» 2022 » الملتقی الأسبوعي » مواسم ثقافیة » المرأة المسلمة » المرأة المسلمة _ بحث في آية غض البصر _48
المرأة المسلمة - الملتقی الأسبوعي

المرأة المسلمة _ بحث في آية غض البصر _48

23 نوفمبر, 2022 30243

موسم (المرأة المسلمة)

تحت عنوان: “بحث في آية غض البصر”

بمشاركة: سماحة الشيخ حسن فواز العاملي (حفظه الله)

التغطية المصورة:

التغطية الصوتية:

التغطية المكتوبة:

 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحديث حول آية غض البصر، وقبل الورود في البحث أحب الإشارة إلى مسألة:

في مقام الدفاع عن الدين والأحكام الشرعية تارة نكون في مقام تشييدها علميا، وتارة في مقام الدفاع عنها،

والمقامان مختلفان في البيان، الأول له مكانه في البحث التخصصي.

والثاني لابد فيه من وضع ضوابط، فلا يصح الدفاع عن الدين كيفما اتفق لمجرد تحقيق الانتصار على الخصم، فإن العامل على غير بصيرة لا تزيده سرعة السير إلا بعدا.

مجرد كونك في مقام الدفاع لا يجوّز لك استعمال أي مقدمة، فأنت صاحب رسالة ولابد أن تأتي بمقدمات لا تسبب في هدم بعض الثوابت الدينية من جهة أخرى.

أحب أن أشير إلى رواية في هذا السياق:

ورد في الكافي ج٢ ص١٧٢ خبر يونس بن يعقوب وهي المحاججة الطويلة التي حصلت بين أصحاب الإمام الصادق ؟ع؟ مع أحد المخالفين، وبعد انتهاء المحاججة الإمام؟ع؟ أعطى وصفا لكل واحد من الأصحاب، وأتصور اذا دقق الشخص في هذه الأوصاف فسيخرج بنكات لطيفة.

مثلا قال الإمام؟ع؟ في حق حمران: تجري الكلام على الأثر فتصيب.

فما معنى ذلك؟  ماذا كان يصنع حمران  حتى يكون مصيبا؟

وجاء في حق هشام بن سالم: تريد الأثر ولا تعرفه، فما وجه ذلك؟

وفي الأحول: قياس رواغ تكسر باطلا بباطل إلا أن باطلك أظهر.

أي أنت تقول باطلا وذاك يقول باطلا غاية الأمر أن باطلك أقوى وأوضح حجة.

وفي حق قيس الماصر: تتكلم أقرب ما تكون من الخبر عن رسول‌الله؟ص؟ أبعد ما تكون منه، تمزج الحق مع الباطل، وقليل الحق يكفي عن كثير الباطل.

أي أنت في نفس اللحظة التي فيها تكون قريبا من رسول الله؟ص؟ أنت أبعد منه.

ولا يشترط أن تكون عندك كثيرا من الحجج بل تكفي حجة واحدة بحق.

ثم قال له: أنت والأحول قفازان حاذقان.

وفي حق هشام: لا تكاد تقع، تلوي رجليك إذا هممت بالأرض طرت.

هشام قد مدح، وحمران مدح أيضا ولكن ما الفرق بين هذين اللسانين من المدح؟

أتصور هذا بحث جيد حيث يبحث الشخص عن ضوابط الدفاع عن الحق، فربما بعض الحجج تنافي بعض الثوابت الدينية، فليس المطلوب في الدفاع عن الدين استعمال أي مقدمة كما ورد في هذا الخبر حيث وصف الإمام؟ع؟ بعض الحجج بأنها باطلة.

 

 الآية موضع البحث

<وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ>[النور: 31]

هناك جملة من المصطلحات في الآية الكريمة، نركز على ثلاثة منها:

1.مصطلح الزينة:

الزين لغة نقيض الشين، وهو دال على حسن الشيء، وفي لغة العرب لا يشترط كون الزينة أمرا عارضا على البدن من الخارج، فتشمل الخارجي كالكحل، وتشمل نفس الذوات كما ورد في قوله تعالى (المال والبنون زينة الحياة الدنيا) فجعل نفس المال والبنون زينة،

وأُطلق لفظ الزينة على عرف الديك أيضا كما في قول الشاعر: أجئتَ على بغلٍ تزفُّكَ تشعة ** كأنّك ديكٌ مائلُ الزَّين أعور.

