» 2023 » جهاد التبیین | أهمية جهاد التبين في خلق البصيرة السياسية
2023 - الملتقی الأسبوعي - الملتقی الأسبوعي - جهاد التبیین - مواسم ثقافیة

جهاد التبیین | أهمية جهاد التبين في خلق البصيرة السياسية

8 فبراير, 2023 00188

موسم (جهاد التبیین)

تحت عنوان: “أهمية جهاد التبين في خلق البصيرة السياسية”

بمشاركة: المستشار والخبير الاستاذ الدکتور مسعود اسداللهي

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

العناوين الرئيسية

  • مقدمة
  • جيل z))
  • نموذج تطبيقي على تهمة دخول الإيرانيين في الحرب السورية
  • رد التهمة ببيان حقائق وبالتواريخ

ضمن موسم “جهاد التبيين” المتزامن مع أيام عشرة الفجر والذكرى الرابعة والأربعين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة الإمام الخميني (قده) استضاف معهد المعارف الحكمية ومنتدى السيدة المعصومة الثقافي الدكتور مسعود أسد اللهي أستاذ العلوم السياسية، بتاريخ ٨ فبراير ٢٠٢٣، مسلطا الضوء على أثر جهاد التبيين في تحصيل البصيرة السياسية، فكانت كلمته كالتالي:

لا أريد أن أتكلم عن شؤون نظرية في جهاد التبيين، بل أريد تطبيقه على موضوع خاص.

  • مقدمة

قبل الدخول في الموضوع توجد مقدمة:

منذ القدم في تاريخ الحروب، من ضمن الحروب التي صاحبت الحروب العسكرية والأمنية دائما هي الحرب النفسية بحسب ظروف كل زمان ومكان، نحن جربنا منذ أول يوم من انتصار الثورة مؤامرات وهي بالأساس أمنية وعسكرية، ولكن دائما صاحبتها حرب نفسية وإعلامية.

في العقدين الأولين لانتصار الثورة كانت الحرب النفسية تفشل دائما، لسببين:

الأول: الجيل الأول لانتصار الثورة عاصر الشاه ورأى بأم العين طبيعة هذا النظام العميل لأمريكا وإسرائيل، وعاين الوضع المعيشي في إيران، فمن سيأتي لذاك الجيل ويمدح الشاه فإنه لن يؤثر فيه شيئا وستعرف الناس كذبه بسهولة، لأنها رأت بأم عينيها ما حدث.

الثاني: وسائل الإعلام آنذاك لم تكن مثل الآن فهي كانت بسيطة جدا، وحتى الفضائيات لم تكن منتشرة، وإذا وجدت فإن تأثيرها بسيط.

ولكن بعد منتصف تسعينات القرن الماضي دخلت تقنيات إعلامية فبدأت بالفضائيات حيث تحولت القنوات الفضائية إلى العمل على مدار ٢٤ ساعة وبلغات مختلفة كالعربية والفارسية، فكانت تبث الأخبار على طوال، وكانت تبث الأحداث من هنا وهناك سواء كانت أحداثا صحيحة أم مزيفة.

ثم تفجرت التقنيات بظهور الانترنت، ومنه ظهرت شبكات اجتماعية بسيطة كالماسنجر، ثم الهواتف النقالة، ثم الهواتف الذكية، ولا يوجد حد لهذه التقنيات، وليس لذلك سابقة تاريخية، ولذا نحن نواجه وضعا جديدا، وسائل الإعلام قادرة على تحويل الحق إلى باطل، والعكس بالعكس.

سابقا كانت الجرائد وحتى القنوات التلفزيونية تتعلق بجهة معينة، وحتى لو كانت جهة مغرضة إلا أنها لم تكن تستطيع إبراز ملا تريده ولو كان خبرا كاذبا؛ لأنه يؤثر في سمعتها.

بينما في الفضاء المجازي الحالي الموضوع منفلت ولا يعلم بمصدر بث الخبر، ولا يوجد حسيب ولا رقيب، ولذا وجدت حاليا فرصة للجميع لبث الاخبار وحكاية الأحداث ولو كان من يبث الخبر غير مؤهل علميا ولا أدبيا ولا غير ذلك.

لابد أن نعرف هذا بدقة حتى نعرف كيف نواجه.

