الشرعيّة وحفظ النظام العامّ في عصر الغيبة. — المحقق
[36] هو السيّد محمّد حسين بن السيّد محمّد الطباطبائيّ التبريزيّ (1321 – 1402هـ)، حكيمٌ ومفسّرٌ إماميٌّ بارز، من كبار علماء الحوزة العلميّة في قم المقدّسة، صاحب «الميزان في تفسير القرآن». — المحقق
[37] هو السيّد عليّ بن الحسين القاضي الطباطبائيّ التبريزيّ (1285 – 1366هـ)، فقيهٌ وأستاذٌ في الأخلاق والمعارف الإلهيّة في حوزة النجف الأشرف، تخرّج على يديه جمعٌ من أكابر الأعلام. — المحقق