الزينة تعطي معنى ايجابيا ضد الشين، فتدل على حسن الشيء إما حسنا ماديا كقوله تعالى (خذوا زينتكم عند كل مسجد) حيث فسر بالامتشاط، الذي هو تحسين مادي للوجه مثلا، أو حسنا معنويا كقوله تعالى (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم).

استعملت هذه المفردة ثلاث مرات في الآية، ولا إشكال بأن الظاهر البدوي أنها كلها بمعنى واحد، ومن البعيد كونها من المشترك اللفظي في هذا السياق الواحد.

والمتبادر من الزينة أنها منصرفة إلى الزينة العرضية الخارجية لا أقل بذيل الآية الظاهرة في الزينة الخارجية كالخلخال حال الضرب بالرجل، وحتى التعبير ب “لا يبدين” يفيد أن الزينة خارجية كالخاتم والحَلَق والقلادة ونحوها من الأمور المتعارفة تلك الأيام.

2.مصطلح الخمار:

وهو مشتق من “«خ م ر»” وهو دال على الستر والمخالطة، وسمي الخمر خمرا لأنها تستر وتغطي العقل كما في معجم مقاييس اللغة.

وصار الخمار بكثرة الاستعمال ظاهرا فيما يستر رأس المرأة كما يستفاد من الخبر: المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع ولا تلقي عنها خمارها.

فالخمار يتبادر منه ما هو أعلى من الجيب حتى يمكن ضربه على الجيب بمقتضى الاية.

3.مصطلح الجيب:

هو شق الجيب من القميص وهو ما ينفتح على النحر.

خرقن جيوبهن

وعن الرسول؟ص؟: أنسك الناس نسكا أنصحهم جيبا وأسلمهم قلبا لجميع المسلمين.

والنصيحة في اللغة بمعنى الإخلاص كما في النصيحة لأئمة المسلمين فهي بمعنى الطاعة والإخلاص لهم وإن كانت النصيحة تتضمن تقديم المشورة والنصح للغير.

 

فالرواية تؤكد على أن الجيب هو ما ينفتح على منطقة الصدر لمناسبة ضرب الخمار الذي هو في الأعلى على الجيب، فهذا الخمار يستر الرأس وينزل على الصدر ويستره.

ومن اللطيف التعبير ب “الضرب” حيث يناسب إحكام الستر وتأكيده.

هذا ما أردنا توضيحه من هذه المصطلحات، وأما تقريب دلالة الآية على وجوب ستر المرأة لبدنها في الجملة بغض النظر عن بعض الأمور كستر اليد.

لسنا في مقام ذكر عدة تقريبات للاستدلال، فهي متعددة، ولكننا نذكر أقرب توجيه:

-أولا ذكرت الآية أن المرأة تبدي ما ظهر منها، ومعناه أنه ليس كل المرأة تُستر وليس كلها تظهر.

ثم إن الآية فارغة عن تستر المرأة في الجملة، ولذلك لم تتعرض لبعض أجزاء البدن كالساقين، فالآية ليست في مقام تأسيس وتشريع الخمار، بل هي تمضي تستر المرأة في ذلك الزمان، حيث كان الستر بثوب طويل يستر الساقين كقدر متيقن ولعله لا يستر ظاهر القدم، وتضع قناعا على رأسها، فزادت الآية على هذا ستر بعض الأجزاء، وهي ما يستره الخمار إذا ضُرب على الصدر فتنستر بذلك الأذنان والقرطان والصدر والرقبة وأسفل الذقن، وهناك خلاف عند الفقهاء في ستر الذقن نفسه.

وبذلك يظهر لزوم ستر الزينة، حيث يشير قوله تعالى (إلا ما ظهر منها) إلى أن القرط والعقد على الرقبة مثلا قبل ضرب الخمار كان ظاهرا غير مستور، ومع الإلزام بضرب الخمار سيستر، حيث قد وضحنا موضع الخمار.