في الحرب المفروضة لأجل التفاف الجميع حول الوحدة الوطنية والعقيدة القوية استطعنا التغلب في المواجهة وانتصرنا، ولكن مع رحيل الإمام ومجيء الإمام الخامنئي بشكل متزامن تكلم عن الغزو الثقافي، وهذا مصطلح جديد آنذاك حتى الخبراء لم يكونوا ملتفتين لمعناه، وكانوا يعتقدون بأنكم مشبعون بنظرية المؤامرة، ولا يوجد شيء باسم الهجوم الثقافي، فهذا ليس إلا حرية الإعلام والرأي!.

ولكننا احتجنا آنذاك للتبيين للناس أن المسألة ليست حرية رأي، بل هذه حرب ثقافية موجهة ضدنا.

ثم تبدلت الهجمة الثقافية إلى الحرب الناعمة، ثم إلى الحرب الهجينة أو المركبة وهي من أخطر الحروب عالميا، لأنه لا سابقة لها في التاريخ.

كان هناك أحد المحللين يقول: الدجال ليس بشرا، بل هو تعبير عن وسائل الإعلام، التي ترى بعين واحدة وتزيف الواقع.

هذا تحليل شخصي، وعلى كل حال نحن نستطيع أن نقول بأن الإعلام الحالي قادر على تزييف الحقائق.

في الحرب العسكرية يدمر الجسم، وهنا تدمر الروح والإيمان والإنسان لا يشعر، وجميع المجتمعات البشرية مستهدفة بهذه الحرب وليس نحن فقط، ومن الواضح أن وراء هذه الحرب هم اليهود الذين هم أصحاب المصالح المسيطرون على مقاليد الحكم في العالم.

هم قادرون على تحريف التاريخ حتى مع وجود الأشخاص المعاصرين للحدث.

قبل أسبوع إحدى الشخصيات الإيرانية قال كلاما عجيبا غريبا: لست متأكدا من أن الإمام قال يجب إزالة اسرائيل.

هو يقول ذلك مع أنه شقيق رئيس وزراء قد استشهد في بدايات انتصار الثورة على يد المنافقين.

وأنا لم أعرف كيف أرد على ذلك؛ لأن المسألة واضحة جدا ولا تقبل الخلاف، والإمام انتشر قوله المعروف: إسرائيل غدة سرطانية تجب إزالتها.

بل إن السبب الوحيد لإبعاد الإمام عن إيران هو التعرض لإسرائيل، حيث جاؤوا له في ستينيات القرن الماضي وكان آنذاك الإمام يريد أن يلقي كلمة، فقالوا له: لا مشكلة عندنا بأن تهاجم الشاه، ولكن لا تهاجم أمريكا وإسرائيل.

وبعد هذا يأتي شخص ويصدر منه مثل هذا الكلام، هذه جريمة للحقائق.

ولذا من يريد التشكيك فإنه سيشكك في كل شيء، فمثلا قد يأتي لك شخص ويقول بأن أخاك -الذي هو في الواقع استشهد على يد المنافقين- قد مات بسبب كورونا قبل أربعين سنة.!

اليوم جهاد التبيين هو مصداق من الجهاد الأكبر، لأن المسألة صعبة ومحفوفة بالمخاطر، ولابد لمن عاصر الأحداث أن يبينها على حقيقتها.

نحن شاهدنا أحداثا في حرب تموز ٢٠٠٦ ورأينا الانتصار الكبير الذي حققه حزب الله، ولكن هناك أطفال ولدوا حديثا أي بعد انتهاء الحرب ببعض سنوات ولم يعايشوا الأحداث، فربما تزور الحقائق لهم فيقال بأن سبب الحرب هو مغامرة حزب الله مثلا.

وبسبب الوضع الاقتصادي والمشاكل قد يقبل الجيل الجديد هذه الاتهامات، هذه الاتهامات نضحك على سخافتها نحن الذين عاصرنا الأحداث، ولكن الجيل الجديد قد يقبل.

جيل )y( وجيل (x) وجيل z))

علماء الاجتماع وضعوا تصنيفا للأجيال: جيل واي (y) وجيل اكس (x) وجيل زد(z):

وجيل زد هو من منتصف التسعينات حتى الآن، هؤلاء فتحوا أعينهم على الهواتف الذكية وطوال عمره يعيش في الفضاء الافتراضي ويراه فضاءً حقيقيا.

الجيل الجديد انقطع تواصله مع المجتمع ولا يعرف القيم، تنحصر قيمه في عدد اللايكات والفلورز والترند.

نحن كجيل قديم نحن هؤلاء خصوصا الممثلين، اشتهروا بسبب الجمال مثلا، البعض منهم لا ثقافة له أصلا، ولا يصلح أن يكون مرجعا لأحد، بينما الجيل الجديد يراه مرجع تقليد له.

كيف نوضح للجيل الجديد أن هذا ليس مرجعا أصلا، هذا يحتاج إلى صبر واستمرار، لأن الموضوع صعب.

كنموذج لذلك أريد التحدث في موضوع يُعد إحدى أكبر الاتهامات الموجهة لإيران داخليا وخارجيا وهو: دخول إيران في حرب سورية.

أحد أهم قرارات الجممهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة الإسلامية هو قرار الدخول في حرب سورية، قرار له أبعاد معقدة وغير واضحة للكثيرين، وهناك حجم كبير من الاتهامات، والجيل الجديد لا يعرف الكثير من الأمور، بينما نحن الجيل الذين رأينا وعاصرنا الأحداث نعرف حقيقة ذلك.

الاتهامات على قسمين:

١. لماذا دخلنا في الحرب؟

٢. كيف ومتى دخلنا في الحرب؟

هذه الليلة أريد أن أتحدث حول القسم الثاني فقط، ونحن كمؤيدين للثورة والمقاومة الإسلامية متهمون خصوصا من وسائل الإعلام العربية نحن كشيعة حاربنا مع النظام “العلوي” ضد أهل السنة ولأجل قتل أهل السنة في سورية.

هذا الاتهام في بداياته كان قويا، ولكن بعد اشتداد داعش في سورية وتشكل التحالف الدولي ضدها فقد هذا الاتهام بريقه، وتحول لاتهام آخر وهو: أنتم كشيعة خصوصا الإيرانيين دخلتم إلى سورية لدعم النظام العلوي وقتل السنة.

وهذا الأمر صار عاملا رئيسيا لنفور المجتمعات السنية منكم، وانقلبت الناس ضدكم، والمجموعات التكفيرية على أساس ذلك صعدوا موجة الغضب ودخلوا سورية لأجل انقاذ أهل السنة منكم.

ويستنتج هؤلاء المستشكلون: أنتم ذهبتم أولا ثم دخلت المجموعات التكفيرية بعدكم ردا على دخولكم، فأنتم المسؤولون عن جرائم التكفيريين وكل ما حدث في سورية والعراق.

هذا اتهام كبير، ومن الممكن بسهولة للجيل الجديد بعد سنوات أن يصدق ذلك، بينما الجيل الذي عاين الأحداث قد يضحك من هذه التهمة.

أنا أريد الليلة دفع هذه التهمة بالحديث عن كيف ومتى دخلنا إلى سورية.

لدفع هذه التهمة سأعطيكم خمسة تواريخ مهمة، ومن أحب فليدونها حتى يستطيع أن يبين للآخرين الحقيقة.

التاريخ الأول: شرارة الأحداث في سورية

كما تعلمون انطلقت المظاهرات في سورية ضمن الربيع العربي أو ما نسميه نحن بالصحوة الإسلامية متأخرا عن تونس بشهرين أو ثلاثة، فسقط زين العابدين خلال ٢٩ يوما، ومبارك حكم ٢٩ سنة بقبضة حديدية وسقط خلال ١٨ يوما، فمن كان يصدق هذا !!

ثم ليبيا واليمن والبحرين، وآخر مرحلة هي سورية فكانت في أواخر مارس ٢٠١١.

انطلقت شرارة المظاهرات بحادثة بسيطة جدا في درعا وهي أن بعض الأولاد في المتوسطة كتبوا عبارات ضد النظام السوري على الجدران وتم اعتقالهم، وذهب أهاليهم للشرطة لأجل إطلاق سراحهم، تم معاملة الأهالي بشكل غير لائق، ليس هناك تعذيب، ولكن الطريقة لم تكن مناسبة، فمن هذا الحدث اشتعلت الأحداث في سورية.