وبعد إضافة ضرب الخمار ستبقى بعض مواضع الزينة ظاهرة كالسوار والكحل والخاتم.

ينبغي الالتفات إلى أن الآية حينما استثنت البعولة من لزوم التستر أمامهم فهي ليست في مقام بيان جواز كشف هذا المقدار فقط أمامهم، بل هي إنما تبين عدم منع نظر البعولة بغض النظر عما هو المنظور إليه.

وبهذا يتم تقريب دلالة الآية لزوم ستر بدن المرأة ومواضع الزينة إلا ما ظهر، وندعي أن الذي ذكرناه هو ظاهر الروايات:

١. الكافي ج٥ ص٥٢١: معتبرة زرارة – بناء على وثاقة القاسم بن عروة لكثرة رواية الأجلاء عنه أو لرواية البزنطي وابن أبي عمير عنه أو لقاعدة المعاريف – عن أبي عبدالله؟ع؟ في قول اللَّه تَبَارَكَ وتَعَالَى: (إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) قَالَ: الزِّينَةُ الظَّاهِرَةُ الْكُحْلُ والْخَاتَمُ.

٢. الكافي ج٥ ص٥٢١: معتبرة أبي بصير -بناء على وثاقة سعدان بن مسلم لرواية ابن أبي عمير عنه أو لإكثار الجليل الرواية عنه-: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَ:‏ (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها) قَالَ: الْخَاتَمُ والمَسَكَةُ وهِيَ الْقُلْب‏.

والقلب نوع من الأساور.

 علاج تعارض

وهناك روايتان ظاهرتان في تفسير الزينة بنفس البدن،

ولكن نعتقد أن هناك نكتة تعالج ذلك:

بلا إشكال أن الزينة في نفسها بلا لبس لا نحتمل فقهيا أنها محرمة، فلا يحرم عرض خاتم المرأة على الرجل ليشتريه مثلا، فليس هذا مقصود الآية بلا إشكال، وإنما هي تحرم إبداء الزينة حال كونها على البدن، وعليه:

يمكن استفادة أولوية ستر البدن، فإذا حرم إظهار الزينة لأنها على البدن، فالبدن نفسه أولى بالستر، فالغاية الأساسية من الآية هو تحريم ذات البدن، فالتغليظ في حرمة الزينة يقتضي حرمة نفس البدن.

– فبنكتة الأولوية هذه يصح أن نجمع بين الأخبار المتقدمة وبين ما دل على كون البدن هو نفس الزينة، فعبر عن البدن بالزينة تغليظا في ستره.

ثم إنه أبعد من هذا الاحتمال هو احتمال كون المراد بالزينة هي الثياب، فلا توجد إشارة من الآية تفيد ذلك.

وأما الروايتان المشار إليهما فهما:

١. الوسائل ج٢٠ ص٢٠٢ عن قرب الاسناد وهي صحيحة مسعدة بن زياد قال: سَمِعْتُ جَعْفَراً وَسُئِلَ عَمَّا تُظْهِرُ الْمَرْأَةُ مِنْ زِينَتِهَا قَالَ: الْوَجْهَ والْكَفَّيْنِ.

٢. الكافي ج٥ ص٥١٩ وهي صحيحة الفضيل بن يسار قال: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الذِّرَاعَيْنِ مِنَ الْمَرْأَةِ أَهُمَا مِنَ‏ الزِّينَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: (وَ لا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَ)؟ قَالَ: نَعَمْ ومَا دُونَ‏ الْخِمَارِ مِنَ الزِّينَةِ ومَا دُونَ السِّوَارَيْنِ‏.

ولفظ “دون” يستعمل فيما تحت الشيء وما قبله، فإذا أريد به ما تحت الشيء كان معناه: من موضع السوار فصاعدا كله من الزينة، وإن أريد ما قبله كان موضع السوار ليس من الزينة.

– نعم هذه الآية لا تدل على ستر الوجه والكفين والزينة في الوجه كالكحل، فهذا يحتاج إلى دليل آخر.

 

والحمد لله أولا وآخرا

 

قیم هذا المقال!

نتيجة 4.67

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

  • ×