التاريخ الثاني: رسالة الظواهري

حزيران/ يونيو ٢٠١١ شيخ أيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة بعد بن لادن أرسل رسالتين واحدة علنية للناس والثانية سرية لشخص محدد:

الرسالة العلنية: أعلن أن سورية أصبحت أرض جهاد ويجب على كل شباب المسلمين (طبعا عدا الشيعة لأنهم لا يرون الشيعة من المسلمين) ممن يستطيع حمل السلاح أن يذهب إلى سورة ويسقط النظام الرافضي الكافر.

وجميع وسائل الإعلام بثت هذه الرسالة حتى القنوات الفضائية كالجزيرة والعربية.

توضيح: التكفيريون يقسمون البلاد الإسلامية إلى بلد نصرة وبلد جهاد، عندما تصبح إحدى الأراضي أرض جهاد فإن البلدان الإسلامية المجاورة تصبح أرض نصرة للدعم اللوجستي، ويمنع أي عمل عسكري في أرض النصرة ولو كانت الحكومة كافرة.

مثلا حينما أصبحت العراق أرض جهاد بعد سقوط صدام فإن سورية أصبحت أرض نصرة، ورأيت شخصيا التكفيريين يأتون إلى مطار دمشق ومنه إلى العراق عبر البر، ولم يقوموا بأي عمل عسكري في سورية مع أن النظام العلوي بنظرهم كافر.

ولكن في ٢٠١١ أصبحت سورية أرض جهاد وتركيا والأردن ولبنان أرض نصرة، ولم نر أحداثا عسكرية في هذه البلدان، في لبنان قاموا بأعمال عسكرية وأمنية ولكنها كانت موجهة ضد الشيعة بالتحديد مثلا ضد السفارة الإيرانية أو المستشارين الإيرانيين، وليس ضد الشعب كشعب.

الرسالة الخاصة: أرسلها الظواهري لأبي بكر البغدادي، ولم يكن آنذاك معروفا، وكان حينها على رأس مجموعة صغيرة باسم: الدولة الإسلامية في العراق، ولم تكن هذه المجموعة تسيطر على شيء، لأن الأكثيرية في العراق شيعية، وهناك الأكراد أيضا الذين كانت مشكلتهم قومية وحلم بالانفصال فقط، فأكثر من ٩٠% من الشعب العراقي لم يكن مع داعش.

والبيئة الحاضنة لهم لم تكن قوية حتى سنة ٢٠١١، ولذا الكثير من الناس لم تكن تعرف البغدادي إلا الأشخاص الذين يشتغلون بالعمل الأمني، وهذه المجموعة هي الفرع الرسمي للقاعدة في العراق، وقد أسسها أبو مصعب الزرقاوي صديق بن لادن والظواهري في حرب أفغانستان، وبعد ذلك رجع للأردن إلى مسقط رأسه مدينة الزرقاء التي هي موطن للتكفيريين مع الأسف، وأسّس جماعة للقاعدة هناك باسم جماعة التوحيد، وبعد مدة صار الاسم الرسمي لها هو الدولة الإسلامية في العراق، وبعد مقتل الزرقاوي صار البغدادي قائدا لهذه المجموعة.

ففي حزيران/ يونيو  ٢٠١١ طلب الظواهري من البغدادي إرسال أحد أصحابه السوريين من العراق إلى سورية لتشكيل الفرع الرسمي للقاعدة هناك.

وبدوره البغدادي طلب من أبي محمد الجولاني (الذي كان في العراق ضمن مجموعة البغدادي) الرجوع لبلده وتشكيل مجموعة جديدة، ففي حزيران رجع إلى سورية وبدأ بتشكيل المجموعة.

التاريخ الثالث: الإخوان يعلنون الجهاد

أيلول/ سبتمبر ٢٠١١ حركة الاخوان المسلمين فرع سورية أعلنت رسميا الجهاد ضد النظام يعني أن المظاهرات تتحول إلى حرب.

تنبيه: حركة الإخوان المسلمين بشكل عام لا تؤمن بالحركة المسلحة ولا بإسقاط أي نظام، فهي تشبه نهضت آزادي في إيران وبالإذن من الأخوة العراقيين تشبه أيضا حزب الدعوة، والصحيح بأن حزب آزادي والدعوة يشبهان حركة الإخوان، فالإخوان المسلمون تتشكل من متدينيين من غير العلماء كالأطباء والمهندسين وغيرها، ولا يؤمنون بالمدرسة الدينية السنية كالأزهر، ويعتقدون بأن الحاكم هو كل من يصل إلى سدة الحكم فهو يصبح ولي الأمر وتجب إطاعته.

فالاخوان في تونس ومصر واليمن لم يرفعوا السلاح ضد الحاكم، فقط في سورية رفعوا السلاح لأنهم يرون الحاكم العلوي كافرا فيجوز الجهاد ضده.

فبدأت الحرب رسميا في أيلول وإن كانت هناك أعمال مسلحة قليلة قبل ذلك.

التاريخ الرابع: الجولاني يعلن عن جبهة النصرة

كانون الأول/ ديسمبر ٢٠١١ أبو محمد الجولاني خلال ستة أشهر شكل المجموعة وجذب عناصر جديدة وعندما اكتمل الإعداد قاموا بأول عمل تفجيري في دمشق بسيارة مفخخة وقتل عدد كبير من الناس، وهذا غريب جدا حيث إن غالب سكان مدينة دمشق من السنة، ومن هذا التفجير أعلن الجولاني قيام تشكيل جديد باسم جبهة النصرة.

التاريخ الخامس: المستشارون الإيرانيون

كانون الثاني/ يناير ٢٠١٢ العميد الشهيد حسين همداني المعروف ب أبو وهب أُرسل على رأس وفد إلى سورية من قبل الشهيد الحاج قاسم سليماني.

فنحن لم نذهب إلى سورية قبل التكفيرين، بل ذهبنا بعدهم، وبعد التفجير وبعد إعلان الحرب ضد النظام.

هذا التاريخ مهم وفيه مشكلة في نفس الوقت، والكثير من الناس لا يعرف هذا الأمر إلا المتابع بدقة، وهو أن الجيش السوري لم يكن يقبل بأن يتعامل مع المستشارين من الحرس الثوري، والسبب واضح، ففي البداية كان الجيش السوري يعتبر هؤلاء قرويين ونحن عندنا ٥٠٠ ألف جندي عسكري مع التجهيزات العسكرية، فنحن بسهولة نسحق هؤلاء، فكيف تأتي مجموعة مستشارين لكي تعيننا، كانوا يعتبرون هذا إهانة لهم.

الحاج قاسم والحاج أبو وهب كانوا يوضحون بأن هؤلاء ليسوا قرويين، بل هم تكفيريون قاتلوا في أفغانستان واليمن، ولديهم خبرة واسعة في حرب المدن والعصابات، ويعرفون كيف يستخدمون السلاح المتقدم ويجيدون استخدام الفضاء الافتراضي، ولكن لم يكن الجيش السوري يقبل هذا.

الجيش السوري جيش تقليدي كبقية جيوش العالم ويدرب بشكل الجيوش الكلاسيكية على مقابلة جيش بجيش، وكان تركيز الجيش وتجهيزه موجها للجيش الصهيوني، وهناك شيء عجيب لا تراه إلا في سورية وهو تعدد المطارات العسكرية بمقدار كبير، وهي مطارات بسيطة ليست واسعة ورئيسية، وسبب ذلك يعود للتفوق الجوي للصهاينة فالجيش السوري قام بتوزيع الطائرات في جميع المناطق حتى لا تستهدف كلها في ضربة واحدة أو في أيام قليلة.

وأيضا في سورية أكبر الألوية العسكرية للجيش تستقر بين الجولان ودمشق، لأنهم يرون المشكلة مع إسرائيل، لم تكن هناك مشكلة مع تركيا أو الأردن، وعندما بدأت الحرب لم تكن عندهم رؤية عما يجري وعما سيجري، ولذلك لم يسمحوا للإيرانيين أن يدخلوا حتى المعسكرات السورية.

واستمر هذا الوضع قرابة التسعة أشهر، وخلالها انقلب الوضع تماما، وخسرت الحكومة الكثير من المناطق حتى دخل المسلحون إلى العاصمة ووصلوا إلى مكتب رئيس سورية، طبعا البعض يقول وصلوا للقصر الرئاسي قصر الشعب ولكنه غير صحيح، القصر يقع على مرتفع كبير، فالحقيقة أنهم وصلوا لمكتب الرئيس داخل المدينة في غرب المدينة التي هي منطقة مختلطة بين المسيح والسنة والعلويين.

خلال هذه التسعة أشهر أبو وهب كان يطلب من القيادة السورية السماح بتسليح الشباب المتطوعين كالباسيج الشعبي، فلم تقبل القيادة، لأنهم ربما يرفعون السلاح ضدها.

طبعا نحن في إيران عند حصول أية مؤامرة ينزل الشعب للشارع حتى ينهيها، لأن جذور الثورة هي بين الناس، بينما في سورية ليس كذلك، الحاكم هو حزب.

وقد جاءت مجموعة علماء سنة وأنا شرحت لهم هذا الموضوع فقلت: إذا استمرت الحركة السنية بهذا الشكل فلن يبقى شيء من المذاهب الأربعة بعد عشرين سنة، فسوف يبقى المذهب الوهابي فقط.

بعد المحاضرة قال لي أحد علمائهم: أنا كنت أشتغل بالفكر التكفيري لمدة عشرين سنة ولم أكن منتبها لهذا الموضوع، وهو صحيح، لأن المذهب السني لا يسمح بالقيام على الحاكم الظالم إلا أن يتحول الشاب إلى المذهب الوهابي فيمكنه ذلك.

البعث حصرا.

تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٢ وحينما وصل المسلحون إلى مكتب الرئيس ذهب الحاج قاسم ومعه أبو وهب إلى الرئيس بشار الأسد وقالوا له: أنتم على وشك السقوط، اسمحوا لنا بتجهيز الشباب، فالكثير منهم مستعدون للدفاع عن أنفسهم وعن القرى، وفي الدقيقة التسعين وافق بشار الأسد، لأنه لم يكن لديه خيار آخر.

بسرعة كبيرة شاهدوا أثر تسليح الشباب، أهل القرى يعرفون بعضهم البعض، ويعرفون طرق المنطقة، ويعرفون الغريب من غيره، فرأت القيادة السورية فعالية هذا الأمر وتأثيره، ثم سموا هذه الحركة الشعبية بقوات الدفاع الوطني.

فالحضور الفعلي للحرس الثوري بدأ في تشرين الأول/ أكتوبر ٢٠١٢، بينما في حزيران/يونيو ٢٠١١ طلب الظواهري من البغدادي إرسال شخص إلى سورية أي أن بين حضورهم وحضورنا أكثر من سنة.

ولذلك ليس من الصحيح أن حضورنا في سورية سبب الكراهية والحقد في العالم ضد الشيعة.

قد يأتون أشخاص من داخل وخارج إيران يقولون: سلمنا بهذه التواريخ، ولكن كيف كان الحاج قاسم خلال شهر كانون الأول/ ديسمبر يعلم بأمر التكفيريين !!

كيف لم يتنبأ أحد بهذا الموضوع غير الحاج قاسم.

الحاج قاسم تنبأ بالموضوع لأنه كان على علم بالتكفيريين وكان يقاتلهم قبل ذلك بكثير، وهذا مهم أيضا لدفع التهمة، أول معرفة من الحاج قاسم بالتكفيريين في جنوب شرق ايران، فبعد الحرب المفروضة أصبح الحاج قاسم مسؤول الأمن في محافظات الجنوب كرمان وسيستان بلوشستان، وكان هناك مقر للقوات البرية في حرس الثورة باسم مقر قدس، فكان الحاج قاسم رئيسا له لمدة طويلة، فهناك بدأ اشتباكه مع التكفيريين مع جماعات ريغي المسماة بجيش العدل، والحاج قاتلهم بشراسة وقطع جذورهم حيث كانوا ينطلقون من داخل باكستان ويدخلون إلى الأراضي الإيرانية ويخطفون ويقتلون ثم يعودون بسرعة للأراضي الباكستانية، نحن لم نكن ندخل داخل الأراضي الباكستانية رعاية لعلاقاتنا بالدولة الباكستانية، ولكن الحاج قاسم كسر هذه القاعدة حينما رأى أنه لا يمكن قتالهم لأنهم يهربون بسرعة، فذات مرة في تسعينيات القرن الماضي أمر الحاج قاسم قواته بدخول الأراضي الباكستانية بعمق حوالي ٤٠ كيلو مترا وتفاجأ المسلحون بإطباق الحصار عليهم فقتل الحاج قاسم منهم عددا كبيرا.

ومن العجائب عندما أصبح الحاج قاسم قائد قوات القدس وجاء إلى طهران بعد عدة أيام قال بأنه يجب عليّ الرجوع لزاهدان لوجود شكوى عليّ في المحكمة أنني خرجت من البلاد بشكل غير قانوني !!

هذه بداية معرفة واشتباك الحاج قاسم بالتكفيريين، ولكن معرفته الكاملة بالتكفيريين كانت في العراق بعد سقوط صدام في ٢٠٠٣.

طبعا صدام كان طاغيا وفاسدا إلا أن الأمريكيين اتهموه باتهامات باطلة منها السلاح النووي، وبعد هجوم صدام على الكويت قام الاتحاد العسكري ضده وتشكل حصار خانق على العراق، ففكر صدام بالتعاون مع الغربيين في مسألة التفتيش، وبذلك سيرفعون العقوبات، وبالفعل سمح لمنظمة الطاقة الذرية والأمم المتحدة بتفتيش كل شبر من العراق بحثا عن سلاح كيميائي أو نووي، فلم يجدوا سلاحا نوويا لأن صدام لم يصل إلى مرحلة تصنيعه، وجدوا كل الصواريخ ودمروها ووجدوا السلاح الكيميائي ودمروه، وعندما تأكدوا من خلو صدام من أي سلاح يدافع به عن نفسه وجهوا له اتهامات بدعم التكفيريين والإرهاب تمهيدا لإسقاطه.

ولذلك هذه القضية صارت تجربة لنا، فحينما يتهمونا بالسلاح النووي ويريدون تفتيش قواعدنا العسكرية فهذا ممنوع.

فمع سقوط صدام حصلت فوضى رهيبة في العراق، وكان الأمريكان يسمونها بالفوضى الخلاقة.

فبعد ذلك دخل الزرقاوي إلى العراق بطلب من بن لادن، وبدلا من قتل الأمريكان كان يقتل الشيعة بدعوى التعاون مع الأمريكان، فكانوا يقولون بأن الشيعة دخلوا العراق على ظهر الدبابات الأمريكية، من فعل ذلك ؟!

فقط شخص واحد بالفعل دخل العراق على ظهر الدبابة وهو ابن السيد الخوئي، وغيره من الذين دخلوا العراق من إيران فهم لم يدخلوا على دبابات، وفي الأساس دخلوا العراق لأنهم مواطنون عراقيون.

فمن هناك بدأت التفجيرات بالسيارات المفخخة بعدد كبير جدا، وأنا رأيت خريطة لبغداد تضع نقاط حمراء على محل العمليات الانتحارية فكانت النقاط تغطي تمام الخارطة في بغداد، وعلى رأس هذه التفجيرات هو تفجير حرم الإمامين العسكريين في سامراء ٢٠٠٦ أي قبل خمس سنوات من حرب سورية، وكانوا يدّعون بأنه معبد شرك، كيف كان معبد شرك مع أن حرم سامراء كان بيد السنة طوال ١٢٠٠ سنة وخلال هذه الفترة الطويلة كبار علماء السنة لم يقل أحد منهم أنه معبد شرك، بل كان السنة أنفسهم يستقبلون ويضيفون الزائرين.

آخر كلام للحاج قاسم مع مجموعة كبيرة من القوات جمعت في حرم السيدة رقية (ع) شرح الحاج قاسم الحرب في سورية والعراق وقال: نحن لم نخدم الشيعة والمسيحيين والدروز والأقليات فحسب، نحن خدمنا أهل السنة بقتال داعش؛ لأن السنة لا يستطيعون قتال داعش، بسبب أن جميع ما يقوله داعش موجود في الكتب السنية، ولذا السنة لا يستطيعون قتال داعش لأجل هذه الناحية الفقهية والفكرية، فنحن من قاتلنا وحمينا أهل السنة.

قیم هذا المقال!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×